|
الطائفية والتقسيمات الادارية |
|
بين المشكلة الادارية والمشكلة الطائفية في لبنان علاقات وثيقة، فقد اقيم التقسيم الاداري وعدل مرارا لا سيما في القرن الماضي بناء" على المعطيات الطائفية ، ولكن المحاولات لم تحل المشكلة الا عندما كان يتم التوحيد. وفي القرن الحالي لم يقدم التقسيم الاداري أي حل في مجال المشكلة الطائفية. ولما كان بعض الاطراف اللبنانيين يتمسـك باللامركزية، فقد اقرت وثيقة الطائف اللامركزية الادارية حلا لمشكلة النمو المتفاوت الذي جعل بعض المناطق مزدهرة نسبيا وبعضها الاخر في درجات دنيا من التخلف الانمائي، وقد كان لهذا الامر بعد طائفي، ذلك انه اذا تركنا بيروت سنقع على مناطق مزدهرة تخص طائفة، ومناطق مهملة تخص طائفة أخرى. فكان الحل الذي رأته وثيقة الطائف، في ما يرمي اليه، يحاول ان يخفف من حدة الطائفية. وقد اتى وزير الداخلية بمشروع قانون يكرس اللامركزية الادارية من وجهة نظره، فهل سيكون اسهاما في حل المشكلة الطائفية الى جانب ما يرمي اليه؟ هذا ما سنحاول الاجابة عنه في ما يلي : بعد جلاء القوات المصرية عن بلاد الشام سنة 1840 ثارت الفتن بين الدروز والموارنة في جبل لبنان لا سيما بعد تعيين بشير الثالث اميرا على الجبل، والذي كان الدروز يتهمونه بالتحيز الى المسيحيين ضدهم. وبعد سلسلة من المعارك الدامية التي كانت تغذيها القوى العظمى التي عملت على طرد المصريين سابقا، عين عمر باشا النمساوي حاكما على الجبل بعد الغاء امتيازاته في 16-1-1942، ولكنه لم يستطع ضبط الاوضاع، عندها قررت الدولة العثمانية ان تقسيم الجبل على اساس طائفي الى قائمقاميتين. نظام إداري جديد يواجه المشكلات القديمة كان القصد الظاهر من تقسيم الجبل اداريا ايجاد عازل بين المسيحيين (الموارنة) والدروز تخفيفا لحالات الاحتكاك، ولكن النظام الجديد الذي اقام من طريق بيروت دمشق حدودا بين القائمقاميتين لم يستطع حل المشكلات، بل تفجرت من جديد وكأن شيئا لم يكن، لان التحريض الخارجي والشحن الطائفي الداخلي لم يتوقفا. ففي سنة 1844 انفجر القتال بين الموارنة والدروز من جديد وارتكبت المجازر الوحشية، وكانت القوى العظمى بالمرصاد وكل منها تحاول استمالة طائفة لها، ففرنسا كانت عقدت صلات مع الموارنة منذ الحروب الصليبية، وبريطانيا الباحثة عن موطئ قدم والتي وجدت استحالة في استمالة الطوائف المسيحية، راحت تعمل على استمالة الدروز، أما روسيا فكانت تسعى الى استمالة الارثوذكس. في هذه الظروف وقطعاً للطريق على القوى العظمى حاولت الدولة العثمانية حل المشكلات فأرسلت وزير خارجيتها شكيب افندي الى المنطقة. وجد شكيب افندي ان التقسيم الحاصل لم يمنع التداخل بين المسيحيين والدروز، فالقائمقامية الجنوبية تضم اعدادا من المسيحيين والقائمقامية الشمالية تضم اعدادا من الدروز، فوجد شكيب افندي الحل في المزيد من الطائفية، فشكل مجلسا في كل قائمقامية يمثل ابناء المذاهب الموجودة فيها الى جانب القائمقام وينتخب من قبل الاهالي ويتشكل كل مجلس من: - وكيل قائمقام من طائفة القائمقام، درزي في القائمقامية الجنوبية وماروني في القائمقامية الشمالية. - قاض ومستشار مسلمين سنيين. - مستشار شيعي (لان القاضي المسلم واحد). - قاض ومستشار درزيين. - قاض ومستشار مارونيين. - قاض ومستشار ارثوذكسيين. - قاض ومستشار من الروم الكاثوليك. وهؤلاء القضاة والمستشارون ينتخبون ويعينون بمعرفة مطارنة وعقال كلتا الطائفتين. وبعد نهاية انتخابهم يجب عليهم ان يذهب كل منهم الى رئيسه، أي قائمقامه الخاص، وهو يعين لهم مكان اجتماعهم، وهناك يقتضي عليهم ان يعقدوا كل يوم ما خلا ايام البطالة مجلسا للتفاوض في كل المسائل التي يعرضها القائمقام على ابحاثهم. الا ان هذه الصيغة لم تصمد هي الاخرى في وجه تدخلات القوى العظمى فنشب القتال من جديد سنة 1858 واستمر حتى سنة 1860، ما افسح المجال للتدخل الاجنبي فأرسلت فرنسا قواتها بحرا الى المنطقة. لكن الحملة التي تدخلت تحت شعار مساعدة السلطات على تحقيق الامن في هذه المنطقة، اتت لتعيد ذكريات الحروب الصليبية، فقد وجه الامبراطور نابوليون الثالث خطابا الى جنود الحملة يقول: "ستقومون بواجبكم في هعذه الارض السحيقة الغنية بتذكارات مجيدة فتبرهنون على انكم اولاد اولئك الابطال الذين حملوا علم المسيح في تلك البلاد بعز وشرف". وقامت الدولة العثمانية بإرسال فؤاد باشا الذي وضع بالتشاور مع مندوبي القوى العظمى نظاما جديدا اعاد توحيد الجبل ولكن تحت ادارة متصرف مسيحي يعاونه مجلس ادارة من مختلف الطوائف. توحيد فهدوء اذاً اعاد النظام الجديد، النظام الاساسي او نظام المتصرفية، توحيد الجبل ووزعت مقاعد مجلس الادارة المساعد للمتصرف على الطوائف على النحو التالي: 4 اعضاء موارنة، 3 اعضاء للدروز، عضوان للروم الارثوذكس، عضو عن السنة، عضو عن الشيعة، عضو عن الكاثوليك، أي بواقع سبعة اعضاء للمسيحيين وخمسة اعضاء للمسلمين. واستمر الحال على هذا النحو بعد تعديل بسيط، وعاش النظام حتى الحرب العالمية الاولى. ولعل الذي مكن لهذا النظام ان يصمد حوالى خمسين سنة هو ان الحاكم لم يكن لبنانيا يختلف حوله الدروز والموارنة، بل كان اجنبياً لا علاقة له مبدئيا، بالحساسيات المحلية. التقسيمات الإدارية في عهد الانتداب: رحلة المركزية الإدارية واللاحصرية بعد احتلال المنطقة من قبل الحلفاء عين الفرنسيون حكاما عسكريين على المناطق الى ان اقر الانتداب، وعندها صدر نظام اداري جديد لم تظهر فيه سمات اللامركزية التي كان تمتع بها الجبل، وقد قسم لبنان الكبير (بعد ضم بيروت وطرابلس والجنوب والاقضية الاربعة، والبقاع)، الى ست مقاطعات هي: 1-سنجق لبنان الشمالي وعاصمته زغرتا، ويضم قضاءي عكار وحصن الاكراد، وقضاء زغرتا وقضاء البترون. 2- سنجق جبل لبنان وعاصمته بعبدا (عاصمة المتصرفية القديمة) ويضم اقضية كسروان والمتن والشوف ومديرية دير القمر. 3- سنجق لبنان الجنوبي وعاصمته صيدا، ويضم اقضية صيدا وصور وحاصبيا. 4- سنجق البقاع وعاصمته زحلة، ويضم اقضية راشيا والمعلقة بعلبك ومديرية الهرمل (التي كانت تابعة سابقا للمتصرفية). 5- مدينة بيروت وضواحيها - وهي العاصمة. 6- مدينة طرابلس وضواحيها. لقد بقي هذا النظام محملا ببعض المعطيات التاريخية، اذ بقيت معظم اراضي جبل لبنان موحدة، كما احتفظت طرابلس باستقلالياتها عن سنجق الشمال الذي كان جزء منه تابعا للمتصرفية، ولعل عزلة طرابلس نجمت عن مخاوف الفرنسيين التي ايدتها الوقائع حينذاك، بطواعيتها، وهم كانوا قلقين من وضعها، اذ فكروا بضمها الى دولة دمشق ولكنهم وجدوا ان تلك الدولة تصبح كبيرة ! فاقترحوا ضمها الى دولة تشمل حمص وحماه، فتكون منفذا لها على البحر، ولكن الموارنة تعهدوا بـ"لبننتها" بسرعة كما لبننت بيروت فلم يجد الفرنسيون مناصا من ضمها الى لبنان الكبير. وفي 1925 جعلت طرابلس عاصمة للشمال وانشئت المحافظات، ثم عدل القرار رقم 3066 المنشئ للنظام الجديد بالمرسوم الاشتراعي رقم 5 تاريخ 3 شباط 1930 الذي انشأ خمس محافظات، الا ان الأقضية عدل عددها سنة 1954 ثم انبثقت محافظة النبطية سنة 1975. هذا التقسيم رافقه نظام لا حصري محدود اذ تولى المحافظ والقائمقام البت في بعض الامور الصغيرة، ولم يترك للامركزية الا البلديات التي كبلت بالقيود الشديدة تجاه القائمقام والمحافظ وأجهزة وزارة الداخلية.
بين اللامركزية السياسية والإدارية: وردا على الدعوات التي ازدهرت لدى البعض حول اللامركزية السياسية اقرت وثيقة الطائف اللامركزية الادارية ولكن في المستويات الدنيا من قضاء فما دون، وأتى مشروع قانون اللامركزية الادارية ليلغي المحافظات ويقيم مناطق ادارية تعتمد على الاقضية الحالية وترتبط بوزارة الداخلية. ونحن هنا لن نناقش عملية مشروع القانون الجديد، او انطباقه على المعايير الادارية، بل سنكتفي بإعطاء رأي حول النتائج المرجوة منه، تاركين النقاش الى مقال لاحق. وملخص رأينا ان المشروع اذ يفتت البلد إداريا، ولا يربط الوحدات الادارية التي يقيمها بأي رابط وسطي بين المركز وبين المنطقة، فإنه لن يمكن من وضع وتنفيذ خطط محلية، بل سيشجع الروح الطائفية بسبب الغلبة الطائفية وحتى الوجدانية الطائفية التقريبية في الاقضية، وهو هنا لن يحل المشكلة الطائفية بل على العكس، فبسبب من طرائق النمو المتاينة بين القضاء والقضاء سيؤدي الى فروق ستزداد مع الوقت، كما سيؤدي الى الفوضى في النمو على الصعيد الوطني. ولقد جرب نظام التفتيت في السابق، عند اقامة القائمقاميتين، ولكن الامر ادى الى مزيد من التفتيت من دون ان يحل المشكلة، فبعد تعيين قائمقام في كل قضاء من طائفته الغالبة، اضطرت السلطة الى اعادة تمثيل المذاهب من جديد ولكن من دون جدوى، ونحن هنا سنجد أننا ننزلق في اتجاه لن يحل شيئا من المشكلات، اللهم الا بعض المشكلات البلدية الصغيرة، او مشكلات ما بين البلديات، من دون أي أفق للتنمية الشاملة. د. محمد طي |