|
|
|
رغم مرور أكثر من ثماني سنوات على انعقاد مؤتمر مدريد، فإن الاتجاه العام لمسار التسوية لم يستقر على وضعيه محددة، وتبدو الامور في بعض الأحيان وكأنها وصلت الى طريق مسدود لا يمكن اختراقه، لا سيما عندما تقترب المفاوضات من القضايا الجوهرية سواء على المسار الفلسطيني أو على المسار السوري - اللبناني، مما يظهر بوضوح ان كثرة الاتفاقات التي تناسلت من "مدريد" لم تؤد الى زحزحة العقبات الاساسية التي تعترض إنجاح تسوية "متوازنة"، تقوم على تقديم الكيان الصهيوني تنازلات حقيقية تحقق الحد الأدنى من المطالب العربية المطروحة. وحيث ان المسار التفاوضي يتخذ هذا المنحى بوضوح، يحاول التحالف الاميركي الاسرائيلي طمس هذه الحقيقة القاتمة، ساعيا لإبراز صورة أخرى زاهية الألوان لمستقبل الأوضاع، بهدف تشجيع الاطراف العربية للدخول مجددا في نفق التفاوض المظلم، وذلك دون إعطاء أية تعهدات فعلية تساهم في تحقيق وقائع عملية لمصلحة هذه الاطراف في مرحلة ما بعد النفق التفاوضي. ولا تقتصر سياسة هذا التحالف، وخصوصا الادارة الاميركية، على هذه المواقف، وإنما تتراجع عن مواقف سابقة وتعهدات قديمة طرحت منذ مؤتمر مدريد، وتوجت في مفاوضات عامي 1995 و1996، حين اعلن الاتفاق على ما سمي بعد ذلك بـ" وديعة رابين" التي تتصل بمعالجة الامور على المسار السوري، وهو ما يعني تعثر انطلاق هذا المسار، والتوجه مجددا" الى المسار الفلسطيني حيث "المعضلات الكبرى" بانتظار الأطراف المتفاوضة . ولا يغير من حقيقة المأزق القائم، اعلان التحالف الاميركي - الاسرائيلي امكانية العمل على كل المسارات في الوقت ذاته، فعدا عن ان هذا الاعلان يحاول احياء الرهان مجددا" على العملية التسووية لتكرار ممارسة سياسة الابتزاز التقليدية في اللعب بين المسارات، فإنه يستهدف الحفاظ على الوضع القائم تجنبا" لاقتراب بعض الاطراف العربية من اتخاذ خيارات أخرى قد تلحق أضرارا بالمعادلة السياسية الراهنة. وإذا كانت المفاوضات على المسار السوري لا تزال تعاني من جمود بفعل سياسة التصلب الاسرائيلية، التي كرستها الادارة الاميركية مؤخرا حين تراجع بعض مسؤوليها عن الاستناد الى "وديعة رابين" كأساس للمفاوضات، فإن الحركة التفاوضية على المسار الفلسطيني ليست أحسن حالا"، وان حاولت قمة أوسلو الثلاثية بين رئيس الولايات المتحدة بيل كلينتون ورئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك ورئيس سلطة الحكم الذاتي ياسر عرفات، وما رافقها من أجواء احتفالية، إضفاء ايجابيات كثيرة على امكانيات انطلاق هذا المسار بقوة تمهيدا" للتوقيع على اتفاق إطار لصورة الوضع النهائي والمقرر في شهر شباط من العام المقبل . ولا يمكن فقط، اعتمادا" على العديد من تصريحات رؤساء القمة، رسم صورة سلبية لمستقبل المفاوضات على هذا المسار، وإن بدا هؤلاء "عازمين" على معالجة "المعضلات الكبرى"، لكن بالاستناد الى رؤية استراتيجية وسياسية لطبيعة هذه المعضلات ونوعها، من قبيل قضايا القدس والاستيطان وعودة اللاجئين والمياه وطبيعة الكيان الفلسطيني، يمكن القول ان هذه المعالجة تستحيل منطقيا" وواقعيا بفعل الإجماع الاسرائيلي المتمسك بلاءات باراك، وبالرفض القاطع لاعتبار القرارات الدولية، لا سيما القرار 242 مرجعا" في التفاوض. وفي ضوء ذلك يمكن التساؤل عن واقعية الآمال التي يجري العمل على تسويقها في ما يتصل بمستقبل الوضع الفلسطيني؟ لقد دلت التجربة التفاوضية من " اوسلو" الى "واي" على ان الكثير من الاستعصاءات السياسية والامنية التي كان شركاء التفاوض الاسرائيليون والفلسطينيون يصطدمون بها، قد جرى"حلها" من خلال وسيلتين: تتمثل الوسيلة الاولى بتراجع الطرف الفلسطيني شيئا" فشيئا عن المطلب الذي كان يصر على التمسك به بقوة انسجاما مع الضغوط الاسرائيلية التدريجية، ثم التفريط به بعد افتعال أزمة تغطي على تنازلاته المتتالية. أما الوسيلة الثانية فقد برز استخدامها على فترات عديدة، وهي مماثلة للأولى من حيث ممارسة الانكفاء أمام الضغوط الصهيونية، ولكن دون التفريط بهذا المطلب أو ذاك باعتباره يمس الخطوط الحمراء غير المسموح بتجاوزها جماهيريا"، لكن كان يتم العمل على قذف عملية المعالجة الى مرحلة الوضع النهائي، حفاظا" على استمرار المفاوضات وعلى أجواء "الثقة" المتبادلة بين الجانبين. ما تقدم يعني ان مفاوضات الوضع النهائي ستصطدم وجها" لوجه ليس امام "المعضلات الكبرى" فحسب وإنما أمام كل القضايا التفصيلية الحساسة التي أرجئت الى هذه المرحلة. ويمكن، استنادا" الى التجربة الفلسطينية السابقة في التعاطي مع العملية التفاوضية، توقع ان يتراوح أداء السلطة الفلسطينية السياسي ما بين استخدام هاتين الوسيلتين، مما يفيد بأن الكثير من "المعضلات الكبرى" سيرتهن "حلها" بالاحالة الى عنصر الزمن، مع ما يعنيه هذا العنصر من حتمية دمغ القضايا - المعضلات بالطابع الصهيوني، وبالتالي تثبيت السيطرة الاسرائيلية على الارض والحقوق. ولا يجدر التوقف بتاتا" أمام التصريحات "الفلسطينية" المتتالية التي تؤكد ان مرحلة التنازلات قد ولى عهدها مع اقتراب المفاوضات النهائية، لان هذه التصريحات ان لم تكن غايتها تلميع صورة السلطة على المستوى الشعبي، فإنه لا مضمون سياسيا فعليا لها حتى لو رغبت السلطة بذلك، لأن السياسة الفلسطينية الرسمية المحتكمة واقعيا الى مرجعية "اوسلو" الذي حدد السقف السياسي لعملية التسوية وطبيعة الأداء الفلسطيني في ظل تراجع الادارة الاميركية عن التعهدات والقرارات الدولية، وممارستها دور الحليف لـ"اسرائيل" في المفاوضات، لن تؤدي الى ما يحفظ لسلطة الحكم الذاتي ماء الوجه من نتائج المفاوضات الواضحة للعيان على ضوء المعطيات الراهنة. وبما ان القراءة السياسية الواقعية لتطور المسار التفاوضي تتخذ هذه الصورة، نطرح التساؤل مجددا عن حقيقة الرهان الفلسطيني المرتجى من مفاوضات الوضع النهائي؟ من الواضح فعليا" ان سلطة الحكم الذاتي التقطت، بوضوح، رسائل وإشارات اميركية واسرائيلية عديدة تؤكد ان لا موانع سياسية أمام اقامة كيان فلسطيني ما فوق بعض أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، ويبدو ان هذا الرهان الفلسطيني، وبمعنى آخر الفخ الذي ينصبه التحالف الاميركي _ الاسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية، هو الذي يعول الحكم الذاتي لتحقيقه من مفاوضات المرحلة النهائية، وان كان على حساب القضايا الجوهرية موضع الصراع الحقيقي بين الطرفين. وفي الواقع فإن الرهان على "الدولة - الكيان" هو الذي يقف فعليا" وراء مختلف التحولات السياسية المفصلية التي صنعتها القيادة الفلسطينية الراهنة منذ السبعينيات، ولا يزال يترك نتائجه السلبية على المصير الفلسطيني حتى هذه المرحلة، لان ادراج هذا الرهان في البند الاول للجدول السياسي الفلسطيني أخل بترتيبات الأولويات السياسية، وأضاع على السلطة مكاسب سياسية كبرى كان يمكن تحقيقها اعتمادا" على صياغة أولويات أخرى تعزز مكانة الموقع الفلسطيني في ميزان القوى الراهن، كأن تكون قضايا القدس والاستيطان واللاجئين تحتل المرتبة الاولى في المفاوضات، وهو ما يشد من قوة المفاوض الفلسطيني الذي يستند حينها الى وضع استقطابي عربي - اسلامي حاشد باعتبار ان هذه القضايا وخصوصا القدس تمس في الصميم مصالح ومشاعر عربية وإسلامية حساسة. على ان هذا الطرح لا ينشد التأكيد على ان مشكلة فلسطينيي "اوسلو" تنحصر في إخلالها بترتيب جدول الأولويات فحسب، وإنما المسألة تتجاوز ذلك في العمق، بل كان ما يهم هو الاشارة الى ان انتعاش الامل الفلسطيني مجددا" باحتمال الوصول الى "دولة فلسطينية" ولو كانت بدون سيادة فعلية أو حارساً لأمن الكيان الصهيوني وسوقا له، أو هراوة غليظة تخمد انتفاضة الشعب الفلسطيني.. ان انتعاش هذا الأمل على ضوء الحديث الاسرائيلي عن مصلحة صهيونية في إنشاء مثل هذه الدولة التي تلتزم بتعهداتها، هو الذي يجعل الحريصين على مستقبل القضية الفلسطينية يرفعون صوتهم بالتحذير من ضياع القدس وتكريس الاستيطان وتوطين اللاجئين، لأن اعتبار "الدولة" أولوية إنما يعني ان كل قضايا الجوهرية والحساسة باتت قابلة للتنازل على مذبح المساومات السياسية الكبرى. علي هادي |