شباط - الجمعة 04/02/2000


الفلسفة في المنهاج الجديد للتعليم الثانوي:
أستاذ المادة ولغتها؟


قبل الانتقال من نقد المنهج الى نقد المحتوى تجدر الاشارة الى مشكلة رئيسية تتعلق بسؤال عن معلم مادة فلسفة ولغتها. هل هو استاذ الفلسفة او علم النفس او التاريخ. واذا كان اختصاص المعلم يتعلق بمستوى المادة ومواضيعها، فإن تعليم الفلسفة في البرنامج القديم مهمة انيطت بكل من حملة الاجازة التعليمية في الفلسفة والاجازة التعليمية في علم النفس، استاذ المادة الاولى يدرس الفلسفة العربية، واستاذ المادة الثانية يدرس "الفلسفة العامة" باللغة الاجنبية، (الفرنسية او الانكليزية) ومنهاج المادة الثانية "فلسفة عامة" كان يتضمن موضوعات تتعلق بالمنطق، والاخلاق، وعلم النفس. ومن الشهير ان المنطق والاخلاق تندرج بشكل اساسي في الفلسفة العامة، فيما علم النفس كان آخر العلوم التي استقلت حديثا عن الفلسفة "بداية القرن العشرين" كما ان مدارس فلسفية شهيرة انتجت مدارس في علم النفس مثل المدرسة الظاهراتية، والمدرسة الوجودية، ومدرسة الحدس عند هنري برغسون، فيما اسست مدرسة علمنفسية كمدرسة التحليل النفسي عند سيفموند فرويد، مدرسة فلسفية لاحقة. وعليه، يلحظ المنهاج الجديد الحاق حملة الاجازة في علم النفس بمادة الفلسفة. ولا يخفى ان هؤلاء الاساتذة ابدوا اعتراضا خفيا على مهمتهم الجديدة، لعدم توافقها مع اختصاصهم الجامعي، وسيجدون صعوبة متفاوتة في التكيف معها. اما حملة الاجازة في التاريخ، فقد استبعدوا، بعد حوار داخل المركز التربوي للبحوث والانماء، عن تدريس المادة. تحمل الى النظر للجمع بين الفلسفة والحضارات لمصلحة مقاربة فلسفية للحضارات ومضمونها كان صريحا في المقدمة التي وضعها المؤلفون، لكتاب فلسفة وحضارات الصادر عن المركز التربوي للبحوث والانماء جاء فيه "كتابنا هذا، وتمشيا مع اهداف المنهاج الجديد ومضمونه، يقدم المؤلفون عملا جديدا متميزا، لا بعناوينه ومضمونه وحسب، وانما في "فلسفته" تحديدا، أي معناه وروحه واتجاهه واهدافه. لم تعد مادة" الفلسفة" الان ثبتا بالاعلام والاسماء، بل اصبحت ودون ان تعيب بسير الاعلام، استعادة وبحثا في القضايا الفلسفية ومشكلاتها واسئلتها". اذاً، تؤكد المقدمة، على دراسة الفلسفة عبر قضاياها واسئلتها، وهي بحاجة على هذا الاساس الى استاذ فلسفة لتعليمها، ولا بأس من استاذ علمنفسي، اذا كانت المادة تجمع في موضوعاتها المنطق والاخلاق، لكنه يبدو في الواقع، ان هاتين المادتين: المنطق والاخلاق يندرجان في موضوع الفلسفة العامة،الشيء الذي يسمح لاستاذ الفلسفة استعادة حقه في تعليم مادة اختصاصه الاصلي.

      المشكلة التي تقبع وراء هذه الخيارات لاستاذ المادة، لا تتعلق وحسب بسوق العمل في مهنة التعليم، لكن في اصل يقوم على مادة الفلسفة العربية باللغة العربية، ومادة الفلسفة العامة باللغة الاجنبية، لاقامة توازن يؤدي الى دراسة الفلسفة باللغة العربية واللغتين الفرنسية والانكليزية. كان في لبنان (نصف تعريب) لتعليم هذه المادة. والمركز التربوي للبحوث والانماء لم يتخلص من هذه المشكلة فعمد الى اجراء توازن غريب من نوع اخر يقوم على اصدار ثلاث كتب رسمية للمادة: كتاب في اللغة العربية، وكتاب في اللغة الفرنسية وكتاب في اللغة الانكليزية، وعلى السماح للمدارس الخاصة بتعليم مادة الفلسفة في الصفين الثاني والثالث ثانوي باللغات الاجنبية وقبول امتحان التلميذ في الامتحانات الرسمية باللغات العربية والفرنسية والانكليزية. وعليه فإن كثيرا من تلامذتنا سيدرسون اصول الدين الاسلامي والفرابي وابن سينا وابن عربي والحلاج ورابعة العدوية، باللغات الاجنبية، كما سيدرسون هيجل وتوينبي واخرين، واذا كان هيجل المانيا، لماذا لا يدرس هو وكانط وغيرهما من فلاسفة الالمان بالالمانية؟ اذا كنا نريد ان يطلع التلامذة على المتون الاصلية للنصوص.

      انه توازن غريب لا تستقيم معه شروط سوق العمل، بقدر ما تستقيم امور اخرى اهمها، كما صرح رئيس المركز التربوي في سؤال بهذا الخصوص، المحافظة على ثروة لبنان باللغات الاجنبية التي تؤمنها بعض مؤسسات المدارس الخاصة، وكأن اللغات الاجنبية لا تتقن الا اذا علمت فيها مادة الفلسفة. انني من دعاة تعلم اللغات الاجنبية واتقانها والاستزادة منها، ولذلك مناهجه وطرائقه، ولكن هذا امر وتعليم الفلسفة بغير اللغة العربية امر آخر. ان كثيرا من الدول العربية، كالمغرب على سبيل المثال، تعلم الفلسفة باللغة العربية وكذلك علم النفس وهذا لم ينقص من عدد الذين يتقنون اللغة الفرنسية في المغرب العربي، وقرار الحكومة التونسية الاخير بتعريب كل المناهج الدراسية والمعاملات في الدوائر الرسمية يشير الى اهمية العربية المعاصرة في دراسة الفلسفة.

      ثم اننا نعرف جميعا، كمشتغلين في الفلسفة، ان المتون الفلسفية الاصلية، اليونانية وغيرها ترجمت الى اللاتينية ثم الى اللغات الاوروبية، عن ترجمات اصلية في اللغة العربية، الى جانب ان تدريس اصول الاسلام والمعارف القرآنية، ومتون بعض الفلاسفة المسلمين "كشعر ابن عربي والحلاج، والتصوف الفارابي وعرفان ابن سينا وملا صدرا"، له نكهة خاصة، اذا ما درس في اصله العربي ويقدم فائدة مضاعفة للمتعلم. وتوجد دراسات معاصرة تؤكد على الضرر اللاحق من جراء تعليم الفلسفة والعلوم الانسانية باللغات الاجنبية، من حيث وضع التلميذ في وضع "المتغرب" بالنسبة لمجتمعه ومحيطه وقدرته على الاستفادة من عملية التعليم في حياته اليومية. توجد دراسة قيمة للدكتور زهير حطب نشرت في "الفكر العربي"، تشير الى المضار الكثيرة من تعليم العلوم الانسانية والاجتماعية باللغات الاجنبية، (لا نقول انه يستحيل تعليم هذه المواد باللغات الاجنبية، انما يستحسن تعليمها بالعربية) خاصة بالنسبة لعلاقة استاذ التاريخ بتعليم هذه المادة، تشير مقدمة المؤلفين الى ان الطالب لا يبحث في الحضارات عن هذا الحدث، او ذاك، فذلك متروك لعلم التاريخ، وانما هو يبحث عن مبادئ تشكلها وصورها ومعانيها، وما تضمنته من انجازات وابداعات انسانية فكرية وعلمية من انساق قيمته وثقافته. اذاً اخرجت استاذ التاريخ من علاقته بالمادة، لكن المحتوى، كما سنرى حافظ على علم التاريخ، في عرضه لمادة الحضارات.

      نرى ان استاذ الفلسفة هو معلم هذه المادة بامتياز، واللغة العربية هي اللغة التي تؤمن الاستفادة منها، وتحقق الكفاية المطلوبة، على صعيد تكيف التلميذ مع ثقافته في محيطه وحياته اليومية.

د. طراد حماده