كانون الاول - الجمعة 31/12/1999


تاريخ القدسالأوقاف الاسلامية والمسيحية في القدس

رائف نجم


    هناك مصادر وثيقة لم تكتب لخدمة التاريخ، ولكنها تعتبر من اصدق المصادر التاريخية. ومن هذه الوثائق كتب الفقه والفتاوى وسجلات المحاكم الشرعية والوقفيات وما يتعلق بها من معاملات ومن اهم هذه الوثائق في موضوع القدس: الوثائق العثمانية ووثائق المحاكم الشرعية بالقدس.

    ان اول من نشط في احياء الوقف الاسلامي في القدس هم امراء الدولة الايوبية بعد الفتح الثاني للقدس سنة 1187م، على يد صلاح الدين الايوبي، ومن بعدهم المماليك، واصبحت اراضي القدس وقفا يتصرف به الخليفة او الوالي لما فيه مصلحة المسلمين. ويعتبر الفقهاء ان الغالبية العظمى من اراضي فلسطين بعامة والقدس بخاصة وقفا خراجيا. وفي الوقت نفسه لم يهضم حق الوقف المسيحي بل تمت المحافظة عليه، كما اكدت ذلك العهدة العمرية. وقد اشادت سجلات المحاكم الاسلامية بأن الدول الاسلامية حافظت على الوقف المسيحي. ولكن ما ان مارست بريطانيا انتدابها على فلسطين حتى اخذت تصادر اوقاف المسلمين، وجاء بعد ذلك الغزو الصهيوني المغتصب، ليكمل المهمة بهدف تهويد الارض والسكان.

    وتنتشر الابنية والاراضي الوقفية في مدينة القدس في البلدة القديمة وخارجها في جزءي المدينة الشرقي والغربي. وأهم هذه الابنية الوقفية المعالم الدينية الاسلامية والمسيحية التي تحصى بالمئات، ومنها المسجد الاقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، والمساجد، وكنيسة القيامة، و55 مدرسة اسلامية والزوايا والخانقاهات والاربطة والاسبلة والحمامات، والاسواق التجارية، والكنائس والاديرة، والاراضي الزراعية.

    ومن الاوقاف الهامة في داخل البلدة القديمة أوقاف المغاربة منذ العصور الوسطى. وقد بدأ ذلك منذ عهد صلاح الدين الايوبي بعد ان استعان بالجيوش المغربية لصد هجمات الافرنج على بلاد الشام التي كانت تحت غطاء الدين. وقد شملت اوقافهم حارة المغاربة المجاورة لحائط البراق تبركا بالمسجد الاقصى، وقرية عين كارم التي اوقفها بكاملها الشيخ ابو مدين الغوث وكان فيها دور للسكن وآبار وعيون وماء واشجار مثمرة بمساحة 15 هكتاراً وبقيت حتى سنة 1948 من اولى القرى الزراعية التي تمد القدس بإنتاجها من الفواكه والخضروات.

    وبعد عام 1948 احتلت "اسرائيل" هذه القرية وطردت السكان العرب منها. ونظرا لان المغرب كان حينذاك تحت الحماية الفرنسية، فقد رفعت وزارة الخارجية الفرنسية سنة 1953 دعوى ضد "اسرائيل" طالبتها بالاعتراف رسميا بأن قرية عين كارم وأراضيها ممتلكات مغربية وجزائرية وتونسية. وفي سنة 1957 قبلت "اسرائيل" دفع تعويض سنوي عن الاستغلال اعتبارا من تاريخ 25/5/1947 مقداره 3000 ليرة اسرائيلية. غير ان المغرب وتونس رفضا الدخول في أي تعامل مع "اسرائيل" حتى لا يفسر ذلك اعترافا بها.

    وبعد حرب 1967 كانت اول الاجراءات الاسرائيلية التعسفية مصادرة حي المغاربة وهدمه وتجريفه وطرد سكانه، وانشاء ساحة كبيرة مبلطة لتجمع اليهود امام حائط البراق وللدخول منها الى الشق الغربي.

    اما ملكية حائط البراق الاسلامية فقد اكدتها الموسوعة اليهودية الصادرة سنة 1971 بطريقة غير مباشرة حيث اكدت ان اهتمام اليهود بهذا الحائط بدأ في القرن السادس عشر وأكدتها عصبة الامم المتحدة في عام 1930 بموجب قرار اللجنة الدولية الذي قال ان هذا الحائط هو جزء من المسجد الاقصى وهو وقف اسلامي.

    كما ان الحي اليهودي في البلدة القديمة قد سمي بهذا الاسم نسبة الى السكان وليس نسبة الى المالكين لانه في الاصل اسمه حي الشرف العربي الذي هدم في حرب 1948، وأنشأت "اسرائيل" فيه بعد احتلاله 1967 مستوطنة يهودية بأبنية مرتفعة، وكذلك مقابر اليهود في القدس فقد استأجروها من اراضي الوقف الاسلامي ومنها مقبرة الثوري ومقبرة رأس العمود.

    ان الوقف الاسلامي في القدس نوعان: وقف عام، ووقف ذري. وقد تمكنت من احصاء الابنية الدينية الوقفية فبلغت 31 مسجدا بمساحة حوالى 153 دونما تقريبا، اما الابنية الوقفية الاخرى من مساكن ودكاكين فقد بلغت مساحتها حوالى 94 دونما، والمقابر الاسلامية بلغت حوالى 217 دونما، والاراضي الزراعية المستغل منها وغير المستغل بلغت حوالى 2643 دونما، ومجموع مساحة الوقف الاسلامي حوالى 3107 دونمات. ومن ضمن هذا الوقف معالم ثقافية اهمها 55 مدرسة جميعها في البلدة القديمة تسكنها حاليا عائلات فقيرة. وقد توقف دورها الثقافي وخصوصا في هذه الظروف السياسية الصعبة، هذا علاوة على المدارس التي لم يبق لها اثر.

    اما الاملاك الوقفية المسيحية في القدس فهي تدار وتصان وتعمر من قبل الطوائف المختلفة التابعة لها مثل الارثوذكس، والارمن، والروم الكاثوليك، والاسقفية الانجيلية العربية، والطائفة اللوثرية، والموارنة، والسريان، وسفارة الفاتيكان والفرنسسكان، والكنيسة الروسية الارثوذكسية، والاحباش والاقباط، والكنيسة اليونانية. وفي البحث تفاصيل بعض هذه الاوقاف.

    اما ادارة الاوقاف الاسلامية وصيانتها واعمارها فتتم عن طريق وزارة الاوقاف الاردنية، ودائرة الاوقاف في القدس، ولجنة اعمار المسجد الاقصى وقبة الصخرة المشرفة.

    لقد انتهكت "اسرائيل" حرمة المقدسات الدينية الاسلامية والمسيحية في القدس في أعقاب حرب 1948 وحرب 1967 وصادرت بعض العقارات الوقفية الاسلامية وأطلقت عليها اسماء يهودية، وصادرت مقبرة مأمن الله التي تضم رفات عدد من الصحابة والتابعين واعتدت على مقبرة باب الرحمة والمقبرة اليوسفية، وصادرت مساحات كبيرة من ارا    ضي الوقف لانشاء مستوطنات عليها او شق طريق لخدمة المستوطنات الاسرائيلية.

    ومن العقارات والاراضي الاسلامية التي صودرت حي المغاربة وباب السلسلة وحي الشرف وحي الباشورة والمدرسة التنكزية التي جعلوها مقرا لحرس الحدود الاسرائيلي. وسرقوا بعض الوثائق الشرعية والوقفية من المحكمة ليلا. وأهم من هذا الاعتداءات اليومية على المسجد الاقصى، ومحاولات الصلاة فيه، كما اعتدوا على بعض الكنائس، ومنها كنيسة القيامة، ودير الاقباط، والمركز الدولي للكتاب المقدس، وأراضي المصلبة والقطمون وكرم الرهبان ومدرسة شنلر الالمانية وأراضي المسكوبية.

    لقد خططت "اسرائيل" لتفريغ القدس من سكانها العرب مسلمين ومسيحيين وجعلها مدينة يهودية، وتستعمل لهذا الهدف اساليب عدوانية متعددة، فعلاوة على مصادرة اراضي الوقف وعقاراته، فهي تمنع اصدار رخص البناء للعرب وتمنع ترميم عقاراتهم الوقفية وغير الوقفية، بما في ذلك المعالم الدينية في داخل منطقة المسجد الاقصى المبارك وداخل البلدة القديمة. ومن المعالم التي اوقفت بلدية القدس ترميمها المدارس التاريخية الواقعة على الجدار الشمالي لمنطقة المسجد الاقصى المبارك (الحرم القدسي الشريف) بعد ان اكتمل اعمار جدرانها الامامية، وهي مدارس المحدثية والوجيهية والشيخونية والطولونية والقرقشدنية والموصلية.

    وقد اتبعت "اسرائيل" ثلاثة اساليب لمصادرة الاراضي العربية ومنها اراضي الوقف:

    الاول، بحجة المصلحة العامة، وتمت بهذا الاسلوب مصادرة 24 كلم2 من مساحة القدس الموسعة، استعمل معظمها لانشاء المستوطنات مثل جبعات همطوس، وابي غنيم، وبرج اللقلق، ومشروع ماميلا.

    الثاني، الخرائط الهيكلية لخنق وضبط البناء العربي وايقاف النمو السكاني العربي.

    الثالث، شق الطرق الالتفافية لمحاصرة القرى العربية. وبهذا الاسلوب تمت مصادرة 6% من مساحة القدس.

    وبذلك لم يبق للفلسطينيين سوى 10% من اراضي القدس المنظمة.

    وقد استغلت "اسرائيل" ارض وقف الشيخ محمد الخليلي لانشاء سفارة اميركية عليها بمساحة 31 دونما بموجب اتفاقية مع حكومة الولايات المتحدة الاميركية مدتها 99 عاما وبأجرة سنوية دولار واحد. والولايات المتحدة و"اسرائيل" بتوقيعهما اتفاقية استئجار هذه الاراضي الوقفية قد ارتكبتا جريمة حرب لعلمهما ان هذا العقار يقع ضمن ارض محتلة ويتعلق بوقف اسلامي. وقوانين الحرب تعود في جذورها الى قانون الحرب البرية الصادر عن الحكومة الاميركية في عهد الرئيس ابراهام لنكولن اثناء الحرب الاهلية الاميركية. وأميركا ملزمة بهذه المبادئ باعتبار ان هذه الاتفاقيات تشكل جزءا لا يتجزأ من القانون الوطني الاميركي.

    وفي ظروف الاحتلال الصعبة اقدم الفاتيكان على توقيع اتفاقيتين مع "اسرائيل": الاولى في عام 1993، والثانية في عام 1997.

    وفي الاتفاقية الاولى عبر الفاتيكان عن اسفه للهجمات التي وقعت على اليهود وتدنيس معابدهم ومدافنهم، واعترفت الكنيسة الكاثوليكية بحق دولة "اسرائيل" في ممارسة صلاحياتها وان الكيانات التي يعتبرها الفاتيكان كنائس تعتبرها "اسرائيل" طوائف دينية معترفا بها. وفي الاتفاقية الثانية اكد البند الثاني منها ان الكنيسة الكاثوليكية تستمد شخصيتها القانونية في القدس من القانون الاسرائيلي.

    ونص البند 2/ج من المادة السادسة على ان المعاملات المتعلقة بالملكية غير المنقولة (أي الاراضي والابنية) تتوقف على الاذن الخطي المسبق للفاتيكان من "اسرائيل"، وفي ذلك حجة كبيرة لـ"اسرائيل" للتدخل في امور الوقف المسيحي، علاوة على ان "اسرائيل" تلغي الحق العربي في السيادة على القدس وتستبدله بحقوق طوائف دينية، وسيصبح الامر اشد خطرا اذا وقعت طوائف اخرى مثل هذه الاتفاقية مع "اسرائيل".

    لقد ادانت المنظمات الدولية والعربية جميع الممارسات التعسفية الاسرائيلية، سواء كان ذلك بسبب مصادرة الوقف او غيره من الامور كالحفريات والانفاق والحصار الاقتصادي وايقاف التوسع العربي، واصدرت عدة قرارات لم تتجاوب "اسرائيل" مع أي منها، حتى منظمة اليونيسكو التي اصدرت قرارات تهدف الى المحافظة على تراث المدينة الحضاري لم تنجح في اقناع "اسرائيل"، التي تسعى سعيا حثيثا لتهويد المدينة سكانا وارضا، بموجب مخطط استراتيجي ينفذ بالتدريج، ولم يقابله العرب الا بالاستنكار والشجب الآني.

    ان الممارسات الاسرائيلية ضد المقدسيين تخالف القوانين والاعراف الدولية. وموقف الدول العربية العاجز واضح للجميع. وفي هذه الآونة يجب التركيز على استخدام واستثمار اراضي الوقف الاسلامي والمسيحي، وهي كثيرة، واقامة مشاريع اسكانية جماعية عليها مدعومة من جهات فلسطينية، واستغلال الاراضي الزراعية المهملة للاستفادة من منتجاتها. ويجب دعم المؤسسات المقدسية ماليا، فذلك هو اساس دعم صمود السكان انفسهم. ويجب حث الفلسطينيين المغتربين على العودة الى القدس قبل ان تفقدهم "اسرائيل" حقهم الطبيعي في العودة الى ارض الاباء والاجداد. وبدون ذلك فإن مفاجأة كبرى يعد لها الجانب الاسرائيلي لجعل القدس يهودية متجاهلين حقوق مليار ونصف مليار مسلم وملياري مسيحي في العالم وكأن المدينة المقدسة هي ملك لأربعة عشر مليونا من اليهود فقط.