كانون الثاني - الجمعة 07/01/2000


التحولات الدولية في عام
تواصل الانقضاض على الارث السوفياتي


انطوى العام الماضي على سلسلة من المتغيرات والتطورات الدولية التي يمكن ادراجها في نسق مستمر في التحول، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، قبل 9 سنوات خلت، ذلك ان النظر الى حرب كوسوفو، او حرب الشيشان، او انفصال تيمور الشرقية عن الاتحاد السوفياتي، وما رافقه من بروز الدور الاوسترالي في منطقة جنوب شرق آسيا، اضافة الى الانقلاب العسكري في باكستان، كلها عناصر ترتبط بقدر وثيق بمرحلة ما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والسعي الى صياغة خريطة ادوار جديدة تنهض على اعادة تركيب العالم، وملء مناطق الفراغ في المواقع التي خلفها سقوط الامبراطورية الحمراء.

      في هذا الاستعراض، محاولة بقراءة الاثار الناجمة عن التطورات المذكورة آنفا، مضافا اليها تطورات اخرى اقل تأثيرا لكنها على اهمية كبيرة.

حرب كوسوفو

      كان واضحا منذ ما قبل لجوء حلف الناتو الى الآلة العسكرية لثني الرئيس الصربي سلوبودان ميلوفيتش عن الاطاحة بالحكم الذاتي لاقليم كوسوفو، عجز الجماعة الاوروبية عن اجتراح حل لمعضلة البلقان المستجدة، وفي الوقت نفسه، كان السعي الاميركي لاخلاء الروس عن آخر موقع لهم في اوروبا، ينتظر الفرصة المناسبة لتحطيم اكبر قوة عسكرية في شرق أوروبا من جهة، وتوسيع الرقعة الامنية لـ"الناتو" الى المعقل الاخير للروس.

      وهكذا، ما ان وصلت المجازر الصربية في اقليم كوسوفو الى حد تجاوز المعقول، راحت طائرات الـ"الناتو" وبقيادة اميركية لا لبس فيها تقصف البنى الصناعية والاقتصادية والعسكرية والتحتية لصربيا محاكية الحرب الجوية نفسها، التي لجأ اليها التحالف الثلاثيني في حرب الخليج الثانية ضد العراق.

      وعليه، صاغ الـ"الناتو" خطته العسكرية على قاعدة التفوق الجوي والتكنولوجي من دون ان يتورط في حرب برية قد تلحق به خسائر هو بغنى عنها، جراء القتال الالتحامي الذي قد يلجأ اليه الصرب.

      وفي غضون شهرين من الحرب الجوية المستمرة، اعلن الرئيس الصربي اذعانه لحلف الناتو، فتراجع عن ضم الاقليم، لكن الـ"الناتو" لم يسمح بايصال الامور في كوسوفو الى حد الاستقلال، وأعاد الامور الى نصابها التي كانت عليه قبل العام 1989، عندما الغت صربيا من جهة واحدة الحكم الذاتي الذي ظل يتمتع به الاقليم منذ انشاء الاتحاد اليوغوسلافي.

      ان حرب كوسوفو افرزت عدة عوامل استراتيجية سوف تترك تأثيراتها على القرن المقبل، ومن اهم هذه العوامل:

      أ- ان تدخل حلف الـ"ناتو" جاء من دون فقرار من مجلس الامن الدولي، فالدول الغربية الثلاث الدائمة العضوية في مجلس الامن، كانت تتمنى لجوء روسيا او الصين الى استعمال الفيتو، على ان هذا التدخل فتح المجال امام تكهنات قوية لامكانية تكراره في غير دولة في العالم، وهو الامر الذي اعاد مجلس الامن التأكيد عليه في خريف العام الماضي، ابان ازمة تيمور الشرقية.

      ب- تدخل الناتو في كوسوفو، سلط الاضواء عمليا على زعامة الولايات المتحدة لهذا الحلف، وبالتالي على دورها القيادي غير المنازع، وبالتالي تسليم بقية الاعضاء بهذا الدور.

      ج- كما سبق القول، فان حرب كوسوفو، اطاحت بآخر موقع روسي في اوروبا الشرقية، وهو صربيا، والاخيرة التي راهنت على العنصر السلافي الارثوذكسي لاثارة حمية الروس، لم تفلح الا في جلب التأييد الاعلامي منهم، وبناء عليه ما ان انتهت الحرب، حتى بدأات أصوات عدة في صربيا تطالب بالانضمام الى حلف الـ"الناتو".

      د- يشكل اخراج الروس في صربيا، استكمالا لخطة غربية، مضمونها يقوم على تطويق روسيا في الجهات الاربع. وبخسارة الموقع الصربي، غدت روسيا مطوقة اطلسيا من اوروبا الشرقية، ومن بحر البلطيق، ومن البحر الاسود، المشاطىء لاوكرانيا، واخيرا بحر قزوين، اذ باتت اذربيجان وتركمانستان وجورجيا وارمينيا، دولا ملحقة سياسيا بالغرب.

حرب الشيشان

      اقفلت السنة الماضية على حرب ضروس بين روسيا والشيشان، وغدت هذه لاالحرب معروفة بحرب الشيشان الثانية، وقد انطلقت بداية بقيادة الزعيم الميداني للشيشان، شامل باساييف، الذي سعى لاثلالرة داغستان المجاورة، حين هاجم مع الاف من اتباعه، قرى داغستانية واعلن قيام جمهورية اسلامية هناك.

      لكن مسعى باساييف الذي انطلقت شرارته الاولى قبل 3 اشهر، لقي قتلا ذريعا في داغستان لاسباب مذهبية وقومية وسياسية، فتراجع الى موقعه الاطلسي في الشيشان، حيث اعلنت موسكو حربا لا هوادة عليها ضد من اسمتهم بـ"الارهابيين".

      وفي الواقع ان الروس، استفادوا هذه المرة من الحرب الشيشانية الاولى، فلم يذهبوا بقواتهم البرية في هجماتهم الطائشة كما في السابق، وركزوا على العمليات الجوية مستفيدين من دروس حرب كوسوفو وتجربة الـ"ناتو" هناك، وبعد ثلاثة اشهر من اندلاع الحرب المذكورة، ما فتىء امام الروس، طريق طويل لتحقيق انتصار في الشيشان.

      وعلى العموم، يمكن القول، ان ازمة روسيا في الشيشان، هي جزء من أزمتها في بلاد القفقاس، ولها مع هذه البلاد تجارب مرة تعود الى ما لا يقل عن 30 سنة الى الوراء، وتحديدا الى عهد ايفان الرهيب في القرن السادس العشر.

      واما الاستقتال الروسي هذه المرة والهادف الى تحقيق انتصار عسكري، فلع عدة اغراض اهمها:

      1- القضاء على استقلال جمهورية الشيشان المعلن في العام 1996.

      2- مخاوف روسيا من قيام جمهورية القفقاس الكبرى التي تضم العديد من الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد الروسي الراهن.

      3- اعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية التي لاقت هزيمة نكراء في حرب الشيشان الاولى.

      4- تحقيق انتصار معنوي للروس، يعيد الاعتبار لهم بعد سلسلة الهزائم المعنويات والتراجعات الضاربة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

      5- تعزيز مواقع الليبراليين الروس بقيادة رئيس الوزراء بوتين، على ايقاعات الحرب والقتال، وهو الامر الذي تحقق نسبيا في الانتخابات التشريعية التي اجريت في كانون الاول الماضي، والمضي في تعزيز مواقع بوتين نفسها حتى اجراء الانتخابات الرئاسية في الربيع المقبل، وعمليا جاءت استقالة الرئيس بوريس يلتسين، وتكليف بوتين بالمهام الرئاسية، لتؤكد هذا الاتجاه، أي تكريس سلطة ومواقع الليبراليين في ادارة روسيا، بعد تزعزع هذه المواقع في السنتين الاخيرتين.

تفكيك اندونسيا

      حفل العام الماضي،بارهاصات تفكيك رابع قوة برية في العالم، وهي اندونيسيا، وشكلت عملية انفصال تيمور الشرقية عن طريق الرعاية الدولية، مقدمة لتفكيك هذا الكيان السياسي، الذي لعب دورا هاما في الحرب الباردة لمصلحة حلف الـ"الناتو".

      وتؤكد اعمال العنف الجارية في هذه الازمة في اقليمي "مالوكا" و"انثيه" مصداقا للتكهنات التي برزت عقب انفصال تيمور الشرقية.

وخلفيات تفكيك الاتحاد الاندونيسي، يمكن ردها الى العناصر التالية:

      - انتهاء الدور الوظيفي لاندونيسيا والذي لعبته طوال العقود الخمسة الماضية، حيث شكلت سلطة أساسية في السلسلة المواجهة للنفوذ بين السوفياتي والصيني في جنوب شرقي آسيا.

      - مخاوف الغرب من استئناف اندونيسيا لنهوضها الاقتصادي، فهي كانت قبل عامين على أبواب التصنيع الثقيل، مثل الدبابات والطائرات والسفن، كما ان تمتع اندونيسيا بثروات نفطية وغازية او ثروات ارضية هائلة، يؤهلها للتحول الى عملاق اقتصادي خلال عقدين من الزمان كما كان متوقعا، واذا كانت عاصفة الانهيار المالي قد طاولتها، فهذا لا يعني ان البنى الصناعية والصروح العلمية قد انهارت، اضف الى ذلك ان امتلاك اندونيسيا لسوق داخلي كبير (220 مليون نسمة) يتيح لاقتصادها ان يتعافى سريعا.

      - اعطاء دور اندونيسيا لاوستراليا وهي الدولة التي ظلت تمارس سياسة الانعزال حتى تاريخ تبوئها رأس حربة المشروع الانفصالي بتيمور الشرقية، وهذا يعني، ان اوستراليا ستلعب دور الشرطي الاقليمي في جنوب آسيا، الذي يحجم اندونيسيا من جهة، ويحول دون ملء اليابان للفراغ في هذه المنطقة من العالم من جهة اخرى.

الانقلاب الباكستاني

      في الوقت الذي كانت انماط الحكم العسكري في العالم، تنزع نحو التقلص، فاجأ الجنرال برويز مشرف العالم بانقلاب اطاح بحكومة نواز شريف، ومثل أي انقلاب، طرح العسكريون الانقلابيون شعارات مكافحة الفساد والتفريط بالكرامة الوطنية (قضية كشمير) كمبررات للاستيلاء على السلطة.

      وبعد مرور أشهر عدة على هذا الانقلاب، لم يعرف بعد المصير الذي سيؤول اليه نواز الشريف، كما ان امساك العسكر بالسلطة جعل من الحياة السياسية التعددية في باكستان، على كف سؤال ساخن ومجهول ايضا. والاحزاب التي استعجلت في تأييد الانقلاب مثل "الجماعة الاسلامية"، و"حزب الشعب"، عادت وانقلبت على تأييدها، بعدما ايقنت ان طموحاتها بازاحة نواز شريف، لا يحققها جنرالات ساعون الى السلطة من اجل السلطة فقط.

      واذ ربط العديد من التحليلات، بين وصول العسكر الباكستاني الى السلطة، وبين اهداف استراتيجية يسعون الى تحقيقها بالتعاون مع الادارة الاميركية، فان الاشهر التي تلت الانقلاب، اكدت ان جنرالات باكستان بصدد تحقيق العناصر التالية:

1-   التوقيع على معاهدة وقف التجارب النووية مع الهند.

2-   حل قضية كشمير وتطويق مضاعفات الى الحدود الدنيا.

3-   وضع حد للعلاقة بحركة "طالبان".

اخيرا وفي سياق التطورات الدولية، لا بد من

الاشارة الى الحرب بين اريتريا واثيوبيا، والانقلاب في ساحل العاج، واعتقال تركيا لعبد الله اوجلان، وسيطرة "طالبان" على معظم افغانستان، وتحول اسامة بن لادن الى المطلوب الدولي الرقم واحد، ودخول بولونيا والمجر وتيشكيا الى حلف الـ"الناتو".

توفيق شومان