كانون الثاني - الجمعة 07/01/2000


مبايعة، سقوط الطائرة، الخصخصة والمضاربة ومعركة التطبيع في مصر 99
هواجس الدور.. تفاعل ام تصادم مع "اسرائيل"؟


المشاهد البارز في شهور العام 1999 عديدة سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي او الثقافي..الخ لكننا سنحاول ان نلتقط بعضها للاشارة الى عناوين الاحداث التي شهدتها مصر خلال العام الاخير من القرن العشرين، فعلى المستوى السياسي:

      خارجيا كانت زيارة مبارك الى الولايات المتحدة وسط حالة من الفتور والصدام المكتوم، وخرجت التصريحات الصحفلية لتؤكد على لسان المسؤولين وجود خلافات في الرأي حول بعض القضايا وكان من الواضح لدى الجميبع ان هذا الخلاف يتركز في قضيتي السلام والسوق الاقتصادي في الشرق الاوسط ، ويتمحور حول دور مصر في المنطقة: هل سيتراجع امام الدور المرسوم لـ"اسرائيل" اقتصاديا وسلميا لقيادة المنطقةى في المرحلة القادمة؟! ام سيتقاطع؟! ام سيتفاعل ضمن منظومة جديدة؟! وفي كل الحالات هناك ميزان قوى صارخ يميل لمصلحة "اسرائيل" بارادة ودعم اميركي!!.

      في الشهور التالية للزيارة حاولت الخارجية، والرئاسة المصرية جذب فرنسا للمنطقة وكذلك الصين، لكن معادلات القوة ظلت في مصلحة اميركا وانفرادها، ومن ثم آلت لمصلحة "اسرائيل" ولدورها.

      واذا كانت عملية رفع الحصار عن ليبيا اتاحت لمصر فرصة للتنفس او التعبير عن النجاح كمساهمة في هذه العملية، فان الحصار الاميركي الصهيوني للدور المصري الليبي في تحقيق المصالحة بين الحكومة السودانية والمعارضة قد اجل نجاح عملية المصالحة وفق المبادرة الثنائية وعزز فكرة الانفصال للجنوب، والانشقاق بين صفوف المعارضة والانحياز للمبادرة الافريقية ومع الصراع الداخلي بين الحكم في الخرطوم (كتلة البشير / وكتلة الترابي) فإن انحياز ليبيا ومصر لكتلة البشير في خطواته الاخيرة التي اقصى  فيها كتلة الترابي تعد جزءا من دعم فكرة المصالحة مع المعارضة، والمصالحة مع الجيران التي بدأها البشير في اتجاه تفويت الفرصة على السيناريو الاميركي / الصهيوني بحصار السودان وتفجيرها من الداخل مع تآكل اطرافها.

      ويبدو ان الجهود المبذولة من اجل رفع الحصار عن العراق ما زالت تعاني من قصور الدعم العربي وبصفة خاصة الخليجي / السعودي، ومن ثم فإن هذه الجهود المصرية تبدو ضعيفة الفاعلية امام الكتلة الاميركية / البريطاني5ة، المتسلطة على الامم المتحدة ومجلس الامن والمنطقة.

      لكن الانتصار الاميركي / الصهيوني في مسار عملية السلام ودفع الامور بأسرع ما يمكن الى ما يسمى بالسلام النهائي والشامل قد فرض امرين على السياسة المصرية: الاول، هو المساندة فقط لجهود السلام المزعومة دون تدخل او تعديل، والثاني: القبول بعقد المؤتمر الاقتصادي الاقليمي الشرق اوسطية والذي حدد موعده اذار عام 2000، وبرغم رفض مصر السابق، وتهربها من دعم هذا الامر، الا انها في الايام الاخيرة وافقت على عقد المؤتمر.

      اخر المحاولات، هي زيارة مبارك لمحور الخليج / السعودية وهي محاولة تستهدف عدة امور: 1- دعم البشير في السودان، 2- دعم سوريا في المفاوضات، 3- تكتل عربي ةوتوحيد الجهود في الاعداد والمشاركة بالمؤتمر الاقتصادي، 4- تحريك المواقف المتصلبة تجاه العراق لادخاله الى حلبة المعادلات بالمنطقة خلال الفترة القادمة.

داخليا

      المشاهد كانت اكثر اثارة ودرامية واعنفها هي حادثة الطائرة المصرية التي اسقطت على سواحل الولايات المتحدة الاميركية، والتي اجمع الخبراء والمراقبون والشارع المصري على انها محاولة مخابراتية صهيونية بدعم اميركي استهدفت اغتيال خبرات عسكرية مصرية رائدة كانت بالطائرة، واستهدف ايضا اغتيال سمعة شركة مصر للطيران وموسم السياحة الذي يشرف على ابواب الالفية الجديدة.

      كانت هناك ضجة اعلامية منذ شهور وقبل مبايعة الرئيس مبارك عن محاولة اغتيالب فاشلة للرئيس في بور سعيد، الا ان المراقبين والعالمين ببواطن الامور المحوا الى عدم دقة هذه التصريحات وان تصرفا امنيا خاطئا مع تصرف احمق من المواطن الذي تقدم بالشكوى نحو سيارة الرئيس قد اودى بحياة المواطن، وكان لا بد من عملية تبرير امام الرأي العام لهذه العصبية الامنية، ومن ثم صيغت هذه الضجة وتلك المأساة.

      مشهد المبايعة رغم مداه الزمني الطويل، والدعاية الضخمة المصاحبة له والنتائج النهائية لاالتي تم التوصل اليها 95% من اجمالي الناخبين، لم يكن رغم كل ذلك مثيرا او دراميا، لكن المشهد الذي اثار احلام الناس والقوى السياسية، والمثقفين والصحفيين..الخ وانتهى بصدمة عصبية افقدت البعض توازنه، واغلق امام اخرين اوهامهم، وفرض حالة من اليأس والاحباط لدى العامة والساسة، فهو مشهد التغيير، حيث رافق مسيرة "المبايعة" حديث رسمي واعلامي عن التغيير الشامل والتجديد، وانتهى بتغيير وزاري مخيب للآمال، ولمصلحة قادة الخصخصة وصندوق النقد الدولي.

      الاصلاح السياسي الذي تم الوعد به طيلة دعاية المبايعة او التغيير لم تتم حتى الاشارة اليه، ورغم صبر البعض وانتظاره لبيان الحكومة الجديدة التي القته اماخ مجلس الشعب في منتصف الشهر الماضي، فإن المفاجأة لهؤلاء الصابرين كانت غياب أي اشارة ولو صوتية او انشائية لعملية الاصلاح السياسي من حيث الحريات او الغاء قوانين الطوارىء او تكوين الاحزاب والصحف..الخ، ويبدو ان الاوضاع الخارجية من ناحية والاوضاع الاقتصادية الداخلية من ناحية اخرى، قد اجلت فتح هذا الملف الى اجل غير مسمى.

جبهة المقاومة والمعارضة

      البداية كانت مع الثورة العارمة للشارع المصري مع طلائعه، السياسية والثقافية ضد ضرب الطائرات الاميركية والبريطانية للعراق في اول شهر رمضان المبارك، واتسعت الدائرة لتشمل مجلس الشعب نفسه واعضاء من الحزب الوطني الحاكم، وسرعان ما فرضت نفسها على الخطاب السياسي الرسمي.

      ثم جاء معرض القاهرة الدولي للكتاب ليكون ساحة استفزاز ومواجهة جديدة، فقد تمت دعوة السفير الاميركي دانيال كيرتز ليحاضر في ندوة فكرية حول مستقبل العراق، وبمجرد الاعلان عن هذه الندوة في أجندة المعرض هبت الاحزاب السياسية والتجمعات الثقافية للتنديد من ناحية، وللاستعداد للمواجهة من ناحية اخرى، ولكن الندوة تحولت الى عنوان جديد هوة "حق السيادة والعدوان على الشعوب"، واسرع المشرفون على المعرض بتحويلها ايضا من ندوة مفتوحة الى حلقة مغلقة ومحاصرة بأمن السفارة الاميركية وبقوات أمن مصرية، لكن جموع المثقفين كسرت هذا الطوق بالتظاهر السلمي وفرض ممثلين عنهم لتفنيد آراء السفير وقراءة بيان موقع من اكثر من مئة سياسي ومثقف ضد سياسة الولايات المتحدة الاميركية بالمنطقة.

      وفي ما بعد قادت مجلة "روز اليوسف" تحت رئاسة محمود عبد المنعم معركة الدفاع عن "اسرائيل" والتطبيع، ومهاجمة كل من تسول له نفسه رفض السلام الصهيوني او التطبيع التخريبي..الخ، وفجأة خرجت لتلقي بسمومها في اتجاهين بآن واحد، فمن ناحية اطلقت نيران سمومها واتهاماتها للمبدع اسامة انور عكاشة بسبب مسلسل "امرأة في زمن الحب" الذي يتناول فيعه الموقف من "اسرائيل" ويدافع فيه عن المقاومة الاسلامية في الجنوب عامة وحزب الله بصفة خاصة، ومن ناحية ىاخرى فتحت ملف حزب الله على الطريق الاسرائيلية، وهنا تدفقت الكتابات في معظم الصحف الحزبية وبعض الصحف الحكومية دفاعا عن اسامة عكاشة، ودفاعا وتحية للمقاومة، وأقيمت عدة ندوات ومقابلات مع اسامة استهدفت توضيح حقيقة الحملة ومصادرها، وابراز الوجه الساطع للمقاومة وفضائلها في هذا الزمن العربي الردئ، وبالفعل كانت هذه الحملة مما ينطبق عليها القول رب ضارة نافعة فقد وضعت الحقائق والخفايا امام الرأي العام الذي كان يحسها بالفطرة من قبل ثم ادركها بالمعرفة.

      ثم جاء تموز وحمل معه المؤتمر الذي دعت اليه جماعة كوبنهاجن في فندق ماريوت بالقاهرة والذي حضره شيمون بيريز، فانعقد مؤتمر حاشد دعي اليه كل القوى السياسية والنقابية بفندق شبرد لمواجهة هذا المؤتمر المشبوه، واعقب ذلك مؤتمرلا ضخم بالحزب الناصري، وآخر بحزب العمل التقت فيه رموز المقاومة السياسية والثقافية والاعلامية انسحاب الحكومة المصرية من رعاية مؤتمر التطبيع، وتنصل الخارجية من مسؤولية الدعوة، واندفاع اعضاء جماعة كوبنهاجن لتبرير موقفهم وتخفيف لهجتهم وجرأتهم التي ارتفعت قبل هذا بأسابيع.

      الصورة العامة للمقاومة والمعارضة كانت ايجابية في جبهة الصراع العربي الصهيوني بصفة خاصة، وبدرجة ما في جبهة الاصلاح السياسي الداخلي.

مجدي رياض