|
كانون الثاني - الجمعة 07/01/2000 سياسة
ايران الخارجية خلال عام : |
|
بشهادة الكثيرين من ارباب السياسة
والمهتمين بقضايا وتفاعلات منطقة الشرق
الاوسيط، شهدت الساحة الخارجية الايرانية
خلال عام 1999 تحولات كانت على قدر كبير من
الاهمية اقليميا ودوليا، وكانت ارتباطا بذلك
موضع اهتمام استثنائي للذين يحاولون صياغة
تصورات مستقبلية لواقع العلاقات والتوازنات
والتحالفات في اطار عالم محكوم بأزمات ومشاكل
معقدة وشائكة، ولم يعد ممكنا له ان يخضع
لترتيبات عدد قليل من القوى الكبرى النافذة
وتجاوز او تجاهل قوى عديدة قد لا تؤثر تأثيرا
كبيرا جدا على الصعيد العالمي، لكنها تمتلك
ما يكفي من الوسائل والادوات للتأثير في
محيطها الاقليمي. وهنا تبرز طبيعة النظام
السياسي، والثروات والبنى الاقتصادية،
والموقع الجغرافي كعوامل مهمة وفاعلة في
صياغة الادوار اقليميا ومن ثم دوليا.
وبالنسبة لايران فإن تفعيل تلك
الادوار بدأت تتضح معالمه مع مطلع عقد
التسعينيات وتنامى خلال سني ذلك العقد، وتجلى
واضحا فقي هذا العام، بحيث غدا يسير لاي متابع
او مراقب تحديد محاور اساسية عند تناول آفاق
السياسة الخارجية الايرانية، مثل المحور
العربي –
الايراني، والمحور الاوروبي –
الايراني، والمحور الاميركي –
الايراني، مع عدم تجاهل محاور اخرى ذات طابع
اقليمي ساهمت في خلق معطيات وحخقائق سياسية
جديدة، غدت بصورة لا تحتمل اللبس والغموض
معايير مهمة في تحليل ابعاد العلاقات الدولية
وتحديد مساراتها واتجاهاتها المستقبلية.
واذا كان هناك من يعتبر ان قمة
الدول الاعضاء فقي منظمة المؤتمر الاسلامي
الثامنة التي احتضنتها العاصمة الايرانية
طهران اواخر عام 1997 نقطة تحول كبرى في واقع
العلاقات العربية –
الايرانية، فذلك صحيح جدا انطلاقا من ان ذلك
الملتقى السياسي الدولي أتاح لمعظم صناع
القرار السياسي العربي والايراني اللقاء
المباشر دون حواجز أو قيود وبعيدا عن قيود
وضوابط بعضها ذاتية، وبعضها الاخر موضوعية. ازالة
الرواسب
بيد ان فرصة اللقاء والحوار المباشر هذه
لم تكن كافية بأي حال من الاحوال لازالة كل
مخلفات ورواسب الماضي، وبالتالي رسم وصياغة
واقع جديد تؤطره المصالح والقواسم المشتركة-
السياسية والاقتصادية والثقافية والجغرافية –
فكان لا بد لبكي يحصل ذلك ان تنطلق مبادرات من
كلا الجانبين لتحقيق اقصى قدر ممكن من
التقارب والفهم المبني على ادراك الحقائق
العالمية وضروراتها واستحقاقاتها.
وطيلة العام 1998
بقيت الامور تسير بنسق طبيعي تقليدي ولم تبرز
مبادرات من شأنها ايجاد دينامية فاعلة تعطي
زخما وقوة على اعلى المستويات السياسية
والدبلوماسية.
ومن طهران لاحت اشارات، منها
تأكيد الدكتور كمال خرازي وزير الخارجية
الايراني خلال لقائه مع ممثلي البعثات
الدبلةوماسية الايرانية في دول الخليج الست
منتصف شهر شباط الماضي على ان تعزيز العلاقات
مع دول مجلس التعاون الخليجي يعد من اولويات
سياسة ايران الخارجية. وكذلك حديث الرئيس
الايراني محمد خاتمي في الثالث والعشرين من
الشهر نفسه عن اهمية تطوير العلاقات
الايرانية –
السعودية خلال استقباله اعضاء المجلس الاعلى
لبعثة الحج الايرانية، وتأكيداته العديدة في
ما بعد على ضرورة بناء جسور الثقة والاحترام
المتبادل بين دول المنطقة.
وظهرت من عواصم
عربية كالرياض والكويت والقاهرة وعمان ومسقط
والدوحة وتونس مواقف مماثلة، ففي الخامس
والعشرين من شباط 1999 اكد ولي العهد السعودي
الامير عبد الله ان ايران دولة اسلامية مهمة
تربطنا بها اواصر اخوية متدينة.
ونفس الشيء اشار
اليه في حديث لصحيفة "الشرق الاوسط"
اللندنية مطلع شهر حزيران 1999 بقوله: "ان
قواسم مشتركة كثيرة دينية وتاريخية وثقافية
وجوار تجمع ايران والسعودية، وان ايران تعي
اكثر من غيرها ان الحديث بلغة السلاح حتى مع
اعتى الاعداء يعد حديثا مرفوضا، وكما تلتزم
بنهج الحوار فإن السعودية وشقيقاتها تتوسم
ذات النهج لتسوية الخلافات في ما بينها".
وفي ايار 1999 جاءت
زيارة وزير الدفاتع السعودي الامير سلطان بن
عبد العزيز لطهران ولقاؤه كبار المسؤولين
لتعطي العلاقات بين الجانبين بعدا اشمل
واوسع، هذا فضلا عن ابداء الكثير من الزعماء
العرب رغبتهم لتطوير علاقات بلدانهم مع ايران.
وفي مقابل ذلك
تبقى جولة الرئيس الايرانية العربية في ايار
1999 التي شملت سوريا والسعودية وقطر الاكثر
اهمية مما سواها، لانها ازالت الكثير من
حواجز عدم الثقة بين طهران من جهة، والرياض
والدوحة من جهة اخرى، ورسخت التحالف
الاستراتيجي الوثيق مع دمشق، هذا اولا،
وثانيا انها اتاحت للقيادة الايرانية التحدث
عن كثب الى العرب حكومات وشعوبا. ومن ثم فهي
شجعت اعطرافا عربية اخرى على فتح ابوابها
امام طهران حيث اتضح ذلك من خلال الدعوات
الرسمية التي وجهت للرئيس خاتمي من الكويت
والاردن والبحرين وعمان.
في ذات الوقت فان القاهرة –
العاصمة العربية الفعالة والمؤثرة في توجيه
المواقف العربية –
راحت اتتفهم اكثر فأكثر حقيقة المتغيرات
وتتعامل معها بموضوعية، رغم ان هناك ما يحول
دون ازالة كل العقبات والعراقيل مرة واحدة.
وحتى بالنسبة
لازمات عالقة مثل موضوع السيادة على الجزر
الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى بين
ايران والامارات العربية المتحدة، فان
التعاطي معها من قبل دول مجلس التعاون
الخليجي بدأ يتخذ طابعا ايجابيا عبر عنه
البيان الختامي لالقمة العشرين لدول المجلس
التي عقدت في اواخر شهر تشرين الثاني الماضي
في العاصمة السعودية الرياض، وهذا يعني
بعبارة اخرى البحث عن خيارات جديدة ذات منحى
دبلوماسي لاحتواء الازمات وانهائها بعيدا عن
التلويح بالقوة. واقعية
ومصالح متبادلة
اما على الصعيد الاوروبي فان مسارات
الامور راحت تتجه اتجاها اكثر واقعية –
ايضا –
انطلاقا من قراءات سليمة وصائبة لدوائر صنع
القرار السياسي في طهران وعدد من العواصم
الاوروبية كباريس وروما وبرلين ولندن
بالدرجة الاساس. فخلال
استقباله لوزير الخارجية الايرلندي لفي
السابع من كانون الثاني 1999 اكد الرئيس خاتمي
ان ايران بدأت صفحة جديدة من العلاقات مع دول
العالم عامة واوروبا خاصة، وفي مطلع شباط 1999
زار وزير الخارجية الايراني فرنسا واجرى
محادثات هامة مع كبار المسؤولين الفرنسيين من
بينهم الرئيس جاك شيراك الذي قال ان باريس
تنتظر بفارغ الصلبر زيارة الرئيس خاتمي.
وفي التاسع من
آذار الماضي اشاد وزير الخارجية الفرنسي
اثناء وجوده في طهران بسياسة الرئيس
الايراني، بينما ودعا وزير الخارجية
البريطاني في تصريح له في السابع عشر من نيسان
الى توثيق الروابط بين طهران ولندن.
ولعل ابرز مؤشرات الانفتاح
الاوروبي –
الايراني ودلالاته المهمة تمثلت بزيارة
الرئيس محمد خاتمي لايطاليا في الربيع 1999،
وزيارته لفرنسا اواخر شهر تشرين الاول 1999
بعدما ارجأت عن موعدها المقرر بضعة شهور
لاسباب بروتوكولية، اذ ان الزيارتين ارستا
اسسا متينة للعلاقات الاوروبية –
الايرانية على مختلف الصعد السياسية
والاقتصادية والثقافية. ولم يكن لازمات او
سحب عابرة من قبيل وجود تنظيمات المعارضة
الايرانية هناك، او قضية ميكونوس، او قضية
المرتد سلمان رشدي الذي جاءئ الى روما خلال
زيارة خاتني لها، لم يكن لها ان تكبح او تعرقل
الخطوات المتسارعة لتنامي العلاقات، لانها
اصبحت لا قيمة لها في مقابل اطراد غير مسبوق
في انفتاح كلا الطرفين على بعضهما البعض.
وزيارتا الرئيسين
النمساوي واليوناني لايران صيف العام 1999،
وكذلك رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين
طهران ولندن الى مستوى السفراء جاءت لتمنح
ذاك الانفتاح زخما جديدا ودفعا باتجاه الامام. اميركا
والتحريض
ومضافا الى تلك التحولات في افاق
العلاقات على المحورين العربي والاوروبي فان
السياسة الخارجية الايرانية نجحت ايما نجاح
في فتح قنوات فاعلة مع اطراف تمتلك ثقلا
عالميا مهما، ان على صعيد السياسة او
الاقتصاد او من حيث الموقع الجغرافي، كما هو
الحال مع روسيا واليابان ودول آسيا الوسطى
والقوقاز التي نالت استقلالها بعد انهيار
المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفياتي
السابق. ولعبت ايران ادوارا مهمة في احتواء
ازمات داخلية واقليمية عصفت بتلك الدول.
ولكن في مقابل ذلك
ظلت الولايات المتحدة الاميركية تتعامل مع
ايران وفقا لمعطيات وظروف المرحلة السابقة،
ولم تكن مستعدة بأي قدر ان تحتكم وتخضع الى
ضرورات الواقع ومقتضياته، لذا فان عوامل الشد
والجذب بين الطرفين استمرت على نفس المنوال.
ولان واشنطن ادركت
ان طوق العزلة الذي احاط بطهران خلال العقد
الاول من عمر الثورة اغنكسر ولم يعد من
المنطقي الحديث عما يسمى بسياسة الحصار او
الاحتواء فان بوادر للتقارب والانفتاح لاحت
من العاصمة الاميركية خلال هذا العام، ولعل
ابرزها ما جاء على لسان الرئيس الاميركي بيل
كلينتون في السابع عشر من نيسان الماضي عندما
اعترف بالعلاقات غير العادلة البتي كانت
قائمة بين طهران وواشنطن في الماضي، الا ان
هذه البوادر بدت غعير مجدية لانها لم تترجم
الى واقع عملي على الارض، بل على العكس من
ذلك، فان صناع القرار السياسي الاميركي ما
فتنوا يعملون على اثارة مخاوف دول المنطقة من
الحظر الايراني المزعوم، ويحاولون وضع العصي
في دواليب العلاقات بين ايران من جهة والعرب
والاوروبيين وغيرهم من جهة اخرى، فضلا عن
الاستمرار بانتهاج سياسات المقاطعة
الاقتصادية وفرض العقوبات على الشركات
النفطية التي تتعامل مع ايران.
|