كانون الثاني - الجمعة 07/01/2000


قراءة شاملة للاقتصاد اللبناني في عام
يشوعي: السياسات لم تتغير والتضخم صفر كما النمو


شهد العام المنصرم 99 منعطفا اقتصاديا لافتا تمثل بالآلية التي اتبعتها حكومة الرئيس الحص منذ مجيئها من اجل تحريك الاقتصاد، وهذه الالية لطالما انتظرها اللبنانيون منذ سنوات طوال وكانت نتيجتها ـ بعد عناء ـ وقف الهدر الهستيري في القطاعات الادارية والانتاجية، هذا الهدر الذي كان قائما على "قدم وساق" في عهد الحكومات السابقة.

      وأبرز ما يلتفت إليه المراقبون بعد انقضاء عام كامل هو قدرة الحكومة خلال وقت قياسي على وقف "مزاريب" الاسراف غير المجدي الذي كان ينجم عن مشاريع تبدو في المرحلة الراهنة غير ملحة، الامر الذي انعكس على وضع خزينة الدولة التي عانت من شح كبير في مواردها.

      هذا الجهد المبذول عكسه وضع حد للعجز وللمديونية التي فاقت التوقع، غير ان هذا لا يعني ان الاقتصاد نهض من كبوته نهائيا، خصوصا ان التركة التي ورثتها الحكومة الحالية ما زالت حتى الساعة تئن منها، الامر الذي يستوجب تضافر جهود جبارة عنوانها وضع سياسة اقتصادية جديدة تنطلق من معطيات واقعية لئلا تأتي النتائج في غير محلها.

      هذه الخطوات المتقدمة للحكومة انطوت على كثير من اجتهادات متناقضة لأصحاب الرأي في المجال الاقتصادي من ضمنهم الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي الذي رأى ان الانكماش او الجمود الاقتصادي ليس مرده التركة بل يعود الى السياسات "الميكرواقتصادية" التي فشلت في انعاش الاقتصاد خلال هذا العام، حيث ابقت سياسة الموازنة التي اتبعتها الحكومة الحالية على كامل الانفاق الجاري وخفضت او تقشفت على صعيد الانفاق الحيوي (الانفاق الاستثماري).

      ملاحظات واقتراحات حلول في هذه المقابلة مع الدكتور يشوعي يعرض فيها ما آلت إليه الاوضاع الاقتصادية خلال العام المنصرم مقارنة مع العهد السابق، وفي ما يلي نص الحوار:

      من موقعك كخبير اقتصادي وبعد مرور سنة على حكومة الرئيس الحص، كيف تقّيم بشكل عام الوضع الاقتصادي في لبنان خلال العام 99؟

      الوضع الاقتصادي خلال العام 99 لم يكن جيدا لعدة اسباب اهمها: ان السياسات الميكرواقتصادية التي كان من الممكن ان تنعش الاقتصاد او اطلاق العجلة الاقتصادية. نحن نعرف ان محاربة الركود الاقتصادي والكساد والبطء في النمو تحتاج الى قواعد محددة. لذلك نرى ان انعاش أي اقتصاد يمر في سياسة للموازنة تغلب في بنودها الانفاق ذا الطابع الاستثماري على الانفاق ذي الطابع الجاري، يعني بكلام آخر، سياسة للموازنة تخلق طلبا عاما رسميا وحكوميا على سلع وخدمات تمر ايضا بسياسة نقدية مرنة بمعنى سياسة نقدية تسمح بسيولة معينة في الاقتصاد ضرورية للانتعاش ولدوران العجلة الاقتصادية، ولخفض الفوائد على النقض لأنه عندما يتوفر تسقط الفائدة تلقائيا، وهذا من شأنه ان يريح السيولة في الاقتصاد من جهة، ومن جهة ثانية، يخفف عبء الدين العام على الموازنة.

      نحن ماذا وجدنا خلال هذا العام؟ وجدنا ان سياسة الموازنة ابقت على كامل الانفاق الجاري، وخفضت او تقشفت على صعيد الانفاق الحيوي للانعاش الذي هو انفاق استثماري يرتكز على استهلاك رسمي لسلع وخدمات ينتجها الاقتصاد، اذاً فإن اول خلل بنياني هيكلي في سياسة الموازنة هو انه لم يحدث أي مس بالانفاق الجاري، وبحجم هذا الانفاق، ولم يتخذ أي قرار جريء في سبيل ضغط الانفاق الجاري كخفض الفوائد على سبيل المثال او معالجة مسألة الادارات العامة وتطوير هيكليتها، او خصخصة الفائض في هذه الادارات بمعنى تنظيم تحويله من العام الى الخاص. أما في السياسة النقدية فنحن اليوم نتبجح ونقول ان نسبة التضخم لدينا صفر، ولكن الوقوف عند هذه النقطة، يماثل قولنا: لا إله ثم نصمت، او كأننا ننظر لوجه واحد لعملة معدنية.

      ليس بإمكاننا اليوم، ان نقول ان التضخم صفر دون ان نتبعها بقولنا إن النمو ايضا صفر، لانه ليس بمقدورنا ان نقول اننا بألف خير وحافظنا على القدرة الشرائية للعملة وللمدخول، فيما التضخم عندنا صفر. ولما كان هذا الدخل لا يتطور ابدا، والشركات والمؤسسات تضعف على صعيد المردودية وفي ما يتعلق بأرقام اعمالها وتتراجع ربحيتها، فمعنى ذلك ان النمو معدوم، غير ان المشكلة الاكبر تكمن في ازدياد البطالة لان المؤسسات لم تعد تخلق فرص عمل نتيجة عدم قدرتها على استعمال كامل طاقاتها الانتاجية وتجهيزاتها ومعداتها.

      اذاً لا على صعيد سياسة الموازنة ولا على صعيد السياسة النقدية استطاعت الحكومة ان تنعش او تطلق العجلة الاقتصادية من جديد، اضف الى ذلك ان السياسة الضريبية اقتطعت اجزاء اضافية من مداخيل لا تتطور وربما من مداخيل فقدها اصحابها الذين سرحوا من اعمالهم ووظائفهم، فالخطأ هنا جاء من خلال توقيت الاصلاح الضريبي او التعديلات الضريبية لان التوقيت مهم جدا لانه لا يجوز زيادة الضرائب عندما يتسم الاقتصاد بالكساد الامر الذي يبلغ حد تعميق هذا الركود وتوسيع هذا الكساد. اننا لم نلجأ الى تعديلات ضريبية تمنع زيادة اضافية على الضرائب غير المباشرة كما اتت عبر زيادة الرسوم الجمركية ورفعها الى نسب خيالية.

سبق ان اشارت الحكومة في اكثر من مناسبة الى ان احد اسباب الركود الاقتصادي وانكماشه يعود الى التركة التي ورثتها عن الحكومة السابقة، وهذا يتطلب طبعا فترة طويلة لإعادة النهوض بالوضع الاقتصادي؟

انا اعارض الحاكم ما دام حاكما، عندما لا يعود كذلك اتركه وشأنه، والتفت الى تدبير امري. الحكومة الحالية أتت لتعالج وضعا معينا، ونحن لسنا في معرض الحسابات، واذا كان هناك من تركة فليترك الامر للقضاء للبت بها. اما الكلام فقط حول التركة والتوقف عندها فهو برأيي مضيعة للوقت وهدر للطاقة وتأجيل للمعالجة. واذا اردنا ان نتكلم عن التركة فأعتقد ان الخطأ الاكبر الذي ارتكب في السنوات الماضية، هو باعتماد سياسة فوائد عالية اكثر بكثير من الانفاق الذي جرى على مشاريع البنى التحتية حتى لو انني لم اوافق على اولويات الانفاق الاستثماري الذي كانت تقوم به الحكومات السابقة. وسبق ان ذكر مسؤول رفيع في العهد السابق لي ان الفوائد ذبحتنا، اذاً فمشكلتنا تكمن في السياسة النقدية.

مع الاسف، ما تشكو منه هذه الحكومة تستمر في ارتكابه مكررة الخطأ نفسه، أي انها لا تزال مستمرة في تطبيق سياسة نقدية عندها الميزات نفسها التي كانت تتصف بها السياسة النقدية في الماضي، وذلك من خلال استمرارنا في تعقيم النقد وامتصاص السيولة والفوائد المرتفعة نسبيا.

ونقول للحكومة ان من انجازاتها انهاء الترويكا وجعل النقد اللبناني غير مرتبط بشخص ولكن هذا لا يكفي، فهم لا يزالون يضعون الاقتصاد في خدمة النقد وليس العكس، هذه السياسة النقدية لا تزال تخنق اقتصادنا.

نحن نعلم ان الحكومة اتبعت منذ مجيئها سياسة التقشف والشفافية، ما ادى الى ازدياد الركود الاقتصادي والانكماش؟

ان الانفاق الجاري الذي كان سائدا في العهد السابق هو نفسه الموجود اليوم، لكن الانفاق الاستثماري كان كثيفا، جئنا اليوم واوقفنا الانفاق الاستثماري مع العلم بأنه يفترض العكس، ما ادى الى زيادة الركود الاقتصادي، الى ذلك فإن نسب الضرائب في الماضي كانت مقبولة، فلو ابقينا على هذه النسب حاليا بغية النهوض بالاقتصاد وطبقنا السياسات التي نريد لكان ذلك افضل، كما ان الخزينة اليوم تستدين اكثر من حاجتها علما بأن رئيس الحكومة الحالي كان ينتقد هذا الاسلوب عندما كان في المعارضة. اضف الى ذلك ان البنك المركزي فتح ابوابه امام البنوك التجارية كي تضع هذه البنوك فوائدها فيه فيما تقدر هذه الفوائد موزعة على النقدين اللبناني والاجنبي، بحدود سبعة آلاف مليار ليرة، وأنا اتساءل: أليست هذه الاموال ممنوعة على الاقتصاد، علما بأن الاقتصاد اللبناني يستفيد من ودائع البنوك كقروض ما نسبته 38 في المئة، وهي قروض لم يجر اخذها افقيا، وإنما بمنطق توزيع جغرافي حصري، فإذاً كيف يمكن ان ينتعش البلد؟

الى أي مدى يمكن ان تؤدي الخصخصة الى حلحلة الوضع القائم؟

انا اتساءل: هل الخصخصة خشبة خلاص ام انها بؤس اضافي للشعب اللبناني؟ ثم انه في العهد الماضي حصل انفاق ترسملي كبير جدا على الخدمات العامة في لبنان من كهرباء ومياه وغيرها، لذلك لسنا بحاجة الى رساميل القطاع الخاص، فلو كان قطاع الهاتف الخلوي مثلا في يد القطاع العام ألم تكن كلفة الفاتورة اقل بـ40%، ثم ان فكرة ان القطاع الخاص افعل من القطاع العام هي فكرة غير محسومة، ربما يقدم لي القطاع الخاص افضل خدمة لكنه يرهقني، ثم اسأل كيف يمكن تخصيص قطاعات تقول الحكومة انها ستعمل على اعادة ترتيبها قبل تخصيصها، كيف ذلك؟ هل من المعقول ان اعمل على تجهيز شركة لتخصيصها ام لاستثمارها؟

هل بإمكان لبنان، اذا حصلت التسوية، ان يكون في موقع المنافس؟

لا يستطع ان يفعل شيئا، واليوم نراهن على عدم التطبيع  ليكون امامنا بعض من الوقت لاظهار أي قدرة تنافسية، لكن اذا اردنا ان نطبع غداة توقيع السلام فـ"العوض بسلامتك".

طرحت مشكلة الفلسطينيين كأزمة ديموغرافية كبيرة، وقلت في مقابلة لك اننا لا نستطيع ان نضخ فجأة هذه النسبة العالية من المجموعات البشرية دون ان يكون لذلك تأثير اجتماعي واقتصادي كبير؟

طبعا، نحن في لبنان لدينا ازمة اقتصادية وبطالة، وشبابنا يهاجرون من جديد. في ظل هذا الوضع ليس بمقدورنا ان نضخ في الاقتصاد خمسمئة ألف شخص ونضعهم على عاتق هذا الاقتصاد.

وثانيا كيف يمكن ان نتحدث عن استقرار اجتماعي، وثالثا هؤلاء قد يصبحون على عاتق الاقتصاد اللبناني الذي يعاني من اختلالات كبيرة، وهنا اقول ان اقتصادنا بالكاد قادر على ان يقوم بأعبائنا، فكيف الحال بأن ينهض بشعب آخر؟

اذا كانت مشكلتنا انطوت على السياسة الاقتصادية المتبعة فماذا عن تأثير وضع الجفاف على الزراعة التي تشكل رافدا مهما للقطاع الاقتصادي؟

في المواسم الاعتيادية نملك ثروة مائية، امكانية الاستفادة منها هي بحدود 3 ملايين متر مكعب في حين ان معدل هطول الامطار يقدر بـ8 ملايين متر مكعب، بمعنى ان الهدر في ثروتنا المائية كبير جدا، بسبب غياب وسائل التخزين من سدود وغيرها، واليوم الثروة المائية تعتبر مهمة لا للزراعة فحسب وإنما ايضاً للصناعة التي تشكل نشاطا اقتصاديا شديد الاستهلاك، وان عدم استهلاك جزء كبير من الثروة المائية لدينا قد يؤدي الى حصول تصحر في لبنان، واذا قلنا لماذا التصحر نقول ان هناك انجرافا للتربة بسبب عدم التشجير، والزراعة الضعيفة، لان هذا المورد (الزراعة) لم نعرف الى اليوم كيفية الاستفادة منه بشكل كامل، وهو سبب خلافنا مع الحكومات السابقة عندما دعوناها الى صرف اموال في قطاعات نستفيد منها ومنها الثروة المائية.

هل انت مع ان يكون لبنان ضمن التكتلات الاقتصادية القائمة بين الدول العربية؟

طبعا، انا مع السوق العربية المشتركة، ومنطقة التجارة الحرة، والاتفاقيات الاقتصادية بين الدول العربية، ومتحمس جدا لان يلعب لبنان دورا اقتصاديا مميزا داخل العالم العربي، وان يكون السبّاق في عملية اعادة احياء السوق العربية المشتركة.

سؤال اخير، الى اين يتجه لبنان في ظل هذا الركود الاقتصادي؟

اذا لم نتخلّ عن مقاربة الهموم الضيقة والشخصية اقول لك سلفا انه لا شيء قد يصلح في لبنان.

حوار: حسين عواد