كانون الثاني - الجمعة 07/01/2000


لبنان على أبواب قرن جديد


في لبنان المحتلة أرضه والقابعة ثلة من ابنائه سجينة في معتقلات العدو والمستباحة سماؤه وشواطئه وقراه ومواطنوه امام الاعتداءات الاسرائيلية الغاشمة، يمكن رصد ثلاث ظواهر في يوم واحد في ختام العام 1999.

           أ ـ الحوادث الامنية في سير الضنية بما هي مؤشر على توتر داخلي وعامل فتنة وانتهاك للسلم الداخلي، لكن ايضا بما لها من دلالات اخرى في عمق المجتمع، وعلاقة افراده بالسلطة، وتداخل عناصر التفجير مع الازمات الاجتماعية ـ السياسية والثقافية فيه، رغم الاقرار بمتانة الوضع الداخلي وامكانيات الاستيعاب لمثل هذه الهزات، دون ان ننسى معالجة جذورها العميقة.

           ب ـ احتفالات صاخبة على كورنيش بيروت بدخول الالفية الثالثة كانت الطاغية فيها فرق اجنبية من "السامبا" الى "الجاز" الى عروض اللايزر.. الى آخره، اكثر بكثير مما كانت حاضرة فرق الفلكلور اللبناني، وهي الاحتفالات التي بلغت تكاليفها ملايين الدولارات وسط ازمة عاصفة وخانقة اقتصادية ـ اجتماعية تكبل البلد وترهق موازنته وموارده وأهله، وتضع مستقبله الاقتصادي على شفير الهاوية.

           ج ـ العملية الاستشهادية العظيمة التي نفذها المجاهد عمار حسين حمود ضد قوات الاحتلال في اطار عمليات المقاومة الاسلامية المستمرة، وفي ظل ارادة التضحية والتحرير والحياة بعزة وشرف، الذي اعلن عن اسمه في مراسم يوم القدس العالمي التي احياها مئات الالوف من اللبنانيين في اشارة الى ان هذه القضية ستبقى حية ومحورية في تفكيرهم السياسي ـ الثقافي ـ والاستراتيجي.

           هل يعني ذلك وجود انقسام عميق في بنية الاجتماع اللبناني ام دليل تنوع؟ وما هي انعكاسات ذلك على مستقبل الاجتماع امام التحديات بمختلف المستويات المحدقة بلبنان خلال السنوات الاولى من الألف الثالث الميلادي؟

           في سياق ما جرى، كان لافتاً ذلك التركيز المتنوع على دور المقاومة ووضوح وصوابية سلاحها الموجه الى الاحتلال في اجماع ربما يكون نادراً في مثل هذا الانقسام او التنوع، لكن مع ذلك، تبدو هذه البوصلة الاكثر وضوحا ومصداقية في هذا "العبور الالفي" معتمدة بشكل اساسي على طليعة محددة يأتي في مقدمتها امثال الشهيد عمار حسين حمود.

           ففي زمن انتهاء الايديولوجيا وسيادة ثقافة الترضية والتطبيع يأتي شبان بأعمار من اكثر الفترات امكانية للتأثر بغوايات هذه الثقافة، ليبرهنوا انهم اكثر الاجيال وعياً للمخاطر التي تدهم وطنهم. لا ريب في ان لبنان كان سيخسر معركته مع العدو الاسرائيلي لو ترك الامر لموازين القوة المادية، الا ان الروح الاستشهادية التي حملها الشهيد عمار ورفاقه حولت الخلل في موازين القوى الى نصر مؤزر.

           على عاتق اللبنانيين تقع تبعة المحافظة على هذا النصر، وعلى هذه الروح التي صنعها مجاهدو المقاومة، فهل هم على مستوى التحدي؟ ولنأخذ جانبا واحدا من مستويات هذا التحدي طالما افتخر اللبنانيون به وهو الجانب الاعلامي.

           لقد كان الصهاينة اول من ادرك خطورة الروح الجهادية الاستشهادية لنهج المقاومة على مشاريعهم ومخططاتهم، وعلى يدهم الضاربة تحديدا والمتمثلة بالمؤسسة العسكرية الصهيونية، لذلك سخروا كل الطاقات لحصر وتطويق ما امكن من سريان هذه الروح خارج الساحة اللبنانية. هكذا اسس العدو وحدة الحرب النفسية وفعل سيطرته على المعلومات الحربية، خصوصا تلك المتعلقة بسير العمليات في الجنوب وبوضع جنوده هناك، وحتى بوضع ميليشيا العملاء.

           والمتتبع لنتائج العمليات المظفرة للمقاومة يلحظ اسلوب تعاطي الرقابة العسكرية الاسرائيلية الطامحة دوما لتخفيف وقع الانتصار المقاوم من خلال عدم الاعتراف بدخول موقع الدبشة او الاحمدية او سجد مثلا، الا بعد عرض شرائط مصورة للمقاومة، ليأتي الاعتراف تكذيبا لبيانات العدو السابقة، ومن تعامل الرقابة نفسها مع نتائج العمليات الاستشهادية الاخيرة مثل التي نفذها المجاهدان اسعد برو وصلاح غندور والتعتيم عليها الى حد منع اخذ صور للشاحنات المدمرة في عملية الشهيد عمار حمود، كل ذلك يشير الى حجم التأثير الكبير المادي من خلال الخسائر المباشرة او المعنوية على جيش الاحتلال. وفي المقابل التأثير الكبير على الجانب الاخر اللبناني والفلسطيني في الداخل، والعربي عموما لجهة سريان هذه الروح وخطورة توهجها على مشروع الاحتلال.

           ولقد كان التناقض في معلومات العدو عن نتائج العملية الاخيرة للشهيد عمار بين بياناته التي تدّعي اصابة جندي او اثنين وان اصابتهما طفيفة او متوسطة، والمشاهد الواضحة للصور الاولى لتلفزيون العدو، قبل معالجتها في النشرات اللاحقة والتي تظهر اكثر من اربعة جنود مصابين بعضهم تبدو عليه خطورة حالته او مقتله، او ما يتعلق باعترافه بوصول المجاهد الى عمق القافلة العسكرية وتفجير سيارته بها وحجم العبوة الكبيرة جدا. يبدو الاعلام اللبناني هنا امام تحد كبير، اذ بدلا من كشف التناقض الكبير في معلومات العدو، وفضح تعتيمه المدروس على نتائج العملية كان التسرع لافتاً في بعض التلفزيونات والصحف التي تصف نفسها بالعراقة والريادة في المجال الصحافي الى حد اعتماد بيان جيش العدو وحده في العناوين الرئيسية.

           اذا كان من واجب هذه الوسائل كسر الطوق الاعلامي الصهيوني على العملية ونتائجها ومع ذلك لم تطالب به، فإن اقل الايمان هو اعتمادها "الموضوعية" الاعلامية في ذكر كلا البلاغين: المقاومة والعدو، لا ابراز ما تريده وحدة الحرب النفسية الصهيونية، وهذا التحدي الاعلامي في بدايات القرن الجديد يصيب اللبنانيين في قطاع يعتبرونه مفخرة لهم او جزء منه على سبيل الدقة ربما كان حريا بهذا الجزء من القطاع المذكور الذي طالما اشار الى دقة بيانات المقاومة الاسلامية وعدم مبالغتها، ان يراقب دقة البيانين الاول والثاني للمقاومة الاسلامية حول العملية، اذ اكد الاول وقوع 15 اصابة بين قتيل وجريح وجاء الثاني ليوضح، بناءً على معلومات مؤكدة من داخل المنطقة المحتلة، وبعد فترة سمحت للمصادر بتأكيد خبرها عن مقتل 7 جنود صهاينة احترقت اجسامهم في الشاحنة المجاورة للحظة الانفجار.

في الاطار نفسه انجر هذا الجزء من القطاع الاعلامي اللبناني الى الفخ الاسرائيلي الذي ركز على سقوط جرحى مدنيين لبنانيين، ولم يسأل سؤالا بديهيا كيف يسقط جرحى مدنيون على بعد مئات الامتار من شدة الانفجار، ولا يقتل جميع الجنود المحاذين للانفجار نفسه.

           سقطة كبيرة لجزء من القطاع الاعلامي المتلفز والمكتوب، لكنها سقطة تدشن بداية سنة وقرن، نتمنى ان لا تكون مؤشرا على مسيرة القرن كله.

حسين رحال