|
كانون الثاني - الجمعة 07/01/2000
|
|
يحتار المرء من أي الابواب يدخل الى
منازلهم، وابوابهم كلها مشرعة باتجاه
المقاومة والجهاد في سبيل الله. كان المطر
غزيرا حين وصلنا الى بيت الشهيد عمار حسين
حمود، لكن ما ان دخلنا حتى شعرنا بدفء
متواضع يفيض من محيا والد الشهيد واخوته،
وبكثير من الرهبة التي ترتسم على وجوه
الزائرين الذين جاؤوا للمباركة فوجدوا أبا
صلبا يقابلك بعزيمة قل مثلها، وحديث يدعوك
الى المزيد من الثبات على الخط الذي اختاره
ولداه، الشهيد محمد عام 98 في الريحان، (ما
زالت جثته مع الصهاينة)، وعمار عام 99 في
مثلث الدمشقية مرجعيون، وهو خط حزب الله
والمقاومة الاسلامية، خط ولاية الفقيه
المتمثل بقيادة السيد الخامنئي (دام ظله).
حديث الاب يجعلنا نفكر بعمق عن هذا
النوع من آباء الشهداء الذين يدفعون
ابناءهم الواحد تلو الاخر الى مواجهة العدو
الحقيقي للأمة كلها، وهو العدو الصهيوني.
يتحدث الاب عن بدايات حياته، حيث كان
جنديا مغوارا التصق خلال مرحلة شبابه بصخور
الجبال وأرز السفوح البعيدة، ولما تزوج
وأنجب ستة اطفال ذكور، فرح بهم وعزم على
إيلائهم تربية تجمع بين العلم والدين
والشجاعة، "كنت اريدهم ان ينشأوا شجعانا
لا يهابون الموت، كنت آخذهم معي الى البحر
او النهر وأرمي الواحد منهم في الماء مهما
كان صغيرا وأدعه يصارع الموج لكي يطرد
الخوف من قلبه، لذلك فقد تعلموا مني سريعا
السباحة، والصيد وقيادة السيارات، وعن
حديث الاب عن شكر الله على عظيم ما رزقه
لا ينغصه الا اولئك العملاء الذين باعوا
حياتهم وكرامتهم للصهاينة، وهو يذكر بأسى
عندما اعتقله العملاء في قريته دبين عام 93
وما تعرض له من تعذيب نفسي واهانة على ايدي
من باعوا وطنهم ودينهم وعرضهم للصهاينة
اعداء الله والوطن والانسانية.
يقول الحاج ابو علي، ان العميل علي ابو
رياض، بعدما اعتقله، عاد لاعتقال ابنه محمد
فلم يستطع، ومحمد هو اليوم شهيد بطل ما زال
اسيرا بين يدي الاحتلال الذي لم يقدر عليه
حيا فأسره شهيدا عظيما. اما حديث الاب عن
عمار فله نكهة خاصة، يقول: كان عمار متميزا
عن اخوته بخشوعه في صلاته حيث دموعه تغسل
وجهه خشوعا لله "عز وجل" وكان يرجوني
دائما ان اوقظه لاداء صلاة الليل التي كان
يواظب عليها، هذه الصلاة التي اصبحنا
نؤديها بعدما عشقناها في البيت جميعا من
خلال الشهيد عمار".
يستطرد والد الشهيد في حديثه عن علاقة
عمار بالله عز وجل، هذه العلاقة التي جعلت
منه شابا محبوبا من الناس جميعا وخاصة
اصدقاءه الذين كانوا ينظرون اليه باحترام،
هذه العلاقة اضافت الى تقواه وايمانه،
البسمة الدائمة على ثغره، والطلة البهية
التي كان يقابلنا بها، والوداع المحبب الذي
كان يتركه في كل مرة على المنزل اثناء
غيابه، هذا الوداع الذي كان آخره قبل
استشهاده بيوم حيث اتصل بي هاتفيا يسألني
عن امه واخوته ولما اخبرته بوجودهم خارج
المنزل ودعني، فقلت له متى ستعود، تأخرت،
فرد: "هالمرة مطول يا بيي، سلملي على امي
واخوتي والجميع..". الأم:
كان كله لله روحاً
وجسداً وبسمة
لا تختلف روحية الحديث عن الشهيد بين
والده ووالدته التي تجتمع في محياها كل
معاني الامومة والجهاد والصبر، وتشاهد في
عينيها ذلك النبع الفياض من العاطفة
المسكونة بدمع يكاد يشتعل
تتحدث الحاجة ام علي عن عمار، ذلك الفتى
الهادئ والسمح، والشاب العاشق لله، حيث كان
لا يخطو خطوة الا بعد اطمئنانه برضى الله في
ما هو يفعله.
تقول الوالدة: كنت على علم بتفرغه
بالمقاومة الاسلامية، وكنت في نفسي راضية
لذلك، كان كلما اراد الذهاب اجهز له "شنطة"
ثيابه، اختارها له، اكويها، وأطويها
بحنان، اشتم رائحتها، ثم اودعه، وكان في
وداعه يشحذ فيّ عاطفة الام التي لا تأنس الا
برؤية ابنائها.
وتضيف والدة الشهيدين: منذ فترة وجيزة
كنا نجلس معا، ففاتحني بأنه ينوي الزواج من
فتاة ولها ولد وحدثني بأنها زوجة شهيد،
واعتبر ان علينا ان نهتم ونعتني بزوجات
الشهداء وبأبناء الشهداء لأنهم ذخيرة هذه
المسيرة وخزانها للمستقبل، قلت له يومها
خيرا كما تريد.
اما عن اللقاء الاخير فتقول الوالدة: في
آخر مرة ودعني بها، لم يأخذ معه "شنطة"
ثيابه، قال: "يومين وبرجع" ثم قال
ممازحا: "بتوصي شيء لمحمد"، فقلت له
دعك من هذا المزاح، نحن ننتظرك لكي نكمل
ختمية القرآن لاخيك الشهيد محمد، فرد: "بكرة
بتختموها لمحمد وإلي سوا" ثم ودعني، ولما
وصل الى الباب عاد، وقبلني على غير عادته،
ثم خرج، لكن قلبي خرج معه ليرافقه في تلك
المرة، انه قلب الام. وعن
سماعها بخبر استشهاده، تقول والدة
الشهيدين: كنت والحاج ابو علي جالسين عندما
سمعنا ملحقا على "المنار" حيث اعلن عن
قيام عملية استشهادية على مثلث الدمشقية
مرجعيون، تقول الوالدة: عندها قلت يا حاج
استشهد عمار، قال لي هذا ليس عمار، لكنني في
نفسي كنت على يقين بأن عمار هو من قام
بتنفيذ العملية، وعندما علمت بالخبر شكرت
الله عز وجل على ما انعم علينا، ورجوته
تعالى ان يتقبل منا الشهيدين محمد وعمار،
وأن يرزقنا شفاعتهما يوم القيامة. تتوقف
الحاجة ام علي عن الحديث، لكن وجهها يكمل
حديثا وسفرا الى ولديها الشهيدين، الاول
"محمد" اسير مع الصهاينة، والثاني وزع
جسده وردا، على وجه القرى المحتلة. آخر
كلماته: أشعر بأنني أحلق
عالياً نحو الله
نغادر بيت الشهيد، ولا نغادر، لان
القلب يأنس بهذه العائلة التي حددت موقعها
في العالم، وسجلت على ابواب الالفية
الثالثة ان التضحية والشهادة هي التي تؤسس
للشعوب عزتها وكرامتها وحريتها واستقلالها.
نغادر ولا نغادر، ووصية والد الشهيدين
لي بأن ارفع اسمى التحيات منه لروح الامام
الخميني (قدس) وللسيد الامام الخامنئي (دام
ظله) ولسماحة السيد حسن نصر الله (اعزه الله)،
وانه وعائلته على اتم الاستعداد لتقديم
المزيد من الشهداء في سبيل تحرير الوطن
وعزة الاسلام وكرامتهم، وفي سبيل تحرير
فلسطين من اعداء الله والانسانية،
الصهاينة، نغادر ولا نغادر، وكلام الاب ما
زال يأخذني الى خارج هذا العالم، حيث قال إن
عمار كان في ايمانه دون مستوى الاولياء،
وفوق مستوى البشر، وانه اسر لاحد الاخوة
الذين تابعوا معه العملية الاستشهادية
قائلا له: "اشعر الان انني احلق عاليا في
هذا الكون". ثم انطلق بسموه نحو تنفيذ
العملية المباركة التي لن يقوى العقل
الاميركي والصهيوني يوما على فهم اصحابها،
لانها تتصل بالله بحبل من كربلاء.
وهذا هو سر القوة والانتصار. حسان
بدير |