|
نيسان - الجمعة 14/04/2000 كتاب
"بحث حول الصبر" للامام الخامنئي
|
|
ينطلق
الامام الخامنئي في بحثه حول الصبر من
الصورة المشوهة التي يحملها المجتمع (الاسلامي
خاصة) عن مفهوم الصبر، والتي وصلت الى حدّ
اصبح فيه الصبر مادة الى التواكل والكسل
والرضى بالهوان. تلك الصورة التي لم تأت الا
بعد ان ابتلي الاسلام بمجموعة من الطغاة
وحكام الجور، كانت ترى ان مصالحها لا تتم
الا بترويض امكانات الناس واستلاب قدراتهم
على النقد او التغيير، فقد تعرض هذا
المفهوم ـ كغيره من المفاهيم ـ للتحريف
الذي ابتليت به اغلب المفاهيم الاسلامية،
حتى مسخ وحرف معناه، فانقلب رأسا على عقب"
ص15. مفهوم
شائع
فالصبر في اذهان
الناس ما هو الا "تحمل الآلام والمرارات"
وهو فهم "يمتزج بالابهام والغموض الى حدّ
يسمح لكل من يريد ان يوجهه الى معانٍ
مختلفة، بل متضادة" ص15، لهذا فان الطغاة
غالبا ما يحاولون اقناع شعوبهم بالركون الى
الراحة معتمدين على مقولة "الصبر"
التي تعني "ان عليهم تحمل القرارات
والآلام والظروف القاسية والمهلكة التي
تمارس ضدهم وتفرض عليهم"، ولا تكون
النتيجة ان يرضى المجتمع بهوانه وبأوضاعه
السيئة وحسب "بل سيتوهم ويمنّي نفسه بأنه
مأجور ومثاب عند الله على هذا الصبر، وعليه
ينزوي ولا يبالي بما يحدث ولا يكترث بما
يحصل حوله ويعيش حالة من الرضى والسرور
ويظن ذلك فوزا عظيما له" ص16. "ان هذا
الفهم الخاطئ يطغى في عصرنا الحالي على
المجتمعات الاسلامية" الى درجة بات "طرح
أي معنى اخر للصبر يحتاج الى الكثير من
المقدمات والادلة لاولئك الذين لم يتعرفوا
الى التعاليم والمعارف الاسلامية بشكل
صحيح، وقد يكون البحث معهم في اغلب الاحيان
لا طائل وراءه".
بعد هذه المقدمة
الضرورية لولوج "المعنى الآخر" للصبر
يبدأ الامام الخامنئي بإلقاء "نظرة عامة
على المصادر التي تطرح الصبر" ص17، مركزا
البحث على "الروايات" دون البحث في
مدلول الايات القرآنية الدالة على الصبر،
راداً ذلك الى امرين اولهما: ان الوقوف
والتدقيق في الآيات التي تناولت الصبر "يستلزم
الدخول في بحث اوسع"، وثانيهما: الاسهام
في رفع النسيان والاهمال الذي تعرضت له
احاديث المعصومين" ص18. المفهوم
الاجمالي للصبر
يعتمد الامام
الخامنئي على "ضرب الامثلة" توطئة
للوصول الى ادراك مفهوم في حياتنا اليومية،
مستنبطا ذلك من الاحاديث المروية عن الرسول
واهل بيته عليهم الصلاة والسلام ليصل الى
وضع تعريف اولي للصبر مفاده انه مقاومة
الانسان المتكامل (السالك طريق الكمال)
للدوافع الشريرة المفسدة والمنحطة (ص18)
ومثل ذلك مثل من "يريد ان يتسلق جبلا"
فتواجهه الكثير من المصاعب منها "ما يرجع
الى الانسان نفسه من طلب الراحة، او الخوف
او اليأس من الوصول الى الهدف او الاهواء
المختلفة التي تعمل على منعه من الوصول الى
الهدف، حيث تنخفض حرارة الاندفاع والبواعث
بسبب استمرار تلك الافكار والوساوس"،
ومنها ما "يرجع الى العوامل الخارجية من
صخور ضخمة او ذئاب واشواك او قطاع طرق"
فيكون "السالك" عندها امام خيارين،
اما "عدم مواصلة السير" او ان يقرر
المثابرة والتحمل و"يدفع هذه الموانع من
طريقه ويواصل السير" ص19.
ويخلص آية الله
العظمى الخامنئي في مثله هذا الى تشبيه
حقيقة حياة الانسان وسيرورته نحو الاخرة
بهذا المثل العملي، فطريق الانسان الممتدة
من حياته حتى وفاته هي سير نحو الوصول الى
اعلى منزل من منازل الانسانية، نحو الله
الغاية، "التي يعبّر عنه في ديننا
بتعبيرات مختلفة نحو "تخلقوا بأخلاق
الله" ص20. ذخيرة
الصبر
يتابع الامام
الخامنئي مسيرة الصبر من خلال حياة الائمة
الاطهار الذين يؤكدون على ضرورة الصبر،
ويجعلونه آخر كلماتهم، عند وداعهم هذه
الدنيا، تاكيداً على الالتزام بالصبر
فيوصون أبناءهم بالأخذ بهذه الوصية، فيروى
عن الامام الباقر(ع) "لما حضرت الوفاة ابي
عليّ بن الحسين ضمني الى صدره وقال (يا بني،
اوصيك بما اوصاني به ابي حين حضرته الوفاة:
يا بني اصبر على الحق وان كان مراً)" ص23.
ولان ما اوصى به الباقر (ع) هو عينه ما اوصى
به الحسين بن علي(ع) فان الامام الخامنئي لا
يترك الفرصة تمر حتى يعرّج على عاشوراء،
حيث موقف الصبر الذي قلّ نظيره في التاريخ،
فكانت وصية الاصطبار ارثا ينتقل من جيل
صالح الى جيل صالح آخر يحمل الامانة، تماما
كما كان الانبياء في صبرهم حيث يورد عن اهل
البيت(ع) في كتاب فقه الرضا "يروى ان في
وصايا الانبياء: اصبروا على الحق وان كان
مراً"ص26.
فالمدرسة
واحدة، والصبر واحد وان اختلفت العصور:
سأصبر حتى يعجز
الصبر عن صبري
واصبر حتى يأذن
الله في أمري
و"اصبر حتى
يعلم الصبر انني
صبرت على شيء
امرّ من الصبر"ص26. موقع
الصبر
يشير الامام بعد
ذلك الى منهج جديد في دراسة الصبر، وهو
معرفة موقعة من "الدين الذي يمثل مجموعة
المعارف والاحكام الحقوقية والاخلاقية،
يقوم على اسس فكرية يعبّر عنها بالرؤية
الكونية التي يحملها الى العالم"ص27،
متسائلا: "ما هو دور الصبر واثره ضمن هذه
المجموعة من المعارف والمقررات التي تشكل
الدين؟"، ليخرج بعد ذلك الى استحالة "
فهم منطق الدين الحق والسامي لو لم يكن
الصبر موجودا"ص28، مستدلا بقول الائمة
المعصومين: "الصبر من الايمان بمنزلة
الرأس من الجسد"ص29، ومستشهدا بأحداث
تاريخية كان للصبر الدور الفاعل فيها
لصيانة الدين والحفاظ على خط الرسالة.
ثم يشير الى "مواطن
الصبر" بأسلوب يمثل فيه لكل الشواهد،
ويعطي لحياة الائمة الدور الاكبر في صياغة
المعنى الجديد "للصبر" على الطاعة
واداء التكليف(ص40) ويتناول بعد ذلك النظرة
القرآنية لتأكيد "المواطن التي ينبغي
الصبر فيها" كالصبر عن المعصية ص41. او
الصبر امام الوساوس" في المعارك او في
غيرها.
وتبقى كربلاء
مثالا اكبر للصبر، او للانكسار، فثمة
موقفان يؤكد عليهما الامام الخامنئي هما
موقف الحر بن يزيد الرياحي، وموقف عمر بن
سعد، فالاول صبر امام رغباته والثاني انهار
وانكسر.
يستحضر الامام
الخامنئي في "بحث حول الصبر" مجموعة من
الاحاديث النادر تداولها، لكنها لا تزال
تحمل روح الرسالة وحرارة المعاصر، فيورد
الحديث المروي عن الرسول الاكرم(ص): سيأتي
على الناس زمان لا يسأل الملك فيه الا
بالقتل والتجبر، ولا الغني الا بالغصب
والبخل، ولا المحبة الا باستخراج الدين
واتباع الهوى، فمن ادرك ذلك الزمان فصبر
على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على
البغضة وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل
وهو يقدر على العز آتاه الله ثواب خمسين
صدّيقا ممن صدّق بي". هذا الحديث الذي يقع
من حياتنا الحاضرة في الصميم، فاليوم "لو
كان الانسان ملتزما بمسؤولياته الاسلامية،
فإنه لن يجري على لسانه الكذب والتملق،
وسيعلن بوضوح عن الانحراف والاعوجاج
الموجود في المجتمع او داخل طبقة المقتدرين
واصحاب السلطة، ويبيّن الحقائق، ولن يخدع
عامة الناس بوعود كاذبة وفارغة، ولن ينسجم
مع الاوضاع السيئة، وسوف يوضح بكلماته
المرة التي هي دواء لسخط الناس وخنجر حاد في
خاصرة المتسلطين، كل المساوئ والانحرافات،
ومثل هذا الشخص في المجتمع الذي تحدث عنه
رسول الله(ص) سيسقط من العيون ويحرم من
العاطفة والتأييد"ص53.
يؤرخ الامام
الخامنئي للصبر من خلال شواهد من حياة "الصابرين"
ويؤكد على الحديث القائل، لا رهبانية في
الاسلام، انما رهبانية امتى الجهاد"
مشيرا الى "اهداف الانبياء في الدعوة الى
الله وما يواجهها من مصالح الطبقات
المتسلطة والظالمة وما يستتبع ذلك من الصبر"
ص60، ثم يتناول في البحث فوائد ونتائج في
الصبر التي منها "بروز الخصال الحسنة
التي لا تعرف الا عند الصبر" ص74، وخاصة
بناء الانسان الذي اذا ما صبر انفتحت له
افاق عميقة في معرفة الله، ص76. ناصر
الحجاج
|