|
حزيران - الجمعة 16/06/2000 الانتقال
الهادئ للسلطة يثبت استقرار سوريا وموقعها |
|
امكن
لسوريا ان تتجاوز بهدوء وثبات فقدانها
لباني دولتها الحديثة الرئيس الراحل حافظ
الاسد، واستطاعت ان تخطو خطواتها الاولى
باتجاه انتقال السلطة، وفق ما تشرعه نصوصها
الدستورية، وتؤمنه مؤسساتها الحزبية، وهي
المؤسسات التي تتيح لنجل الرئيس الراحل
الدكتور بشار الاسد تبوّؤ الموقع الاول في
الدولة، بعدما بايعه الناس بزخم شعبي ظهرت
ملامحه الواضحة في المسيرات الحاشدة التي
رافقت وفاة والده الى يوم تشييعه الشعبي
والرسمي، بكل دلالاته وإشاراته السياسية
التي سبقت الخطوات الدستورية. وهذا بحد
ذاته ظاهرة بارزة في تاريخ سوريا الحديث،
اذ لم يسبق لها ان شهدت هدوءا بهذا المستوى
خلال عملية انتقال السلطة، بل لم تشهد
تشييعا لرئيس جمهورية قبل الرئيس الأسد، اذ
عانت قبل حكمه سنوات طويلة من التوتر
والانقلابات الى حين استلام الاسد (الأب)
السلطة وتمكنه من بناء نظام ثابت وقوي يسمح
لمؤسساته بالعمل بانتظام لاختيار الرئيس
الجديد من دون الحاجة الى الانقلاب على
السلطة ومؤسساتها.
تتعدد القراءات
والدلالات للحدث السوري وطريقة استيعابه
الداخلية، لكنها تجمع على دلالتين بارزتين:
1- الفراغ العربي
والدولي الذي تركه الاسد، بعدما تحول الى
رمز عربي في مواجهة الضغوط الاميركية
والصهيونية، ووقوفه بصلابة مانعا الضعف من
التوغل الى الجسم السوري ـ اللبناني، ما
اسهم في تمتين هذه الجبهة ووقوفها لصد اعتى
العواصف الدولية.
وأحس بهذا
الفراغ معظم العرب الذين افتقدوا مقاوما
عنيدا، لم ترهبه كل المحاولات لدفعه نحو
التنازل، فظل حتى اللحظات الاخيرة من حياته
ممسكا بخيوط المواجهة، الى مرحلة تحقيق اهم
إنجاز تاريخي في المنطقة، المتمثل بانتصار
المقاومة الاسلامية على الاحتلال، وإجباره
على الاندحار. وقد عبر عن مواقفه المعتزة
بهذا الانجاز في آخر أحاديثه امام مقربين
منه.
وسيسجل التاريخ
للأسد هذه المأثرة التي ابقت الصراع مع
الاحتلال على المحور السوري واللبناني الى
ان شهد اول تراجع ميداني اسرائيلي بقوة
المقاومة التي رعاها وحفظها ودافع عنها،
رافضا كل المغريات للحد من نشاطها،
ومسقطا كل التهويلات لثنيه عن موقفه،
وهي المأثرة التي تتراوح مع رفضه للقاء او
مصافحة او توقيع الصلح مع العدو، ويكفيه
ثباته في الموقف الاخير خلال قمة جنيف مع
الرئيس الاميركي بيل كلينتون، خير شاهد على
الصلابة والتحدي ورفض الانصياع للإملاءات
الاميركية.
2- قدرة سوريا
على استيعاب الخسارة على ضخامتها،
والاسراع لملء الفراغ بالاتكاء على
قاعدتين، مؤسسات الحكم التي اخذت دورها
الطبيعي في تهيئة المناخ الدستوري الشرعي
لتأمين انتقال السلطة، والزخم الشعبي الذي
عبر بعفوية واندفاعة عن تأييده للدكتور
الاسد، من دون ان يعكر صفو هذا الاستيعاب أي
توتر داخلي بخلاف ما سعى إليه وتوقعه
المتربصون بسوريا وفي طليعتهم الكيان
الصهيوني. هذا الهدوء والسلاسة أجبرا
الادارة الاميركية على الاقرار بالامر
الواقع، والتعامل معه كحقيقة من حقائق
المنطقة غير القابلة للتغيير، طبعا لا يلغي
ذلك امكانية لجوء الادارة الاميركية
للمساومة او للابتزاز السياسي، برغم
اعترافها المسبق بالوقائع التي املاها
انتقال السلطة الى د. الأسد الا ان تلك
المحاولات اصطدمت قبل ولادتها بجدار صلب من
التأييد والمبايعة الشعبيين للحكم الجديد.
هاتان
الدلالتان تشكلان حقيقة ثابتة، اخذ يتعاطى
معها العالم بجدية وواقعية، وهذا ما ابرزته
ردود الفعل على رحيل الاسد، وما آلت إليه
أمور السلطة بعده، لجهة الاستقرار والهدوء
السياسي والامني، وبذلك اسقطت القيادة
السياسية ومؤسسات الحكم، والاجتماع الشعبي
حول نهج الاسد الرهانات الخارجية على احداث
قلاقل وتوترات تضعف مواقع سوريا ودورها
الاقليمي.
الانتقال
الهادئ للسلطة، والدعم الدولي والعربي
لخيار د. الاسد، لا تخفف او تحد من حجم
التحديات التي تواجه سوريا وقيادتها
الجديدة، بل ربما تزيد من وطأتها على
المستويين الداخلي والخارجي، وفي طليعة
هذه التحديات المفاوضات السورية ـ
الصهيونية، وما تفرضه على الرئيس المقبل من
مهمات صعبة ومعقدة.
لا يخفى هنا حجم
الاستفادة والمتابعة الاميركية لمجرى
التطور السياسي في سوريا، والعنوان البارز
لهذه المتابعة مدى تأثير الحدث على
المفاوضات، بل تحولت المشاركة الاميركية
ومعها الفرنسية في تشييع الرئيس الاسد الى
جزء من العمل الديبلوماسي المتصل
بالمفاوضات، وهو ما عبرت عنه وزيرة
الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت،
وأوضحته باريس في معرض تفسيرها لمشاركة
الرئيس الفرنسي جاك شيراك في التشييع.
لكن الادارة
الاميركية حرصت على عدم الذهاب بعيدا في
التفاؤل والاكتفاء بحث الاسد الابن، على
المضي على طريق والده في التزام خيار
التسوية، مع ادراك هذه الادارة ان لهذا
الالتزام متطلباته، وأهمها الوقوف عند
الحد الذي رسمه الرئيس الاسد، وعدم القبول
بأي تنازل عنه، فذلك الحد بات من مسلّمات
الاستراتيجية السورية في التعاطي مع ملف
المفاوضات.
لئن كان الرئيس
الراحل بقي الى اللحظات الاخيرة يدير ملف
المفاوضات مباشرة، بعدما اوكل الى نجله
الملفات الاخرى ومنها الوضع الداخلي،
الحرس، الجيش، ملف الفساد، متابعة الوضع
اللبناني، فإن الرئيس المقبل لم يكن بعيدا
عن مجرى المفاوضات، بل اخذ منه مدة ليست
قصيرة بمتابعة هذا الملف، والاطلاع على
شؤونه وشجونه بتواصل دائم مع والده، ومن
دون شك استطاع من خلال هذه المتابعة
الاطلاع على ادق تفاصيله ومكامن الخطر فيه،
واستفاد من تجربة والده وحنكته ودرايته
السياسية، للامساك به وإدارته بما يؤمن
مطالب سوريا وحقوقها.
خطورة هذا
التحدي تكمن في أبعاده الاقليمية
والدولية، فهو لا يتصل بسوريا وحدها، بقدر
تشعبه وتعدد خيوطه، فضلا عن علاقته بإدارة
الصراع مع الكيان الصهيوني، الذي يتربص
بسوريا الدوائر، وحاول ويحاول الايقاع بها
او إضعافها للنفاذ الى قلب المنطقة العربية
واستكمال اسقاط ممانعتها. وهذا ما تدرك
القيادة الجديدة ابعاده، وسبق لها ان اكدت
على الثوابت التي تتحكم بأدائها حياله، وهي
الثوابت ذاتها التي ارساها الرئيس الراحل.
ومع اهمية هذا
التحدي، فإنه لا يشكل في مداه الزمني عامل
ضغط مباشر، على الرغم من الاستعجال
الاميركي للحصول على تعهدات والتزامات
مسبقة. فالادارة الاميركية تعرف ان المرحلة
الراهنة في سوريا لا تزال مرحلة استيعاب
الحدث الذي اصابها بفقدان الرئيس الاسد،
وما يستتبع ذلك من حاجة الى الوقت لانتقال
السلطة، وترتيب البيت الداخلي، ما يعني
عمليا دفع الامور الى ما بعد الانتخابات
الرئاسية الاميركية، خصوصا ان الطرف
الآخر، أي الكيان الصهيوني، غير مهيأ لأي
خطوات جديدة على المسار السوري، في ظل
ازمته الداخلية وانشغاله ايضا بالمسار
الفلسطيني.
ترتيب البيت
الداخلي واحد من التحديات التي تواجه
القيادة المقبلة، لكنه ليس بالامر
المتعسر، لأن الرئيس القادم كان احد اركان
هذا البيت. ومتابع ومطلع على الملفات كلها،
وما يحتاجه ـ فضلا عن الاجراءات الدستورية
ـ هو بعض الوقت لاستكمال مشروعه الهادف
للتطوير ومكافحة الفساد، وهما أمران
بدأهما في عهد والده ويستكملهما من موقعه
على رأس الهرم في السلطة السياسية
والعسكرية في بلاده.
لا تبدو
التحديات الداخلية من النوع المقلق للحكم،
باستثناء ما يتصل بالجوانب التطويرية
والحاجة الى مواصلة الجهد في تحديث الدولة،
وهو امر طبيعي في معظم دول العالم، خصوصا
تلك التي تحاول المواءمة بين التحديث
والحفاظ على الاصالة.
لقد مرت سوريا
بفترات اقتصادية صعبة جراء الضغوط الدولية
التي مورست ضدها، وهي اليوم تحاول النهوض
باقتصادها، وهذا ما سعى د. الاسد لتحقيقه،
وقد يكون رفعه لشعار مكافحة الفساد، احدى
الوسائل للنهوض بالاقتصاد فضلا عن الوسائل
الاخرى المتعلقة بالشأنين الزراعي
والصناعي، وبجلب الاستثمارات الاجنبية.
ومن العوامل الاساسية المساهمة في ذلك،
الاستقرار الداخلي الذي امنه الانتقال
الهادئ للسلطة.
اما
ما يتصل بلبنان، فإن العلاقة الوطيدة
اللبنانية ـ السورية تجلت في المشاركة
اللبنانية الواسعة في العزاء، واعتبار
الخسارة مشتركة، وما يتوقع هنا ان تستمر
هذه العلاقة مع الرئيس الذي كان متابعا
للملف اللبناني، وحاضرا في علاقاته
السياسية والشخصية مع معظم الشرائح
اللبنانية، فضلا عن متابعته لملف الجنوب
الذي كان دائما في عقل الرئيس الراحل
وقلبه، وقد عايش في آخر أيامه الانتصار
التاريخي على يد المقاومة الاسلامية،
الانتصار الذي حقق واحدة من امنياته
وأهدافه.
|