|
حزيران - الجمعة 16/06/2000 مصابيح
|
|
هل من علاقة عضوية بين شرايين الكف
والانامل وبين مركز التفكير في العقل، وهل
ثمة اختلاف بين انسان واخر في مستوى
العلاقة الانسانية التي تدير بها عقولهم
حواسهم الاخرى، وهل للقدرات المعرفية اثر
في تحديد الية هذه العلاقة؟
هذه الاسئلة لا تدخل بالطبع بعوالم "التنجيم"
او "التبصير" بل تدخل وبشكل مباشر في
التشكيل المعرفي للانسان، وفي تكوين هذا
الانسان والقدرات التي يحملها والتجارب
والمعارف التي اكتسبها في الحياة، التي
تؤهله بالتالي الى تحديد خياراته وموقعه في
الصراعات الدائرة حوله ـ ثقافيا وحضاريا
وسياسياـ ودوره في التقاط هذا الصراع
وتطويعه بما ينسجم مع ثوابته وقناعاته التي
يعيش لها، وفيها.
هذه المنظومة المعرفية (حضاريا) اولا
والحسية (عضويا) ثانيا، هي التي يجب ان
نناقشها ونقرأها بتمعن في حديثنا عن طائفة
"الموقعين" والذين يحملون اقلامهم
التي يوقعون بها، كمن حمل فرشاة ودخل
مسابقة أوكل اليه فيها ان يقوم بطلاء جدار
عريض مع جمهرة من العمال، فلا يهمه من طلائه
سوى رميه في كل اتجاه حتى يسبق الاخرين. هذا
الفعل يشبه في ادائه العديد من دعاة
الثقافة الذين لا يقيمون وزنا لاقلامهم
التي تأسست على خفة عقولهم واستخفافهم
بالقيمة التي يشكلونها والدور الملقى على
عواتقهم تجاه امتهم وشعوبهم، ويشبه في
الوقت ذاته الجمهرة الكبيرة من الحكام
العرب الذين جروا حبر اقلامهم في اصابعهم
ليوقعوا بها هنا وهناك في حانات الذل
السياسي ومقاهي المقامرات الدبلوماسية،
حساباتهم في ذلك حسابات المواقع التي
يقبضون عليها بالحديد الديموقراطي بعيدا
عن حسابات شعوبهم ومستقبلها والمواقع
المشرفة التي يجب ان يتبؤوها في قطار
الحضارات الطويل.
ان حصافة العقل وقوة المعرفة والاحساس
بالقيمة الحضارية التي يشكلها الفرد
والمجتمع من خلاله هي التي تحصن الكف عن
دخول اصابعها وانزلاقها في تواقيع مذلة
ومهينة لشعب ما من الشعوب، او لفرد من
الافراد في أي موقع كان سياسيا او ثقافيا او
دينيا.
من هذه الحصافة والرجاحة والمعرفة
الحضارية انطلق الرئيس الراحل حافظ الاسد
في تحصين رؤيته التي تعتبر ان القلم والكف
والعقل والمجتمع والحضارات السالفة، هي
وحدة يكمل بعضها بعضا، وان النظر باستخفاف
لاي منها سيؤدي بهذه المنظومة الى الضعف
والوهن والسقوط في مكائد المتربصين، وهم
كثر.
ان الوهن والسقوط العربي هو الذي جعلنا
جميعا نفتخر ونزهو بعبارات اطلقت اثناء
وفاة الرئيس الاسد مثل: "رحل ولم يوقع"،
و"صاحب الكف النظيفة"، و"مات ولم
يصافح يهوديا".. عبارات ان دلت على عظمة
الراحل، فانما تدل ايضا على الحال التي
وصلنا اليها والتي تعتبر مواقف كهذه ضربا
من القدسية، مع العلم انها يجب ان تكون من
مسلّمات القيمة الحضارية التي يعيشها
وينشأ عليها كل مواطن عربي، مسلما كان ام
مسيحيا. فالحبر الذي نكتب به هو مداد
شهدائنا جميعا، العقل الذي يأمر اصابعنا هو
امانة الله فينا (يوم تشهد عليهم ايديهم
وارجلهم)، واليهودي الذي نشيد بمن لا
يصافحه هو العدو الحضاري لنا، وعداواتنا
معه لم تنطلق من بعدها التاريخي الوضعي،
ابدا، بل من منهلها السماوي المرسل من الله
"عز وجل"، (ولتجدن اشد الناس عداوة
للذين امنوا اليهود..).
من هنا، ولهذا كله، دعونا نضع باقة ورد
من البقاع على جبين الرئيس الاسد، ونهيل
على كفه المقاومة كمشة من تراب جبل عامل،
لتصبح كفه الابية على الذل، كف كل مثقف
واديب وسياسي في هذا الوطن العربي الذي
يتصارع فيه اليوم اثنان، دم شهدائنا الحر
من الفرات الى النيل، وحبر اميركا الفاقع
والمذهل كوجه اولبرايت، وكل ماضيها. حسان بدير |