حزيران - الجمعة 16/06/2000


حزب الله من الأسد إلى بشار:
أي علاقات مستقبلية؟


تراكمت مؤشرات كثيفة مؤخرا كاشفة على نحو مركّز، موقع حزب الله عموما والمقاومة تحديدا في الرؤية السياسية للرئيس الراحل حافظ الاسد، التي تكشف بدورها عن بعد من ابعاد نظرته الخاصة للصراع مع الكيان الاسرائيلي، وكذلك كاشفة ايضا، لوجهة مستقبل هذه العلاقة.

      وأي متابع بالصوت والصورة، وللصورة اليوم قوة المعنى والانطباع معاً، وهي تتجاوز قوة الكلمة في عالم الاعلام والاتصال، لا يسعه الا ان يلحظ ذلك الاهتمام الاستثنائي بتسليط الضوء على اللقاءات التي اجرتها قيادة حزب الله مع الفريق الدكتور بشار الأسد، الى جانب الحفاوة الاستثنائية التي لقيها الوفد، على نحو لافت، سواء اثناء تقديم التعازي للدكتور بشار، او اثناء لقائه ايضا في يوم إلقاء النظرة الاخيرة على نعش الرئيس الراحل الاسد.

      وإذا تجاوزنا ايحاءات الصورة وكلمات الترحيب، الى وثوقية ووثائقية الكلمة المكتوبة، فلا يمكن تجاوز ما نسب الى الرئيس الاسد من كلام له بحق حزب الله، والذي جاء مرة على لسان الابن بشار، ومرة على لسان وزير الدفاع السوري العماد اول مصطفى طلاس.

      فقد نقل وفد حزب الله عن الدكتور بشار قوله ان الرئيس الاسد "اعتبر ان الانتصارات الباهرة التي احرزتها المقاومة الاسلامية في لبنان حققت واحدا من اكبر وأعظم الاهداف والامال التي كان ينتظرها الرئيس الراحل ويسعى لاجلها ليل نهار.. وان الله تعالى وفقه لأن يرى ذلك النصر بأم عينيه قبل فراق الدنيا..".

      ومن جهته قال العماد طلاس: "ان الراحل كان في ايامه الاخيرة، برغم وضعه الصحي، يشعر بالزهو بالانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية بطرد المحتلين الاسرائيليين من جنوب لبنان". وتابع العماد طلاس كلامه قائلا: "لقد اتصل بي فور الانسحاب الاسرائيلي قائلا: هذا حزب الله حقق معجزة عظيمة، انا كنت اقول لكم دائما الشهادة او النصر، وقد تحقق ذلك بالفعل".

      هذا الكلام، لا يحتاج الى كثير تأويل، لكنه يسلط الضوء ولا ريب على نقطتين رئيسيتين هما:

      اولا، ان مقاومة الاحتلال في جنوب لبنان لم تكن في نظر الرئيس الراحل مجرد ورقة او أداة ضغط، كما حاول كثيرون ان يصوروها، بل كان فيها اكثر من ذلك بكثير، كان يرى فيها المدخل الرئيسي لتحقيق واحد من اهم الاهداف في حياته و المتمثلة بإلحاق الهزيمة بهذا العدو. ولا نغالي اذا قلنا، ان الاسد، بمواكبته الدقيقة والفاحصة والمتبصرة للمسار التطوري لحركة المقاومة الاسلامية في لبنان، جعلته يرى فيها رهانا حقيقيا، يعوض كل الرهانات السابقة التي جربت وامتحنت فسقطت، او تلك التي اطاحت بها الظروف والمتغيرات الاقليمية والدولية، وبالتالي كان يبصر فيها ذلك الامل بالنصر الذي يعوّض كل الهزائم العربية ولو على نحو رمزي ومكثف.

      ثانيا، ان الاسد، من خلال رهانه على المقاومة، ما زال محتفظا بصمت، بتلك النظرة المبدئية للصراع مع العدو الاسرائيلي والتي ترى فيه نقيض وجود، لا مجرد التباسات وإشكالات حدودية.

      وان خيارات الصراع معه لا يمكن الا ان تكون جدية وتتراوح بين حد النصر وحد الشهادة، ما يعني ضمنا عدم افساح المجال لأي تنازلات مفترضة او مطلوبة مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحيات.

      وما تقدم يفسر مغزى كلام الدكتور بشار لوفد قيادة حزب الله حيث اكد "ان العلاقات التاريخية والمتينة التي كانت بين سوريا وحزب الله لن تنقطع أبدا بارتحال الرئيس حافظ الاسد، بل ستكون اكثر قوة وفاعلية بكثير مما كانت عليه وذلك عملا والتزاما بنهج الرئيس الراحل".

      فثبات الرئيس الجديد المفترض على نهج الرئيس الوالد، يحتم دفع مثل هذه العلاقة قدما الى الامام، هذا الثبات الذي اكده بشار في موقفه من سلاح المقاومة، في معرض اجابته عن سؤال لجريدة الشرق الاوسط، حيث اجاب: "حزب الله في طليعة المقاومة، وهو حزب سياسي لبناني وأيضا لديه نواب في البرلمان اللبناني، ومن الطبيعي ان يتابع ممارسة دوره السياسي في هذا الاطار بعد اتمام الانسحاب الكامل، الا ان ذلك لا يعني رمي السلاح، فالانسحاب حل لمشكلة، مشكلة الاحتلال الاسرائيلي للبنان، دون ان يخفي احتمال وجود خطر دائم على لبنان من قبل "اسرائيل" في ظل عدم الانتقال الى المراحل الاساسية التالية في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وهي العملية السلمية وما تتضمنه من مفاوضات، والتسوية السلمية وما تشمله من حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وعودتهم الى ديارهم، ومن ثم السلام العادل والشامل بين العرب و"اسرائيل".

      وفي هذا الموقف، تأكيد اضافي للموقع الاستراتيجي الذي بات يحتله سلاح المقاومة في الرؤية السياسية السورية للصراع مع العدو الاسرائيلي، فسلاح المقاومة بات جزءا لا يتجزأ من الرؤية العامة لهذا الصراع والمعادلات والتوازنات التي يحتكم اليها، لا مجرد سلاح تكتيكي لوضع ظرفي واستثنائي، وهذا بدوره ما هو الا امتداد عميق لنظرة الرئيس الاسد نفسه.

      ومن الواضح، ما تمليه هذه الرؤية من تمتين للروابط والتعاون والاعتماد المتبادل والتكامل بين القيادة السورية وقيادة المقاومة، الامر الذي يؤكد بدوره ان هذه العلاقات ستشهد ازدهارا إضافيا في المستقبل.