|
حزيران - الجمعة 16/06/2000 الرئيس
الاسد وتسع سنوات من التفاوض المرّ
|
|
ثمة
مصطلحات عدة انتجتها التجربة السياسية
الغنية والطويلة للرئيس الراحل حافظ الاسد،
وبالتأكيد فان المصطلحات تلك، ومنها خيار "السلام
الاستراتيجي" و"سلام الشجعان" و"التضامن
العربي" و"التوازن الاستراتيجي" اخذت
مكانها في القاموس السياسي، وباتت حكرا على
مبتكرها ومطلقها، ومثل هذا الامر، والمقصود،
انتاج المصطلحات وانتاج الافكار، ينم عن
خصائصية القادة الفكريين والتاريخيين في ان..
والذبن يتجاوزون مألوف الطرح، وسائد الافكار.
والخصائصية عند الرئيس الاسد، تتشعب الى
مطارح عدة، على مستويات الفكر، والممارسة
السياسية، والمواقف المنعطفية، ويأتي في
مقدمة ذلك نظرية الرئيس الاسد حول التفاوض مع
"اسرائيل" الذي يسعى الموضوع التالي الى
مقاربتها.
في خاتمة كتابه ينقل الكاتب البريطاني
بلاتريك سيل، كاتب سيرة الاسد، عن الاخير
قوله "قل ان الصراع سوف يستمر"، وينقل
مقربون عن الرئيس الراحل قوله ايضا "لسنا
مستعجلين في امرنا.. واذا لم ينتصر جيلنا،
فعلينا ان نسلم الامانة الى الجيل الثاني،
وربما الجيل الثالث".
وبطبيعة الحال، ليس من العبثية بشيء، ان
تترافق انطلاقة عملية التسوية الشرق اوسطية،
مع رهانات تقترب من الحتمية القائلة ان
البناء العقائدي للرئيس الاسد وصلابة موقفه
تجاه "اسرائيل" سيمنعان ذهابه الى
الاندراج في صورة واحدة مع القادة
الاسرائيليين في حفلة للتوقيع على اتفاقية
سلمية بين دمشق وتل ابيب، واذ يرحل الاسد من
دون ان يصافح الد اعدائه.. ومن دون ان يسمح حتى
للمفاوضين السوريين ان يمدوا اياديهم
لمصافحة نظرائهم الاسرائيليين في مدريد او في
جولات واشنطن التفاوضية، فان القول السابق
الذكر، والذي تكلم عنه البعض في سياق الرهان،
تحول الى حقيقة، ولعله، بل هو كذلك، واحدة من
التسريبات التي حرص الاسد على جعلها مفردة من
مفردات الواقع السياسي العربي.
وعلى الجانب الاخر، فان كثرة من
التحليلات الاسرائيلية والتكهنات، كانت تدرج
ايضا استحالة اقدام الرئيس الاسد على التوصل
الى اتفاقية سلمية مع "اسرائيل". وذهب
كبار المحللين الاسرائيليين، مثل زئيف شيف
وعكيفا الدار، الى القول اكثر ممن مرة، ان
المنطقة لن تشهد "سلاما" في ظل استمرار
الاسد على رأس السلطة في سوريا، لا بل ان
العديد من زوار العاصمة السورية، نقلوا مشاهد
حزن وأسى عن وجوه المسؤولين السوريين عشية
الاعلان الدولي عن انطلاق عملية التسوية في
العام 1991. التفاوض
الممنوع
الكلام السابق الذكر، ينطوي على دلالتين:
الاولى يكتنفها القول بأن الاسد دخل رحلة
التفاوض مع "اسرائيل" جراء ثقل المرحلة
الاقليمية والدولية، التي قادت الى احتفالية
مدريد، والثانية تشي بامتلاك الرجل مفهوما
خاصا للتسوية، لا ينزع عن "اسرائيل" صفة
العدو، ولا يعترف بالتالي بشرعية وجودها،
ولسبر غور هاتين الدلالتين من الاهمية العودة
قليلا الى التاريخ.
يقول رئيس وزراء العدو الاسبق شمعون
بيريز "ان السوريين لو جاؤوا الى التسوية
في العام 1979 لكانوا حصلوا على ما حصل عليه
انور السادات". ان مثل هذا القول، يزخر
بالكثير من المعاني، فالرئيس الاسد خاض حرب
تشرين الاول في العام 1973، الى جانب الرئيس
المصري انور السادات، واذا كان تحول السادات
عن الدائرة السوفياتية نحو الدائرة
الاميركية، قد بدأ قبل الحرب المذكورة بقليل،
فان مصر، لم تكن قد حسمت أمركة سياستها بعد في
تلك الاونة. أي ان سوريا ومصر، ومع ملاحظة
الفروقات، كانتا مدرجتين في عداد الصداقة مع
الاتحاد السوفياتي، واذ طلع السادات آنذاك
بمقولته الشهيرة "ان 99 في المئة من اوراق
الحل هي بيد الولايات المتحدة"، وراحت
المنطقة تشهد الجولات المكوكية لوزير
الخارجية الاميركية الاسبق هنري كيسنجر، فان
اتجاه الامركة المصرية السريع، قاد القاهرة
الى مفاوضات الكيلو 101، ومن ثم مؤتمر جنيف
الذي كان للرئيس الاسد ملاحظات عليه، ثم الى
زيارة السادات للقدس المحتلة، واخيرا، الى
توقيع معاهدة كامب ديفيد في العام 1979، ودخول
مصر الاكيد في فلك السياسة الاميركية.
ومعنى هذه السردية، ان مصر التي خرجت من
المحور السوفياتي، تمت "مكافأتها" حسب
شمعون بيريز، بإعادة كامل اراضيها المحتلة في
العام 1967، وعليه، لو جاء الاسد الى هذه
التسوية وخرج في تلك الفترة من دائرة الصداقة
السوفياتية، وتخلى عن ندّيته وايمانه القومي
وصراعه مع "اسرائيل" لكان حصل على كامل
مرتفعات الجولان التي يطالب بها الان ..
في الواقع، ان سؤالين اثنين، يأتيان من
السردية السابقة، الاول، لماذا لم يذهب الاسد
انذاك الى التفاوض بالرغم من ان مصر الدولة
العربية الاكبر ذهبت الى التفاوض، والثاني،
هل كان الاسد يحصر صراعه مع "اسرائيل"
بالجولان فقط؟ بطبيعة الحال تتأحد الاجابة عن
هذين السؤالين، فالرئيس الاسد، لم يكن يحصر
العلاقة الصراعية بين سوريا و"اسرائيل"
استنادا الى احتلال الاخيرة لمرتفعات
الجولان، بل ان العلاقة تلك كانت نابعة من
رؤية عميقة لوظيفة "اسرائيل" الاقليمية،
وكونها حلقة متقدمة من حلقات الاستعمار
الغربي للمنطقة، ولذلك، فان التفاوض لا يكون
معها، بل مع مصادر قوتها، أي الغرب، كما ان
التفاوض المذكور لا يمكن ان يكون ثنائيا، أي
دولة عربية مقابل "اسرائيل"، بل اعتمادا
على جبهة عربية تقلص من مصادر القوة
الاسرائيلية، وتحول دون الاستفراد باي قطر
عربي. والاهم من ذلك ان رفض الاسد انذاك،
لعملية التفاوض المصرية ـ الاسرائيلية، قام
على اساس ان العرب ليسوا بحاجة الى سلام مع
"اسرائيل"، بل هي بحاجة الى سلام معهم،
وما دام ان هذه المعادلة لن تتغير، فان
التفاوض العربي ـ الاسرائيلي، يشكل عامل
تنازل من غير المطلوب من العرب ان يقدموه،
لذلك شكلت سوريا انذاك، ارضية ما عرف حينه،
بجبهة الصمود والتصدي، التي سعت الى عزل
تأثيرات التسوية المصرية ـ الاسرائيلية عن
العالم العربي، وتوسعت حركة الرئيس الاسد
باتجاه العراق في العام 1978، حيث اعلن عن تشكيل
ميثاق العمل القومي الذي جاء على خلفية زيارة
السادات الى القدس المحتلة، أي ان الاسد سعى
الى تعويض الجبهة المصرية بالجبهة الشرقية
وارضيتها سورية والعراق، واذ عقب ذلك اندلاع
شرارة الثورة الاسلامية في ايران فان طموح
الاسد، تركز على توفير العمق الاستراتيجي
للجبهة الشرقية من خلال المثلث السوري ـ
العراقي ـ الايراني، غير ان جنون صدام حسين
الذي ازاح الرئيس احمد حسن البكر وعمل على
اجهاض ميثاق العمل القومي، ومن ثم اوغل في
الممارسة الجنونية من خلال الحرب المفروضة
على الجمهورية الاسلامية، اطاح بقطف ثمار
الجبهة المذكورة.
وبالرغم من ذلك، استمر الفعل التفاوضي
بعيدا عن ذهنية الاسد، واذ جاء غزو لبنان في
العام 1982، ولاحقا اتفاق "17 ايار" ليزيد
من حدة الحصار المضروب على سوريا من اجل دفعها
الى التفاوض (لبنان ـ العراق ـ الاردن ـ تركيا)
فان حدة المرحلة وصعوبتها، لم تثنه عن ضرورة
التصدي لاخراج لبنان من المشروع الاسرائيلي
واسقاط اتفاق 17 ايار، وعودة لبنان الى
المشروع العربي. ظرفية
التفاوض
شكلت المتغيرات الدولية في بداية
التسعينيات، مفترقا تاريخيا حقيقيا، ارخى
ظلاله الحادة على اصقاع العالم قاطبة، فكان
سقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية
من الداخل، خسارة كبرى للظهير الدولي لسوريا،
وجاءت حرب الخليج الثانية لتعبر عن اتجاه
العالم نحو نظام احادي القطبية تقوده بشكل او
بآخر الولايات المتحدة الاميركية، واذ جاءت
دعوة الرئيس الاميركي جورج بوش لحل دولي
للصراع العربي ـ الاسرائيلي واستجابة
الاطراف العربية كافة لهذه الدعوة، لتزيد
الاثقال على سوريا، التي وجدت نفسها وحيدة في
محيط عربي ـ دولي، يضغط باتجاه التسوية مع "اسرائيل"،
ومن هنا جاءت المشاركة السورية في مؤتمر
مدريد، على الخلفيات التالية:
أ ـ غياب الحلفاء الدوليين.
ب ـ سقوط النظام الامني العربي.
ج ـ هزيمة العراق كأقوى قوة عسكرية عربية.
د ـ موافقة كل الاطراف العربية على
التسوية ومن ضمنهم منظمة التحرير الفلسطينية.
هل كان بمقدور الرئيس الاسد ان يجابه
العالم كله؟
بالتأكيد، لا، غير ان موافقته على مشاركة
بلاده في مداولات التفاوض تركزت على ارضية
صلبة، يمكن استخلاص التالي منها:
1ـ لعل الكثيرين ممن تابعوا احتفالية
مدريد، تأخذهم الذكرى، الى رفع وزير الخارجية
السورية فاروق الشرع لوثيقة بريطانية تظهر
ملاحقة السلطات البريطانية لرئيس الوزراء
الاسرائيلي اسحاق شامير بتهمة الارهاب،
عندما كان شابا في الاربعينيات.
هذه الوثيقة ان انطوت معانيها على شيء،
فانها تنطوي على حقيقة النظرة المستمرة
للرئيس الاسد الى "اسرائيل" باعتبارها
دولة ارهابية كل الارهاب بشهادة المجتمع
الدولي، وفي الواقع، ان متابعة الصحافة
السورية منذ العام 1991، أي منذ مؤتمر مدريد
لغاية الان، تظهر التعاطي السوري الاعلامي مع
"اسرائيل" انطلاقا من كونها ارهابية
النشأة والاستمرار، والمقصود من ذلك، ان نظرة
سوريا تجلاه "اسرائيل" لم يطرأ عليها أي
تبديل بالرغم من هجوم "السلام" وهجوم
التفاوض.
2ـ منذ الذهاب الى مؤتمر مدريد في العام 1991
وحتى اخر جولة تفاوضية بين الوفد السوري
والوفد الاسرائيلي في بداية العام الحالي لم
يحصل ان صافح السوريون المفاوضين
الاسرائيليين، فقد كان يدخل السوريون الى
قاعات التفاوض ويجلسون في الاماكن المخصصة
لهم من دون القاء التحية والمصافحة بالايدي،
وهذا يعني، ان نظرية الاسد لعملية التفاوض،
كانت ترتكز على ضرورة التفريق بين المصافحة
التي تعني سلاما واعترافا بالاخر، وبين
التفاوض بحد ذاته.
3 ـ ان الرئيس الاسد، لم يكن ينظر الى
التسوية مع "اسرائيل" باعتبارها مدخلا
تفاعليا على المستويات الايجابية بين
الشعوب، بمعنى انه لم يدخل في حسابات
التسوية، الزام السوريين بالتطبيع السياسي
والاقتصادي والثقافي مع "اسرائيل"، وله
في المجال المذكور، اقوال كثيرة منها "العلاقات
العادية"، ومنها "ان لا احد يستطيع الزام
الشعوب بالتطبيع"، ومنها "ان ثمة دولا
كثيرة لا حرب معها، ولا تدرج العلاقات معها في
سياقات الغرض التجاري او الثقافي او غيرها، و"اسرائيل"
لن تكون استثنائية في هذا المجال".
4ـ تأسيسا على ما ورد سابقا، يمكن استخلاص
ان النظرية التفاوضية عند الرئيس الاسد، كانت
تنهض على اعتبار التسوية (فيما لو تحققت)
تجميدا لالة الحرب في هذه المرحلة، ومن دون ان
يعني ذلك نهاية الصراع العربي ـ الاسرائيلي،
وفي عرف هذه المعادلة، ان الصراع سوف يستمر،
وان "اسرائيل" سوف تبقى في خانة العدو.
5ـ لم ينطلق الدخول السوري في عملية
التفاوض، او في عملية التسوية، من زاوية
الاعتراف بالاستقوائية الاسرائيلية، بل ان
الرئيس الاسد، جعل من معادلة "ان لا سلام من
دون سوريا" قوة حقيقية لبلاده، وبذلك
استطاع ان يصنع اوراق قوة حقيقية في ظل عدم
مواءمة الظرف الاقليمي والدولي، وقد اثبتت
هذه المعادلة نجاعتها من خلال فرملة الهرولة
العربية نحو "اسر ائيل"، وايقاف مشاريع
التطبيع الاقتصادية والسياسية بين العديد من
الاقطار العربية و"اسرائيل" ومن ضمنها
تونس، والجزائر، ودول خليجية ايضا، وكل ذلك
يدل على محورية الدور الذي كان يلعبه الرئيس
الراحل، وعلى حدة الحنكة التي كانت تجعل من
مواقع الضعف مواقع قوة.
6ـ من العوامل المركزية في عملية التفاوض
السورية ـ الاسرائيلية ان دمشق بقيادة الرئيس
الاسد، كانت العاصمة العربية الوحيدة، التي
لم يأخذها التفاوض بالشروط الاسرائيلية، بل
كان للرئيس الاسد شروطه ومفهومه القائم على
استحالة تقديم التنازلات لمنطق الشروط
الاسرائيلية، وعلى هذا اصر الرئيس الاسد على
ضرورة تطبيق القرارين الدوليين 242 و 338
بحذافيرهما، وطالما ان التسوية، قامت
بالاساس على مخلفات حرب العام 1967، ووفقا
للقرار الدولي ذي الصلة 242، فيعني ذلك انسحاب
7ـ ثمة مسألة فائقة الاهمية، في نظرية
التفاوض عند الرئيس الاسد، ومكمنها يقوم على
لا حصرية اهتمامه بالاراضي السورية المحتلة،
وهنا قد يكون من الاهمية العودة بالذاكرة
قليلا الى "حرب الوثائق" التي اندلعت بين
دمشق وتل ابيب عقب انهيار مفاوضات شيبرزدتاون
في بداية العام الحالي، ووفقا للوثيقة التي
نشرتها صحيفة "الحياة" (مقابلها وثيقة
نشرتها صحيفة هآرتس) تتضمن الشروط السورية
للتفاوض ما يلي: عودة الجولان بالكامل، عودة
الجنوب اللبناني بالكامل، حل مسالة اللاجئين
الفلسطينيين، توقيع "اسرائيل" على
معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية، وعودة
القدس الى السيادة العربية، الامر الذي يعني
شمولية الصراع التفاوضي مع "اسرائيل"
وبالتالي الصراع بحد ذاته، ذلك لان مسوّغات
قيام "اسرائيل" التاريخية والتوراتية
تجعل من القدس منطلقا، واذ يطالب الاسد
بالقدس، فانه يطالب بتفكيك "اسرائيل"
ذاتها.
8 ـ المسألة ما قبل الاخيرة التي قامت
عليها نظرية الاسد التفاوضية، تكمن في قناعة
الرئيس الاسد بأن قوة "اسرائيل" هي من
قوة الولايات المتحدة، ولذلك سعى الى مفاوضة
الادارة الاميركية، انما على قاعدة الند
للند، من هنا كانت لقاءاته مع الرئيس بيل
كلينتون في ارض محايدة (سويسرا) اللقاء الاول
تم في جنيف في العام 1994، واللقاء الثاني في
جنيف ايضا في 26 اذار الماضي، واللقاءان (ثمة
لقاء في دمشق العام 1995) لم يجعلا الرئيس الاسد
اقل ثباتا، بل ثبتا قاعدة التعاطي السوري مع
الاخر، الند للند او لا تسوية.
9 ـ المسألة الاخيرة التي لا يمكن القفز
فوقها، تتمثل في حرص الرئيس الراحل على نسف
تقليدية التفاوض الاسرائيلية، القائمة على
السرية، اذ هكذا فعلت "اسرائيل" في كامب
ديفيد مع مصر، وفي اوسلو مع ياسر عرفات وفي
وادي عربة مع الملك حسين، اما الاسد، فقال لا
للسرية، ويجب ان يكون كل شيء واضحا للشعب
السوري وللشعوب العربية، وهكذا رحل بوضوح وفي
عز النهار..لا ليل ولا خبايا.. ولا مستورات. توفيق
شومان
|