حزيران - الجمعة 16/06/2000


كيف ينظر الإسرائيليون إلى رحيل الأسد؟


كان من يعتبرون خبراء في الشؤون السورية، داخل كيان العدو، ينقسمون على انفسهم الى قسمين بشأن تقويم سياسة الرئيس السوري حافظ الاسد، الذي خبر شخصيا كوزير للدفاع وكرئيس للدولة حربي عامي 1967 و1973 مع الكيان الصهيوني، فالقسم الاول كان يرى ان الرئيس الراحل كان يرفض في قرارة نفسه القبول بحلول وسط مع "اسرائيل" بسبب ما يسمونه حمية الانتقام والاحساس بالكرامة المجروحة التي تعتمل في داخله، من منطلق تكوينه التربوي والثقافي كواحد من ابناء الشعب السوري، الذي يقدس الكبرياء الشخصية والوطنية ويدافع عنها بكل ما اوتي من قوة ومنطق، وخاصة ان مثل هذه الكبرياء، تتغذى من خلفية تاريخية واثقة وعميقة، ومن معين لا ينضب من القيم الدينية والرمزية.

      اما القسم الثاني فيرى ان الموقف السلبي للرئيس الراحل إنما ينبع من صدمة الواقع الذي يكاد لا يصدق، خاصة في اعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي وتلاشي الامل في تحقيق ما كان يتمنى تحقيقه من توازن استراتيجي مع العدو الصهيوني.

      وتتضاعف الصعوبة اكثر فأكثر لدى الاسرائيليين في تقويم مرحلة ما بعد رحيل الاسد بسبب انعدام اليقين لجهة ما ستؤول إليه الامور بعد الصدمة الكبرى التي غيرت الواقع حتما في سوريا والمنطقة، والجهل بما سيكون بوسع القيادة الجديدة لابنه بشار وما تفرضه من وقائع لم تكن قائمة نمن قبل. هذا مع العلم بأن قادة اليمين الاسرائيلي من امثال موشيه ارينز وإسحاق شامير وآرييل شارون وقادة الاحزاب اليمينية الدينية مثل حزب المفدال، كانوا ولا يزالون يدعون الى الحذر من التوصل الى اتفاقات مع الرئيس الراحل، وسواه، بذريعة انه لا يمكن الاعتماد على نظام حكم فردي معرض بطبيعته الى التغيرات الفجائية.

      الا ان جهات صهيونية اخرى مثل زعماء حزب العمل وأحزاب الوسط كانت ترى ان مثل هذا التعميم لقادة اليمين ليس صالحا بالضرورة لكل وضع، وكل ما يتعلق بالشرق الاوسط. ولطالما كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق رابين يكرر ويتباهى بالاستقرار القائم على الجبهة السورية منذ اتفاق فصل القوات عام 1974، وهذا يدل على امكانية الثقة والاعتماد على القواعد الفكرية السياسية التي يحملها زعماء عرب مثل الرئيس الراحل حافظ الاسد.

      من هذا المنطلق لا يرى الخبراء الاسرائيليون ضرورة للتسرع في اطلاق الاحكام المسبقة على واقع متغير، ولكن ليس بطريقة دراماتيكية انقلابية مثلما كان يحصل في العالم العربي في مطلع الخمسينيات.

      وثمن من يبني آمالا عريضة اكثر في هذا السياق من الاسرائيليين لاعتبارهم ان الجيل الجديد من القادة والزعماء العرب، يفترض به ان يكون "اكثر تحررا من القيود الايديولوجية والعوائق النفسية التي كانت راسخة لدى الجيل السابق". وفي كل الاحوال تبقى لدى المراقبين الاسرائيليين علامات استفهام كبرى حول ما يرونه، وحول ما سيظنونه ويفكرون به. ومهما يكن من امر فالرأي السائد الآن في "اسرائيل" هو ان الوريث الشرعي المتمثل في ابنه على خطى والده، وسوف يحاذر بشدة القيام بأي خطوات او "تنازلات" غير الذي قام به والده، وبالتالي فهو سيواصل تراث ابيه، بما فيه الصراع حتى النهاية على الامتار القليلة حول بحيرة طبريا.

      المرحلة الانتقالية بعد رحيل الرئيس الاسد هي في نظر الاسرائيليين اذن مرحلة عدم وضوح ومرحلة بداية ما يسميه الكاتب عوزي بنزيمان في صحيفة "هآرتس" بأنه "شرق اوسط جديد" قد تكون معالمه بدأت في سوريا مع حملة "الاكف النظيفة" التي شنها الدكتور بشار ضد الفساد من خلفية ثقافته العصرية، ما ادى الى اقالة عدد من كبار الموظفين في الدولة، طاولت عددا من الشخصيات العليا، الامر الذي قد يجلب عداوات جديدة وربما صدامات اجد.

      زئيف شيف، المعلق العسكري الاساسي في صحيفة "هارتس"، رأى ان العملية السلمية ستتجمد الى اجل غير مسمى، أما في ما يتعلق بالعلاقة السورية الاسرائيلية مع لبنان فيرى ان "وارث الاسد قد يخسر لبنان في حال تدهور الوضع، لقد كان الرئيس الاسد متصلبا في مواقفه، لكنه كان حذرا في خطواته، ولقد حاذر عموما الدخول في تحد مباشر مع "اسرائيل". ويتابع شيف قوله: "قد يكون وارثه متصلبا مثله، ولكنه اقل حذرا في تصرفاته. وقد يقترف اخطاء بسبب نقص تجربته، اخطاء قد تجعل من الصعب عليه احتفاظه بالسلطة".

      وقد تساءل امير اورن في صحيفة "هآرتس" ما الذي كان يمكن ان يحصل لو ان الاسد توفي قبل ثلاثة اسابيع؟ ويجيب: "كان من المفترض تنفيذ المخطط الاصلي للانسحاب من لبنان في 25 حزيران". وأوضح ان رئيس الوزراء ايهود يباراك اراد انهاء المسار السياسي لترتبيب موضوع "جيش لبنان الجنوبي" ثم الانتقال الى الجزء العسكري من الانسحاب، لكن قيادة الشمال ضغطت عليه ونصحت بعدم الانتظار. والقرار النهائي اتخذ يوم 22 ايار على الحدود اللبنانية في اجتماع ضم باراك وشاؤول موفاز وعوزي ديان وقائد المنطقة الشمالية ورؤساء اجهزة الاستخبارات". وأضاف الكاتب: "كانت النتيجة العسكرية للانسحاب بالاستناد الى احد ألوية رئاسة الاركان، زوال حاجز حزب الله بين اسرائيل وسوريا، بحيث باتت المسافة التي تفصلهما عن الحرب قصيرة. اما النتيجة السياسية فكانت أن باراك وجد نفسه في منحدر املس لا رجوع معه، فإذا كان يريد الحصول على الشرعية الدولية، فلا بد له من الخضوع لإملاءات الأمم المتحدة والانسحاب حتى "الشبر الاخير"، وبعد انتقادات وجهت الى الطريقة التي تجري فيها عملية ترسيم الحدود بين "اسرائيل" ولبنان، تحدث عن امكانات نجاح المفاوضات مع وريث الاسد إذا ثبّت حكمه من استعادة الجولان الى سوريا.

إحسان مرتضى