|
حزيران - الجمعة 16/06/2000 سوريا
ـ تركيا: |
|
شكلت
مشاركة الرئيس التركي احمد نجدت سيزر في
مراسم تشييع الرئيس السوري حافظ الاسد ولقاؤه
الدكتور بشار الاسد، اشارة قوية الى مسيرة
تحسن العلاقات بين البلدين بعد عقود من
السلبية والقطيعة، وقد اكد سيزر في مؤتمر
صحافي عقب عودته من دمشق: "اننا نتطلع الى
المرحلة الجديدة لمواصلة التعاون بين
البلدين وحل الخلافات بينهما". وبقدر ما
اعطت الزيارة انطباعا ايجابيا حول الافاق
المستقبلية للعلاقات السورية ـ التركية،
فإنها في الجوهر اثارت تساؤلات حول حقيقة
استعداد انقرة لفتح صفحة جديدة مع سوريا،
صفحة تعيد بناء العلاقات التركية مع سوريا
وباقي دول الجوار على اسس جديدة، انطلاقا من
حقائق التاريخ والجغرافيا والانتماء
والمصالح المشتركة، ولطالما كان ذلك مطلبا
لدول الجوار التركي.
وفي الواقع، قراءة الوقائع السياسية
والامنية والاقتصادية التي شهدتها العلاقات
السورية ـ التركية عقب اتفاق اضنة الامني بين
البلدين صيف عام 1998، يمكن القول ان هذه
العلاقات بدأت تشهد مسارا مختلفا، وقد ساهمت
المتغيرات الدولية والاقليمية وكذلك جملة
المتغيرات الداخلية الجارية في البلدين، في
دفع كل جانب الى اكتشاف الاخر من جديد وأهميته
في اعادة صياغة العلاقات والمفاهيم، بحثا عن
الدور الاقليمي والاستقرار بدلا من سياسة
التوتر والقطيعة والبعد الامني. وفي الواقع
انتهاج كل بلد ثقافة سياسية وأمنية مغايرة في
السابق لم يعد بمثابة جدار يحول دون تبلور
اولويات التعاون الاقتصادي والامني بين
البلدين، مع الاقرار بأن الخلافات المتعلقة
بالحدود والمياه تبدو شائكة وصعبة ومعقدة.
وتؤكد الزيارات الدورية المتبادلة لكبار
المسؤولين في البلدين منذ التوقيع على اتفاق
اضنة، وجود رغبة لدى الجانبين في ألا تتطور
المشكلات بينهما إلى نزاع، وعلى اهمية ايجاد
خيارات اقليمية مشتركة في المجالات الامنية
والاقتصادية، وقد ساهم في ترسيخ هذه الاجواء
عوامل عديدة اهمها:
ـ نزع ملف عبد الله اوجلان زعيم حزب
العمال الكردستاني، الذي كان بمثابة ملف دائم
التوتر في علاقات البلدين، وجاء اتفاق اضنة
في هذا الشأن بمثابة اعلان مبادئ لإعادة
ترتيب العلاقات بين البلدين من جديد.
ـ الزيارات المتبادلة بين وفود عالية
المستوى، التي اسفرت عن استئناف عمل اللجان
والهيئات المشتركة بعد توقف دام اثني عشر
عاما.
ـ الرغبة المتبادلة لدى كل جانب في
الاستفادة من الاخر، فسوريا بحاجة للتوصل الى
اتفاق مع تركيا بشأن مياه الفرات ودجلة
لأسباب تتعلق بالمشاريع المائية والزراعية
والاقتصادية والتنمية، فضلا عن انها لا تتمنى
ان تصبح جارتها الشمالية حليفا مواليا لـ"اسرائيل"
في صراعها معها، في حين تركيا بحاجة ماسة الى
سوريا نظرا لموقعها الهام بالنسبة لحركة
الاقتصاد التركي وتحديدا في مجال تجارة
الترانزيت الى دول الخليج والاردن، حيث بلغ
عدد السيارات التركية الشاحنة التي تعمل في
هذه التجارة عبر سوريا 24 ألف سيارة، كما ان
حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 1999 بلغ
نحو 600 مليون دولار. وحسب الاتفاقات التي
وقعتها اللجنة السورية ـ التركية المشتركة
اخيرا في دمشق، من المقرر ان يصل حجم التبادل
التجاري بينهما الى نحو مليار دولار سنويا،
عدا ان تركيا بدأت تعتقد بأن اقامة علاقات
سياسية مستقرة مع العرب في الخليج ومصر ينبغي
ان تشمل البعد السياسي السوري.
في موازاة هذه المعطيات والمؤشرات
الايجابية، هناك عوامل داخلية في كل بلد بدأت
تلعب دورا مهما في دفع كل جانب الى اكتشاف
اهمية الاخر، فاستلام احمد نجدت سيزر منصب
الرئاسة في تركيا، وهو المحامي الذي لا ينتمي
الى الاحزاب التركية على اختلاف مشاربها ولا
الى الجيش ايضا، وكذلك التغيرات الاقتصادية
والقانونية والسياسية الهادئة التي تشهدها
سوريا في ظل حركة تطهير كبيرة ضد المتورطين في
قضايا الفساد واستغلال المناصب مع استحقاقات
سياسية ودستورية، تشير الى استلام الدكتور
بشار الاسد منصب الرئاسة، كلها عوامل تتضافر
في اطار المراجعة والبناء، في حين على الجانب
التركي بدأت تظهر الى السطح ملامح البحث عن
خيارات اكثر ايجابية لعلاقة الجيش بالسلطة
والمجتمع. وقد تزامنت هذه المتغيرات الداخلية
مع رغبة لدى البلدين في البحث عن ارضية مشتركة
لحل خلافاتهما المتعلقة بالمياه والحدود
وقطع الطريق امام المحاولات الخارجية ("اسرائيل"
والولايات المتحدة) للتحكم بالملفات العالقة
بين البلدين وتأطيرها في اطر محددة تخدم
الدوافع السياسية لهذه الجهات الخارجية. ولعل
المحاولات الاميركية ـ الاسرائيلية الهادفة
الى اشراك تركيا في مفاوضات التسوية السورية
ـ الاسرائيلية تندرج في هذا الاطار على نحو
دفع تركيا الى التوصل الى اتفاق بشأن المياه
مع سوريا لمصلحة الشروط الاسرائيلية بشأن
الجولان السوري المحتل.
وعليه يمكن القول ان التقارب السوري ـ
التركي الاخير يأتي ردا غير مباشر على
الدوافع الاقليمية السياسية الاسرائيلية
التي اضرت كثيرا بعلاقات تركيا التاريخية مع
دول الجوار الجغرافي، مع الاقرار بأن تركيا،
على خلفية علاقة مؤسستها العسكرية مع اسرائيل
والولايات المتحدة، تبدو اسيرة للبعد الغربي
في سياستها حيال دول الجوار. ومع قبول ترشيح
تركيا في عضوية الاتحاد الاوروبي، تحاول
انقرة خلق نوع من التوازن في علاقاتها
الغربية، أي بين اوروبا من جهة و"اسرائيل"
والولايات المتحدة من جهة ثانية، مع العمل
لانتصار خيارها الاوروبي في النهاية. لذلك
يمكن القول ان التوجه التركي الاخير نحو بناء
مصالح متوافقة مع دول الجوار ومنها سوريا،
يندرج في اطار تطلعها التاريخي الى القيام
بدور جيوسياسي ـ استراتيجي سياسي ثقافي بين
الدائرة الاوروبية والدائرة الحضارية
الاسلامية، وانطلاقا من بحثها عن دور اقليمي
لها في المنطقة.
في ضوء المتغيرات الحاصلة بين البلدين
والمقدمات والمعطيات التي تترسخ يوما بعد
آخر، يمكن القول ان هناك ملامح اولية لصفحة
جديدة بين البلدين، مع الاقرار بوجود مشاكل
كبيرة وشائكة تنتظر البلدين في كل خطوة. خورشيد
دلي
|