حزيران - الجمعة 16/06/2000


القيادة الجديدة في دمشق وضوابط العلاقة مع القاهرة


اثار رحيل الرئيس السوري حافظ الاسد تساؤلات عدة في اوساط المراقبين حول مستقبل العلاقات المصرية ـ السورية التي شهدت من قبل بعض الفتور، وهل كانت خصوصية العلاقة بين الرئيس مبارك والرئيس الاسد هي التي وقفت وراء التنسيق والتعاون بين القاهرة ودمشق؟ وكيف ستكون في ظل التفاوت الجيلي بين القيادتين في القاهرة ودمشق؟ وعزز هذه التساؤلات، تساؤلات سابقة حول عدم زيارة الدكتور بشار القاهرة اثناء جولاته العربية في وجود والده؟

      ثمة من يعتبر ان الحديث عن مخاوف القاهرة حول الوضع بسوريا كان طبيعيا، وهو امر طرحه الجميع منذ اللحظة الاولى، ولكنه اكثر اهمية بالنسبة الى القاهرة من جهتين: الاولى خصوصية العلاقة مع دمشق كشريك استراتيجي بالمشرق، والثانية القلق المشروع الذي تغذيه الذاكرة التاريخية المعاصرة حول خطورة تفجير الصراع على السلطة في دمشق لكل الاوضاع السياسية والاجتماعية، ومن ثم إنهاك سوريا وإلهائها عن دورها المحوري في المشرق العربي، وخاصة ان احد ابرز انجازات الرئيس الراحل الذي نوهت اليه الصحف وأجهزة الاعلام المصرية كثيرا، هو تحقيقه الاستقرار في سوريا بعد ان شهدت عقب الاستقلال سلسلة من الانقلابات المتتابعة والمتقاطعة في آن واحد. ومن هنا جاءت تصريحات الرئيس مبارك منذ اللحظة الأولى تحمل هذا القلق وذلك التمني بسيادة "الامن والامان لسوريا باعتبارها دولة محورية وعلاقتها بمصر قوية ومتينة، وخاصة في عملية السلام".

      اما الجدل حول عدم زيارة الدكتور بشار للقاهرة من قبل واحتمالات استيائه ـ كما يردد بعض المراقبين ـ من استقبال القاهرة سابقا لنجل عمه رفعت الاسد ولقائه مع كبار المسؤولين، فإنه ـ أي الجدل ـ يغفل امرين: الاول ان الاستقبال تم في ظل حكم الرئيس الاسد، وكان من الاجدى ان يعترض الاب لا الابن، وأن يقاطع هو زيارة القاهرة، الامر الذي تنفيه الوقائع والزيارة الاخيرة للراحل لمصر. والثاني ان زيارات الدكتور بشار لم تشمل كل الدول، لان الهدف من ورائها كما اراد الرئيس الراحل هو الاستكشاف وتدريب ملكات الابن لا الحصر والاحصاء لكل العلاقات والملفات، خاصة ان العلاقة مع القاهرة الى جانب تاريخيتها وأبعادها الاستراتيجية، اتسمت بطبيعة العلاقة الحميمة بين الاسد ومبارك التي تمتد الى سنوات الوحدة المصرية السورية ورفقة السلاح وحرب تشرين، كما اعلن مبارك وأشارت إليه اجهزة الاعلام المصرية.

      هنا تقفز الاسئلة او المخاوف التي طرحها البعض: هل يعني هذا اختلاف العلاقات بين القاهرة ودمشق بعد رحيل رفيق السلاح من ناحية؟ وفي ظل اختلاف جيلي بين مبارك وبشار من ناحية اخرى؟ الاجابة البديهية ان العلاقات بين البلدين تحكمها ثوابت استراتيجية وأمنية سوف نشير اليها في موقع اخر، لكن الامر لن يخلو من اختلافات في الدرجة واللون بسبب الغياب المفاجئ للرئيس الاسد الذي وضع بصمة خاصة مع للرئيس مبارك في تطوير العلاقات بين البلدين، وفي تنسيق المواقف والتأثير في الاحداث العربية والاقليمية.

      وقضية الاختلاف الجيلي اجاب عنها الدكتور مصطفى الفقي مساعد وزير الخارجية وصاحب الدراسات الفكرية والقومية بقوله: "ان الرئيس مبارك سوف يتعامل مع الدكتور بشار بندية وبأبوية في وقت واحد".. بندية أي كرئيس دولة مثله له من الاحترام والتقدير ما تم التعارف عليه في البروتوكولات الديبلوماسية والاخوة العربية، وبأبوية أي كابن له يقف الى جانبه، ويشد ازره ويسدي إليه النصيحة كما كان يفعل والده، وقد فعل ذلك من قبل مع الملك عبد الله، ويبدو ان هذا النهج البراغماتي الرسمي والانساني الذي يشير إليه الدكتور الفقي قد يسد فجوة الحوار والتواصل الناجمة عن الهوة العمرية بين الرئيسين من ناحية، ويفتح الطريق امام امكانية استمرار العلاقات بنفس الدرجة واللون السابقين، خاصة في ظل الثوابت الاستراتيجية والسياسية بين البلدين.

      ان العلاقة بين مصر وسوريا ستظل تحكمها الثوابت الاستراتيجية، ولكن المتغيرات السياسية تدخلت في مراحل عدة لتعطيل آثار تلك الثوابت او حصارها، ومن هنا كانت الضوابط المرحلية تلعب دورها الايجابي في فك الحصار والتفعيل في مواجهة التعطيل. وفي اطار هذا الفهم يمكننا ان نستقرئ مسار العلاقة في الفترة المقبلة على النحو التالي:

      1ـ ان امن مصر ارتبط عبر التاريخ بأمن سوريا، وهو ما ادركه الصليبيون الاوائل والمعاصرون، وهو ما جعل المعارك الفاصلة في تاريخ مصر فوق ارض الشام ـ خط الدفاع الاول ـ وجعل الشام دوماً في غمار المعارك المنقذة للعروبة على حد قول عبد الكريم زهور، وجعل الوحدة الاستراتيجية بين الشام ومصر ضرورة جغرافية وحياتية على حد تعبير د. جمال حمدان.

      2 ـ ان امن سوريا كمركز الثقل والناظم للشام من ناحية، وكمجتمع يضم بين جنباته تعددا طائفيا ودينيا من ناحية اخرى، لا يمكن ان يتحقق بالانكفاء الاقليمي، وإلا تعرض لتفجر الخلافات والانقسامات، ومن ثم يرتبط ارتباطا وثيقا بالمشروع الوحدوي، ومدخله الى الجناح الافريقي في المشروع العربي لا يمر الا عبر مصر، وهو ما اكدته وقائع التاريخ وأحداث الحرب والسلام عبر العصور.

      3ـ اذا كانت المرحلة لا تسمح بالوحدة ـ كما هو الامر منذ الانفصال ـ فلا ينبغي الصدام والقطيعة، ولا اقل من التنسيق والتعاون الكاملين، فالابتعاد او الانكفاء خطر على امن البلدين. ومن هنا ندرك سر قلق القاهرة المبكر وطبيعة تشكيل الوفد المصري المرافق للرئيس مبارك الذي ضم الوزارات السيادية الى جانب المسؤول عن الاستخبارات.

      4ـ اذا كانت المخاوف او الاحتمالات المتوقعة تشير الى انكفاء القيادة السورية الجديدة لحسم الملفات داخليا كالفساد والحريات وترتيب اوضاع السلطة، فإن القاهرة، وهي تخشى من مخاطر الانكفاء سورياً ومصرياً، يمكنها التفاعل والمشاركة على المحور الاقتصادي كأحد ابرز الملفات الداخلية الملقاة على عاتق القيادة الجديدة، سواء من خلال نقل الخبرة والتجربة على صعيد الخصخصة او الانفتاح، او من خلال تطوير مسار التعاون الاقتصادي المشترك والمناداة بالسوق العربية المشتركة.

      5 ـ اذا كان التأييد العربي للقيادة الجديدة ضرورة سياسية واقتصادية في المرحلة المقبلة، فإن مجموعة اعلان دمشق لها موقعها الهام في هذا المجال، وإذا كانت مصر تلعب دورا مركزيا الى جانب دمشق في هذه المجموعة، فإنهما يشكلان معا محورا ثالثهما السعودية يمكن من خلاله تنشيط العلاقات وتدعيم سوريا وتعويض الانكفاء المؤقت.

      6ـ قد تحاول القاهرة اذابة جبل الجليد بين عرفات وسوريا معتمدة في ذلك على غياب أي تراكم سلبي وشخصي بينه وبين الدكتور بشار، كما حدث مع الاردن بعد غياب الملك حسين، ولكن الامر قد يختلف وقد لا يجد استحسانا من الدكتور بشار الأسد، وهو ما سينعكس بالسلب على العلاقات المصرية ـ السورية.

      7ـ اما على محور عملية التسوية، فإن المسألة باتت مؤجلة لما بعد الانتخابات الاميركية. ومن ثم الضغوط المتوقعة ما زال امامها فسحة من الوقت. وفي ما عدا المناورات والضغوط الاسرائيلية التي ستقف مصر بحسم حيالها، فإن ضغوط التسوية عند حلول استحقاقها سوف تكون لها آثارها سلبا او ايجابا على العلاقة بقدر اقتراب القاهرة او ابتعادها عن المشاركة في تلك الضغوط، وبقدر استجابة دمشق لذلك القرب او البعد.

      واخيرا، فإن التوقعات التفصيلية سوف تحكمها التغييرات التي ستحدث في دمشق خلال فترة اعادة ترتيب البيت من الداخل، وباستثناء المفاجآت فإن الايقاع العام لمسار العلاقات المصرية ـ السورية سوف يستمر كما هو عليه، مع اختلافات بسيطة في الدرجة واللون.

مجدي رياض