|
حزيران - الجمعة 16/06/2000
|
|
اثار
رحيل الرئيس السوري حافظ الأسد المفاجئ
تساؤلات شتى عن مستقبل الساحة الداخلية
لسوريا، ومستقبل العلاقات والتحالفات
الخارجية، على الصعيدين الاقليمي والدولي،
ومستقبل عملية "السلام" في منطقة الشرق
الاوسط.
ولعل من الطبيعي
ان تكون حصة ايران من تلك التساؤلات كبيرة،
ارتباطا بجملة حقائق تبلورت خلال اكثر من
عشرين عاما، حيث كانت تلك الحقائق كافية لأن
تصوغ بعضا من معالم وملامح الخريطة السياسية
للمنطقة، وتحدد جانبا من تفاعلاتها
وتداعياتها.
وبقدر ما تبدو
التساؤلات عن آفاق العلاقات الايرانية ـ
السورية لمرحلة ما بعد الاسد واقعية، فإنها
في ذات الوقت ملحة، سواء ارتبطت بالواقع
السياسي للبلدين، او بالواقع السياسي بإطاره
العام الشامل في كيان اقليمي تتداخل وتتشابك
فيه الكثير من الخيوط والخطوط، وتختلط فيه
الاوراق الى حد كبير، لا في ظروف الحرب فحسب،
بل في حالات السلم كذلك.
وبصرف النظر عما
تحمله تلك التساؤلات بين طياتها من مؤشرات
للتفاؤل او التشاؤم فإنها في كل الاحوال تبقى
معلقة، ولا بد من العودة الى الوراء قليلا
لنرى على ماذا تأسست العلاقات بين طهران
ودمشق؟ وما الذي يمكن ان يضمن استمرارها
وتواصلها وتعزيزها الى الامام؟
هناك في مسيرة العلاقات بين العاصمتين
خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات جوانب
مهمة لا يمكن لأي مراقب محايد وموضوعي الا ان
يشير إليها ويتعامل معها بشيء من الاهتمام من
قبيل:
ـ ان دمشق كانت
السباقة الى تأييد ومساندة الثورة الاسلامية
في ايران بقيادة الامام الخميني (رض) منذ وقت
مبكر من انتصارها التاريخي الذي افضى الى
اسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي.
ـ وكانت الوحيدة ـ
تقريبا ـ التي وقفت الى جانب الثورة حينما
اندلعت الحرب العراقية ـ الايرانية، ولم تكن
على استعداد للانسياق وراء خطاب قومي ـ عربي ـ
بدا مشوها ومزيفا ومحكوما باعتبارات ومصالح
سياسية دولية راح كثير من العرب يصوغون
مواقفهم على أساسه.
في ذات الوقت
فإنها ـ أي دمشق ـ في ظل الرئيس حافظ الاسد ظلت
تحتفظ بدورها القومي ومكانتها في الساحتين
العربية والاسلامية.
ـ وبينما كانت
مسيرة التسوية العربية مع "اسرائيل"
تتحرك باتجاهات خطيرة في بعض المسارات، فإنها
كانت مختلفة تماما بالنسبة للمسار السوري،
ولم يكن منطق التنازلات واردا لدى صناع
القرار السياسي في دمشق.
وهذا التوجه ـ
التصور، كان قريبا جدا ـ إن لم يكن مطابقا
بالكامل ـ لتوجه وتصور الجمهورية الاسلامية
في ايران ، مع تأكيد الاخيرة في اكثر من
مناسبة على لسان كبار سياسييها انها لا تعارض
أي خطوات تصب في نهاية المطاف في مصلحة دمشق،
وتؤدي الى استعادتها لحقوقها المغتصبة من
المكيان الصهيوني.
ـ وفي الوقت الذي
كانت تبرز فيه وتتبلور تحالفات عسكرية ـ
استراتيجية خطيرة في المنطقة من قبيل تحالف
انقرة ـ تل ابيب المدعوم من قبل الولايات
المتحدة الاميركية كانت دمشق تجد نفسها بحكم
واقع متغير مشدود الى طهران وقريبة منها،
والاخيرة بدورها ترى ان المحافظة على ميزان
القوى الاقليمي يجعل من تمتين وتعزيز
العلاقات مع دمشق خيارا لا بد منه. واكثر من
ذلك فإنه ضرورة استراتيجية تخدم اطرافا
اقليمية عديدة بدرجات متفاوتة، حتى تلك التي
اقامت علاقات دبلوماسية مع "اسرائيل"
وتحتفظ بمستوى لا بأس به من العلاقات مع تركيا.
كل هذه الجوانب
التي طبعت مسيرة العلاقات بين طهران ودمشق
طيلة الحقبة الزمنية الماضية مثلت الاسس
والمرتكزات الاساسية لتلك العلاقات، وعليها
شيدت صروح عالية ومحكمة يبدو من الصعب هدمها
وتقويضها تحت اي ظرف او في ظل أي متغيرات.
بعبارة اخرى، ان
رحيل الرئيس الاسد لن يؤدي في أي حال من
الاحوال الى تعديل الاستراتيجيات، او تغيير
الاولويات، مثلما لم يؤدّ رحيل الامام
الخميني (رض) قبل احد عشر عاما الى أي تعديل في
الاستراتيجيات، او تغيير في الاولويات، وحتى
إن الذين عوّلوا على رحيله اكتشفوا بعد فترة
من الزمن ان تحليلاتهم واستنتاجاتهم كانت
مجانبة للصواب كثيرا.
وبالنسبة لسوريا
بعد رحيل الاسد يقول بعض المتابعين ـ في طهران
ـ لمجريات الامور "ان بعض الدوائر المشبوهة
في الغرب وبعض المتربصين يحاولون إلقاء بعض
الشبهات حول مستقبل هذا البلد وأوضاعه وقضية
السلام في المنطقة وتعامله مع الكيان
الصهيوني، وكذلك قدرة القيادة الجديدة على
اجتياز هذه المرحلة، فهذه المحاولات الخبيثة
تريد النيل من الارادة السورية الصلبة لتليين
مواقفها امام المطالب الصهيونية وتقديم
المزيد من التنازلات".
ويضيف هؤلاء
المتابعين "غير ان اكثر العارفين بالشأن
السوري يجزمون بأن القيادة الجديدة التي
تتمثل اليوم بالفريق بشار الاسد لن تحيد عن
النهج الاسدي لاستحقاقات المرحلة الراهنة
والتركة التي خلفها الرئيس الراحل".
وأكثر من ذلك فإن
هناك من يرى ان زيارة بشار الاسد لطهران التي
لم يكتب لها أن تتم، ستتحقق مستقبلا بصورة
أخرى، ومن المرجح ان طهران ستكون من المحطات
الاولى "للاسد الثاني" بعد استلامه زمام
الامور، وهذا بالطبع يعني اشياء كثيرة وكبيرة
ومهمة.
ولكن الحسابات
بواقعية باطار اشمل واوسع والمستندة الى
معطيات موضوعية وعملية ترتبط بالماضي،
وتلامس الحاضر، تؤكد ان القيادة السورية
الجديدة لن تبحث عن اساليب ومناهج مغايرة ـ
بالنسبة للثوابت ـ في التعاطي مع ملفات
السياسة الخارجية، وتحديدا ملفين، الاول
علاقتها مع طهران، والثاني موقفها من عملية
التسوية الشرق اوسطية، ودون شك فان الملفات
الاخرى ستكون محكومة ـ او مرتبطة ـ بالعلاقة
مع طهران، والموقف من عملية التسوية. وعليه فان سوريا بعد رحيل الاسد لن تختلف عن سوريا ما قبل الرحيل، وهي تتعامل مع افضل واكبر حليف استراتيجي لها في الشرق الاوسط، أي ايران. |