حزيران - الجمعة 16/06/2000


الرئيس الراحل وسوريا ما بعد الاسد في المنظور الغربي


نظرة الغرب، والولايات المتحدة تحديدا الى الرئيس الاسد، وما مثله من قضايا وقيم في حياته لم تختلف عن نظرته اليه، والى تلك القضايا والقيم بعد وفاته. نظرة تراوحت، في الموقف وفي الخطاب، بين ما يمكن وصفه بايجابية ما، وبين ما يمكن وصفه بالسلبية المعهودة المميزة لمواقف الغرب التقليدي بما هو وريث الاستعمار والساعي ـ من خلال القطبية الواحدة والعولمة ـ الى بسط اشكال نفوذه الجديد، بالتوازي مع اعادة رسم خريطة المنطقة بالاشكال الاكثر تناسبا مع التطلعات الاسرائيلية.

      وبالطبع، لا يسع المراقب العربي الا ان يثمّن عبارات التقدير التي تواترت على ألسنة العديد من المسؤولين الغربيين لتثني على المزايا الشخصية للرئيس الراحل، ولتركز على قدراته القيادية الفردية وعلى صلابته وحكمته في التعامل مع التحديات التي واجهت سوريا على امتداد العقود الثلاثة الاخيرة.

      ولكن الايجابية في الموقف بلغت مداها الاقصى مع بادرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك حيث كان الرئيس الغربي الوحيد الذي مثّل بلاده في تقديم العزاء والمشاركة في مراسم الدفن، فيما اكتفت جميع البلدلان الغربية الاخرى بتمثيل على مستوى وزراء الخارجية. واذا كانت هذه البادرة قد جاءت امتدادا لطبيعة المواقف الفرنسية تجاه القضايا العربية كما تجلت في سياسات شارل ديغول، وحتى في سياسات بعض الاشتراكيين من امثال جان بيار شوفتمان، فإن الوجه الفرنسي الاخر الذي اظهر عداءه المكشوف مؤخرا مع تصريحات رئيس الوزراء ليونيل جوسبان في جامعة بيرزيت، ثم مع تصريحاته التي اعرب فيها عن امله بحدوث صراعات داخلية على السلطة في سوريا، قد عاد واطل من جديد، وان بشكل اقل سفورا، مع تصريحات هوبير فيدرين التي قال فيها ان الغموض يسيطر على مستقبل سوريا.

      اما الموقف الاميركي فلم يأت بخلاف المتوقع حيث جاء قرار الرئيس كلينتون بعدم المشاركة في التشييع ـ اسوة بما فعله مؤخرا في الرباط وعمان ـ ليعبر عن موقف العداء التقليدي الذي لم تخفف منه بعض عبارات الاسى التي اطلقها كل من الرئيس ووزيرة خارجيته مادلين اولبرايت. واذا كان مجمل المواقف والتصريحات الاميركية الرسمية قد التزم، على العموم، بالحد الادنى من اللياقة التي يفرضها الاعتبار الديبلوماسي فان اميركا لم تعفّ، رغم ما تمليه حرمة الموت، عن اظهار عدائيتها العميقة بالاشكال الاكثر سفورا وبدائية، وذلك من خلال الاجهزة الاعلامية التي تظل، في نهاية المطاف، الاكثر تعبيرا عن حقيقة التوجهات والنيات، والاكثر قدرة على التأليب والحشد.

      فالقناة التلفزيونية الاميركية الواسعة السطوة "سي.ان.ان" استضافت وزير الخارجية الاميركية الاسبق هنري كيسنجر الذي ابى الا ان يضيف عناصر جديدة الى سجله الحافل بما قدمه لـ"اسرائيل" من خدمات، وبما اقترفه بحق قضية العرب من اساءات، فقد حرص كيسنجر على اظهار ما يشبه التشفي بالرئيس الراحل من خلال التلاعب اللفظي على موقفه المبدئي الرافض لتوقيع السلام مع "اسرائيل" وانضمامه، بعد ذلك، الى مفاوضات السلام لاعتبارات اطلق عليها كيسنجر اسم "العملية" متجاهلا الفرق الجوهري بين مفهوم السلام العادل والشامل الذي جعله الرئيس الاسد خيارا "استراتيجيا" لسوريا، ومفهوم السلام الذي ارادته "اسرائيل" على الدوام، سلاما استسلاميا. وقد اعترف كيسنجر ضمنا بهذا الواقع عندما اشار، من موقع الانتقاد، الى ان الرئيس الاسد لم يكن ينظر الى الامور على طريقة السادات، أي على الطريقة "الصحيحة" والمثلى من وجهتي النظر الاميركية و الاسرائيلية. وحتى عندما وصف كيسنجر الرئيس الاسد بأنه كان ذكيا جدا ومفاوضا صلبا يتمتع بصبر لا متناه، فانه لم يفعل ذلك الا من باب التشديد على ما يعتبره "سلبيا" فيه بالمقارنة مع صفات الغباء والليونة والارتخاء التي ميزت المرغوب فيه اميركيا واسرائيليا في سلوكيات الهروع العربي نحو التفاوض الاستسلامي. وعلى المنوال ذاته، اسرف كيسنجر في الابتذال عندما اطلق صفة "الهوس" الشخصي على تمسك الرئيس الاسد بحق سوريا الكامل في استعادة الجولان، كما كان اكثر اسرافا وابتذالا عندما نفث كلاما مفاده ان الفريق بشار الاسد قد تكون له اولويات اخرى (غير الجولان) للخروج بسوريا مما اسماه بـ"اللينينية" ولادخال اقتصادها ـ الذي وصفه على طريقة زميله شيمون بيريز العنصرية الاستعلائية ـ بـ"متخلف" و"المنعزل" الى عصر الانترنت.

      ومن جهتها، لم تتورع صحيفة "الواشنطن بوست" عن الامعان في الصفاقة عندما كتبت في افتتاحيتها ان وفاة الرئيس الاسد ترفع عائقا امام السلام في الشرق الاوسط.. وأنه سيكون من الصعب على المؤرخين العثور على شيء ايجابي يكتبونه عن الاسد لتشدده وعدائه لـ"اسرائيل" ودعمه للارهاب. وهذا، لعمر الله سيكون ممكنا تماما فيما لو افلح الاميركيون واولو امرهم الصهاينة في اتمام مشاريعهم التي بلغت شأوا بعيدا في تسميم الوعي البشري واتراعه بالحقائق المقلوبة عن شؤون الماضي والحاضر والمستقبل. وبالصفاقة ذاتها، لم تخف "الواشنطن بوست" اعتمادها الكامل لمنهجية الدجل والكذب المكشوفين عندما قررت في نهاية افتتاحيتها ان الامر كان يمكن ان يكون ايجابيا لو ان الاسد وقّع اتفاق سلام مع "اسرائيل" ما يعني ان المؤرخين سيعثرون عندها للرئيس الاسد على ما لا يحصى من "ايجابيات" شبيهة بإيجابيات اولئك الذين تزينوا بفضائل الاستسلام.

      اما ثالثة الاثافي، فقد وضعتها صحيفة "نيويورك تايمز" التي لم تتورع عن التهويش بوصف الرئيس الراحل بـ"الديكتاتور" مع تضمينها المعاني السلبية التي تخصص الاعلام في استخدامها لتجييش غرائز الجماهير الغربية، ولا سيما من خلال التركيز على ما اسمته بـ"القوة الهائلة" التي توافرت عليها سوريا في ظل قيادة الرئيس الاسد. ولا يخفى ان مثل هذا الخطاب يتسم بالكثير من الخطورة لاندراجه في سياق (البرو باغندا) الدعاية الصهيونية التي تحاول اظهار "اسرائيل" بمظهر الحمل الصغير والضعيف في مواجهة المحيط الجغرافي والبشري العربي المحدق بها من كل جانب. وهذه "البرو باغندا" سبق لها واثبتت ناجعيتها في كسب تأييد الشارع الاميركي لمعظم اعمال العدوان التي حفل بها تاريخ الولايات المتحدة، وخصوصا في حرب الخليج الثانية، حيث تم تصوير العراق على انه يمتلك ثالث قوة تدميرية في العالم. ويكمن وجه التهويش الاعلامي المعبر عن عمق التوجهات الاميركية العدوانية في ما تضمنته مقالة "النيويورك تايمز" من اشارات الى خليفة الرئيس الراحل، الفريق بشار الاسد، الذي وصفته ـ بالمنطق الابتذالي المعهود ـ بأنه يحمل "ثقافة سياسية محدودة"، وحاولت الفت من عضده بالحديث، رغم الانتقال الهادئ للسلطة، عما اسمته بـ"مكائد دمشق المعقدة"، لتخلص الى ما يشبه المطالبة، بلهجة الترهيب والترغيب، بتغيير سياسة المواجهة المكلفة، حسب تعبيرها، والشروع في دمج سوريا في عالم القرن الحادي والعشرين.

      وبكلمة اخرى، يمكن القول ان الغرب، والغرب الاميركي تحديدا، ممثلا بمسؤوليه السياسيين وبأجهزة اعلامه الصهيونية، قد اسبغ على الرئيس الراحل وعلى خليفته وعلى سوريا شيئا من الثناء التملقي، ولوّح بعبارات واعدة بالشراكة المشروطة بالتراجع عن خيار السلام العادل والشامل كما اقره الرئيس الاسد للانخراط، بدلا من ذلك، في صيغة السلام المطلوب اسرائيليا. والواضح ان التحليل المفضي الى مثل هذا الرهان لا يرتكز على غير مفاهيم القوة بالمعنى الاميركي ـ الاسرائيلي، وهو تحليل نقطة ضعفه الوحيدة هي في تقليصية فهمه لمفهوم القوة.

د. عقيل الشيخ حسين