حزيران - الجمعة 19/06/2000


فيما تظل الهواجس الإسرائيلية تسلك خطا تصاعديا رغم تطورات المنطقة:
استعجال دولي للتخفيف من مخاوف العدو.. ومحاصرة الانتصار اللبناني


يتطلع العدو الصهيوني ـ في هذه الايام ـ الى الوضع في الجنوب، في اعقاب هروبه الاخير وانسحابه من لبنان.. من خلال زاويتين تشكلان الاهتمام الصهيوني الابرز في هذه المرحلة، حيث تتركز الاولى حول مسألة ترسيم الحدود التي تجريها الأمم المتحدة وتتمحور المسألة الثانية حول ما يسميه العدو "تأمين الامن والاستقرار" في المنطقة المحررة مع ما يعنيه ذلك من الاطمئنان الى ان المقاومة لن تلاحق قوات الاحتلال الى داخل فلسطين المحتلة.

      ومن الواضح ان المواقف الصهيونية الاولى التي صدرت في اعقاب وفاة الرئيس الاسد، حاولت ان تشير الى اهمية استقرار الوضع على ما هو عليه، وعدم حدوث تطورات امنية تفضي في النهاية الى مضاعفات داخل كيان العدو، الامر الذي ينعكس سلبا على حكومة باراك، التي تحاول ان توازن بين المفاجأة التي احدثها هذا الحدث على الصعيد الاستراتيجي في المنطقة، وبين التطورات الميدانية التي يخشى العدو ان تخرج عن دائرة السيطرة وخاصة على الجبهتين السورية واللبنانية.

من رسائل العدو

      ويلاحظ في هذا السياق ان العدو حاول ان يبعث برسائل سريعة تأخذ بعين الاعتبار البعدين الاستراتيجي والتكتيكي معا، فأشار الى "شرق اوسط جديد بعد رحيل الاسد" محاولا تطمين الصهاينة في الداخل بعد الرعب الذي اصابهم في اعقاب الانسحاب من لبنان ومضاعفاته داخل فلسطين المحتلة وعلى الساحة العربية بشكل عام، ولا سيما ان العدو كان ينظر الى الرئيس الاسد على انه احد الهواجس الذي لطالما عبر عنه المسؤولون الصهاينة بأنه "لعنة نزلت على اسرائيل في الشرق الاوسط" كما يقول رئيس الاستخبارات الصهيونية السابق.

      اما الرسائل الميدانية التي بعث بها العدو فأبلغها وأوضحها ما نقل عن مصادر عسكرية صهيونية مفادها ان جيش العدو "يقف على اهبة الاستعداد.. وانه لا يتوقع حدوث مفاجآت ولا يريد احداثها".

      وبالطبع فإن هذه الرسائل الصهيونية تشير بطريقة واخرى الى ان الهواجس التي شكلتها المقاومة داخل كيان العدو لم تتعرض للضعف، وعلى العكس من ذلك فإن صورة الهروب الاسرائيلي وما واكبها من تفاعل كبير مع المقاومة على مستوى الساحتين العربية والاسلامية، جعلت الصهاينة يستعجلون العمل لامتصاص هذه التفاعلات على اكثر من صعيد، ولا سيما على الصعيد الدولي، حيث شكلت الزيارة الاخيرة لوزيرة الخارجية الاميركية الى المنطقة البداية العملية للالتفاف على النتائج التي تمخضت عن الانتصار اللبناني، ومحاولة تطويقها عربيا وفلسطينيا، من خلال السعي لإعادة ضخ الحياة في المسار الفلسطيني وبالسرعة القصوى.

استعجال لمصلحة العدو

      وتشير بعض المصادر ـ في السياق عينه ـ الى الاستعجال الذي يتحرك دوليا، ومن خلال الامم المتحدة في مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، فتضع المصادر هذا الاستعجال في اكثر من من دائرة.

      الدائرة الاولى وهي التي تشكل الهدف الاسرائيلي الابرز من هذا التسريع، ذلك ان الصهاينة يخافون مما يسمونه بـ"الفراغ الامني" الذي اعقب انسحابهم من لبنان، حيث يعملون على الايحاء بأن الدولة اللبنانية غائبة تماما عن الساحة الجنوبية، الامر الذي قد يؤدي الى تغييرات معينة في الحركة الميدانية بحيث تعود السخونة الى هذه الساحة بما يطيح بآمال "باراك" في ان يكسب الساحة اليهودية الداخلية بعد الانسحاب على اساس انه اراح هذه الساحة من المشاهد اليومية التي كانت تصلها عبر الجنائز او الجرحى الذين كانت المقاومة تبعث بهم الى فلسطين المحتلة لتحفر في الاعماق النفسية والمعنوية للصهاينة.

      من هنا فإن العدو يضغط على الامم المتحدة للاستعجال في هذه المسألة والانتهاء منها ليتم انتشار قوات الطوارئ بشكل اسرع، ليطمئن اكثر الى ان ما يتوق إليه من مشهد الهدوء الذي لا يلاحق مخيلته قد بدأ يتركز..

      أما في الدائرة الثانية فتشير هذه المصادر الى ان الهواجس الصهيونية قد تأتي في اطار خطة صهيونية سياسية وأمنية تستهدف منع لبنان من الحصول على حقه كاملا في ارضه ليبقى الانسحاب الصهيوني غير كامل، وليحقق العدو بعض ما كان يصبو إليه من اطماع بالارض اللبنانية، وان كانت هذه الاطماع لا تتناسب مع حجم احلامه التاريخية التي "ذبحتها" المقاومة وحطمتها ميدانيا.. الا ان العدو الذي يجد ان ثمة ثغرة دولية معينة تمكنه من الحصول على بعض هذه الاطماع سوف يعمل على استثمار هذه الثغرة تحت عناوين متعددة ليس اقلها الاستعجال في الترسيم الذي يترك خط انسحاب وهميا لا يستفيد منه الا العدو، ولكن غطاءه هو الامم المتحدة.

.. وعجلة دولية

      وليس بعيدا عن هذه الدائرة تشير المصادر عينها الى ان العدو الذي فر من لبنان مذعورا يتطلع الى مستقبل سياسي في المنطقة يعيده الى الساحة اللبنانية من النافذة السياسية التفاوضية.

      وعليه، تشير المصادر الى ان هذا "الاختطاف" الجديد للحقوق اللبنانية في مسألة ترسيم الحدود هو جزء من الخطة الدولية التي تريد ابقاء "مسمار جحا" اللبناني مادة للتفاوض بين لبنان والكيان الصهيوني في المستقبل المنظور، والا فكيف يمكن لسيل من الخرائط أن يُفقد من أرشيف الأمم المتحدة أو أرشيف فرنسا وبريطانيا بحجة أن ثمة فيضانات قد حدثت فغابت هذه الخرائط واختفت؟

      ومن هنا يتبين ان واشنطن تعمل بسرعة متزايدة ـ على الرغم من اقتراب نهاية عهد الرئيس الاميركي  الحالي ـ من اجل ربط مضاعفات ما حدث في لبنان بعجلة التسوية في المنطقة، ويبدو انها ستحاول تسريع وتيرتها بضغوط مضاعفة ضد سوريا ولبنان، وخاصة بعد رحيل الاسد.. ويضاف الى ذلك استعجال دول اخرى لكي تأخذ أدوارا لها من خلال قوات الطوارئ الدولية المفترض ان تنتشر قريبا في الجنوب، الامر الذي يجعل من الحركة الدولية المتسارعة حول المنطقة حركة متعددة الابعاد والجبهات، ولكنها تصب جميعا في خدمة المشروع الصهيوني الخائف من ان تتسع دائرة الانتصار اللبناني على اكثر من مستوى سياسي ونفسي وربما امني.

      وانطلاقا من ذلك كله، فلا بد من مواكبة ذلك بحركة لبنانية داخلية مضادة، تعمل على تركيز نتائج الانتصار، وتقطع الطريق على السرّاق الدوليين لتمنعهم من ان يواصلوا سعيهم لادخال العدو من الشباك بعدما اخرجه المجاهدون من الباب العريض، وأجبروه على الاعتراف بهزيمة تاريخية تمثل الحدث البارز على مستوى العالم.

هاني عبد الله