حزيران - الجمعة 19/06/2000


مذكرة لحود إلى أنان:
نقاط على.. الحدود والرهائن والمياه


هل يغلب منطق المذكرات الرئاسية (لا منطق) الضغوط الدولية، فيثبت حق لبنان في ارضه ويمنع الامم المتحدة من اكمال لعب دورها المطلوب منها والذي يهدف الى الوقوف حائلا امام دفع العدو الصهيوني للخروج من اخر حبة تراب لبنانية؟

      لقد جاءت المذكرة الجديدة التي بعث بها رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الى الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان لتضع النقاط على الحروف، وتزيل الكثير من الغموض الذي حاول المبعوث الدولي تيري رود لارسن نشره حول طريقة تعاطيه مع ملف ترسيم الخط النهائي للانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان، والذي يمكن على اساسه اعتبار ان هذا الانسحاب بات كاملا وناجزا مع ما يستتبع هذا الاعتبار من اجراءات تتعلق بإعلان حصول التنفيذ الكامل للقرار 425.

      وبالفعل فإن ردود الفعل في اروقة المنظمة الدولية توحي بأن الامين العام للامم المتحدة كان منزعجا جدا من مذكرة الرئيس لحود، ومبعث الانزعاج هو ان هذه المذكرة الجديدة قطعت الطريق على محاولة انان ومبعوثه الايحاء بأن العدو الصهيوني يتعاون مع الامم المتحدة بشكل كامل وبالتالي اعطاء "براءة ذمة" لقيادة العدو هي بحاجة ماسة لها لاكمال مسلسل تهديداتها وتحدياتها في المنطقة مع الاحتفاظ بأجزاء من الاراضي اللبنانية تعتبر انها ضرورية "لتحقيق الامن على الحدود".

      ماذا قال الرئيس لحود في مذكرته؟

      ان النقطة الاساسية التي انطلقت منها المذكرة هي ان دور الامم المتحدة التحقق من انسحاب القوات الصهيونية التام من الاراضي اللبنانية، وصولا الى الحدود الدولية المرسومة عام 1923 والمحددة بدقة بإشراف الامم المتحدة ومراقبيها في العام 1949.

      ما تقوله المذكرة ان هذا الامر لم يحصل، وان ما يقوم به فريق الامم المتحدة هو رسم خط وهمي لا يتطابق مع خط الحدود الدولية بات يعرف بخط لارسن، وذلك انطلاقا من حجج واهية ابرزها ان "الامم المتحدة فقدت مستندات ترسيم الهدنة عام 1949 في احد الفيضانات!!" وعلامة التعجب واردة حرفيا في المذكرة.

      لقد امتلأت المذكرة بعبارات "فوجئ لبنان" وهي بحد ذاتها تدل على مدى الاستياء اللبناني من طريقة عمل الفريق الدولي. وقد تركزت هذه "المفاجآت" على عدة نقاط هي:

      ـ فوجئ لبنان بقبول ممثلي الامم المتحدة ان حدوده ليست مؤكدة بدقة.. رغم انه قدم جميع الخرائط المعتمدة لهذه الحدود "والتي لا مجال للشك بصحتها وبأصليتها في الوقت الذي لم يتقدم فيه احد بإثبات معاكس للخرائط والمستندات والاتفاقات والوقائع المنوه عنها".

      ـ فوجئ لبنان "بطرح يقول باعتماد (خط انسحاب) لتثبيت الانسحاب الاسرائيلي في حين ان القرار 425 وتقرير الامين العام للامم المتحدة لا يشيران مطلقا الى هذا الخط، بل الى خط يتطابق مع الحدود الدولية"، وبالتالي فإن لبنان يرى انه "لا يمكن تاكيد الانسحاب الا على اساس خط هذه الحدود وليس على اساس خط وهمي غير موجود".

      ـ فوجئ لبنان بقول مبعوث الامم المتحدة، انه ليس من مهمة الامم المتحدة ترسيم الحدود، وهو يوافق على ذلك، ولكن ما يرفضه هو محاولة الامم المتحدة انكار حدود موجودة ومعترف بها.

      ـ كما فوجئ لبنان بأن مفهوم "الخط العملي" الذي اشار اليه تقرير الامين العام للامم المتحدة على اساس الوضع في مزارع شبعا فقط (حتى ايجاد صيغة مشتركة لمنطقة المزارع موقعة بين لبنان وسوريا لتقديمها للامم المتحدة)، هذا "المفهوم العملي" تحاول الامم المتحدة تطبيقه على كامل منطقة الحدود، "وهو ما يتناقض كليا مع تقرير الامين العام والقرار 425، اذ حيث توجد (حدود دولية معترف بها) لا يمكن ان يوجد خط عملي".

      ازاء هذه "المفاجآت" اللبنانية، يصل الرئيس لحود في مذكرته الى بيت القصيد، فيشير الى انه تم التوصل الى تفاهم مبدئي مع مبعوث الامم المتحدة حول هذه القضايا بانتظار التثبت من الانسحاب الاسرائيلي، فحصلت المفاجأة اللبنانية الكبرى عندما اصدر لارسن بيانه الصحافي الذي "تخلله عرض لنتائج عمل الفريق الدولي تتعارض عدة نقاط منه مع ما جرى التوافق عليه.. وأهمه انه وضع الحدود الدولية القائمة.. موضع تشكيك وتبنى مجددا خط الانسحاب وليس خط الحدود خلافا للقرار 425 ولتقرير الامين العام. وبهذا يكون قد ترك غموضا خطيرا يتعلق بالمسافة والارض الفاصلة بين خط الحدود الدولية وخط الانسحاب الوهمي، ما يعني ان خط الانسحاب سيشكل حماية لبقاء الخروقات الاسرائيلية على خط الحدود الدولي الموجود خلفه.

الرهائن والمياه

      لم تتوقف المذكرة الرئاسية فقط عند موضوع الحدود، وإنما تناولت ايضا مواضيع اخرى تم بحثها مع المبعوث الدولي وعلى رأسها موضوع المعتقلين والرهائن اللبنانيين في السجون الاسرائيلية وموضوع استعادة جثث شهداء لبنان "وطلب لبنان تحريرهم فورا، لأن وضع الاعتقال وخطف الرهينتين (الشيخ عبد الكريم عبيد والحاج مصطفى الديراني) قد حصل في فترة الاحتلال الاسرائيلي على ان يحل هذا الوضع مع حصول الانسحاب.

      ومن المواضيع التي طرحتها المذكرة الرئاسية قضية سرقة المياه من الاراضي اللبنانية، وقد اعتبر لبنان ان "تفكيك كل التجهيزات والمنشآت الاسرائيلية التي تخدم هذا الغرض خطوة متلازمة مع الانسحاب" بالاضافة الى طلب تحقيق من قبل الامم المتحدة في موضوع تجفيف نهر الحاصباني على مقربة من الحدود الدولية.

      لقد اشتكى لبنان عبر المذكرة الرئاسية من "الصعوبات التي تعترض عمله مع فريق الـ UNIFIL 

"الامم المتحدة المكلف بالتحقق من الانسحاب على الارض"، واعتبر ان هذه الصعوبات ناتجة "عن الضغط الذي يتعرض له فريق الامم المتحدة للاسراع في عمله على حساب الدقة". وأعرب رئيس الجمهورية عن خشيته من ان يؤدي ذلك الى تعقيد الامور.

      ماذا فعلت المذكرة؟

      المشكلة ان من يضغط على فريق الامم المتحدة "للاسراع في عمله على حساب الدقة" هو الامين العام للامم المتحدة، أي الذي وجهت إليه المذكرة، فهل ستلقى آذانا صاغية؟

      المهم ان لبنان قد اوضح حقه وأكد رئيس الجمهورية في اكثر من مناسبة انه لن يتخلى عن سنتيمتر واحد من الارض اللبنانية. وإذا كان هناك ضغط دولي على الرئاسة اللبنانية "للتساهل" في بعض النقاط، فإن هناك بالمقابل تأييدا شعبيا حاسما للرئيس لحود في موقفه، وهو لن يقف في مواجهة التأييد الشعبي لمصلحة الضغط الدولي.

      وهذا.. ما هو حاصل.

محمود ريا