|
حزيران - الجمعة 19/06/2000 المحامية
مي الخنسا لـ"العهد": كان ينبغي إحالة
قضية العملاء إلى المجلس العدلي
|
|
افرزت
الاحكام الصادرة بحق العملاء الذين لم يألوا
جهدا في خدمة اسيادهم الصهاينة من خلال القتل
والتنكيل وممارسة ابشع انواع الجرائم بحق
شبابنا وأطفالنا ونسائنا وشيبتنا، حالة
امتعاض وتململ وتساؤل حول المغزى من هذا
التعاطي الذي وصم بالسرعة والتساهل
والاستخفاف، ما عكس ردود فعل عفوية وكثيفة في
القرى والبلدات التي عانت الامرّين على أيدي
العملاء وأسيادهم.
وبعيدا عن الجدل السياسي والتجاذبات التي
حصلت جراء هذه المحاكمات، آثرت "العهد"
ان تناقش الموضوع من الزاوية القانونية
والاجتماعية مع المحامية في الاستئناف مي
الخنسا، التي عالجت الموضوع من مختلف جوانبه،
وفي ما يلي نص الحوار:
لبنان يشهد محاكمة عملاء جندوا انفسهم
للعدو الاسرائيلي، وفعلوا ما فعلوا بحق هذا
الوطن وبحق اهله. وقد ظهرت حالة استياء وتململ
لدى الرأي العام اللبناني بشكل عام، ولدى
اهالي الاسرى والمعتقلين خصوصا، للطريقة
التي عومل بها هؤلاء العملاء. كجهة قانونية
كيف تجدين هذه المحاكمة؟
المحاكمات الدائرة لن يرحمنا التاريخ
عليها، وسيوجه الملامة بقسوة إلينا، لأننا
نعاقب اشخاصا قاموا بسلب الوطن وتقطيعه وقتل
ابنائه، وممارسة جميع الجرائم المنصوص عنها
بالقانون وتعتبر ماسة بأمن الوطن. اما
الاحكام التي صدرت فكانت بمثابة أحكام مخففة،
كمن يعاقب نتيجة اعمال سرقة ليس إلا..
والجرائم التي مورست في جنوب لبنان هي جرائم
كبيرة جدا وتستحق احالتها الى المجلس العدلي
بموجب مرسوم بطلب من رئيس الجمهورية وإحالتها
الى مجلس الوزراء الذي بدوره يصدر مرسوما بها
لإحالتها الى المجلس العدلي. اعتقد ان قضية
بمثل هذا الحجم من العيب بحقنا أن لا تحال
أمام المجلس العدلي. منحى
سياسي
هل
يفهم من كلامك ان المحاكمة اتخذت منحى
سياسيا؟
لا شك في ذلك، ونحن لا نريد ان نضحك على
انفسنا ونقول ان بلدنا لا يخضع لضغوط سياسية.
والحقيقة ان امورا كثيرة نمارسها تحن وطأة
الضغوط السياسية، وحتى صغائر الامور، فكيف
يكون الامر في ما يتعلق بمثل هذه القضايا
المطروحة الان. ولكن رأيي ان رئيس الجمهورية
المعروف بجرأته وشجاعته وتطبيقه للقانون،
قال اننا جميعا تحت القانون. وأنا اؤكد ان
الدستور اللبناني احال قضايا من هذا النوع
على المجلس العدلي. لذا أستغرب ان تكون الثغرة
القانونية هذه غابت عنهم، ولا احد يتنبه
إليها، بحيث تجري المحاكمة كما هو حاصل اليوم.
ألم يكن يفترض بالقضاة ـ قبل ان يلفظوا
حكمهم ـ ان يكونوا على اطلاع كامل على ملفات
هؤلاء العملاء، وذلك عن طريق تلمس جرائمهم
وممارساتهم ميدانيا؟
اعتقد ان احالة قضية العملاء على المحاكم
العسكرية تمنع الادعاء الشخصي امامها. ولا
ادري ما اذا كان المقصود من هذا التوجه منع
استخدام الادعاء الشخصي، فلتسأل المراجع
المعنية حول القصد من هذا التوجه، ذلك ان
احالة العملاء امام المجلس العدلي يفسح
المجال امام المتضررين لتقديم اثباتات وشهود
حول مدى الضرر الذي اصيبوا به من جراء
الممارسات التي تعرضوا لها على ايديهم. أما
المحكمة العسكرية فلها بما يتعلق بالحق
العام، أي ان الحق الشخصي لا يمثل امام هذه
المحكمة. غير انه يفترض الحق العام ان يتحرك،
لأن جرائم بهذا المستوى على امن الدولة
وسلامتها كان ينبغي ان يستمع فيها الى الشهود
المتضررين، خصوصا ان المحاكمات قصيرة جدا،
والقسم الاكبر من المتهمين يفترض ان يحال الى
المجلس العدلي. من هنا اقول انه كان يفترض على
القضاة ان يطلعوا على افعال العملاء ميدانيا.
وأضيف ان هناك مبدأً أسياسيا يجري الاخلال به
في نظام المحاكمة، وسبق ان قلت ان التاريخ لن
يرحمنا، وسيكتب للايام انه بعد تحرير الجنوب
وسقوط تلك الدماء فداءً للتحرير، فإن العملاء
والخونة والمتآمرين عوملوا بكل "رقة"،
حيث إن المحاكمة جرت بشكل جماعي.. كأن يسأل
القاضي العميل ما هو جرمك؟ ماذا تطلب؟ ويكون
الرد الشفقة والرحمة، وتنتهي المحاكمة عند
هذا الحد! فلو ان هؤلاء الخونة كانوا قد
تقدموا في فترة سابقة وأعلنوا عن توبتهم لكان
بالامكان مثلا العفو عنهم وأخذ وضعهم بعين
الاعتبار، لأن هناك نصوصا قانونية تنظر في
مثل هذه الحالات. طابع
صوري؟
الملاحظ ان محاكمة العملاء تجري في ظل
وكلاء يدافعون عنهم.. ألا تستدعي في الجانب
الاخر شهودا رأوا الحقيقة بأم العين ولامسوها
عن قرب؟
ان الحق الشخصي لا يمثل أمام المحكمة
العسكرية ، طبعا هناك حق عام، وهذا الحق يعود
للنيابة العامة التي تحمي كل معتدى عليه،
وهذا الحق يتحرك تلقائيا، حتى لو لم يدّع هذا
الشخص المعتدي عليه الى حين اثبات الحقيقة.
وهو ما كان مفروضا ان يحصل امام هول الجرائم
المنسوبة الى العملاء، كما جرت العادة. جرائم
حرب
الممارسات التي ارتكبها العملاء من جرائم
وتعديات وغيرها، ألا تستدعي محاكمتهم امام
محكمة جرائم الحرب؟
طبعا، هناك عملاء يجب محاكمتهم كمجرمي
حرب، امثال العميل انطوان لحد، وإحالة امثاله
الى محكمة جرائم الحرب. الا ان لبنان ـ للأسف ـ
غير مشترك فيها، واعتقد ان مدعي العام
التمييز سيسافر قريبا الى اوروبا للتنسيق مع
المعنيين بهذا الموضوع، ولاجراء الترتيبات
اللازمة بغية السماح للبنان بأن يصبح عضوا
فيها وإحالة الجرائم من هذا النوع الى محكمة
جرائم الحرب.
في وقت سابق صدر عن منظمة العفو الدولية
بيان وصفت فيه ما ارتكب في معتقل الخيام
بجرائم الحرب، والاحكام التي تصدر عن المحكمة
العسكرية بحق العملاء تتصف بكثير من الرأفة
والرحمة لمن لم يعرفوا الرأفة يوما عندما
كانوا أسياد التعذيب في المعتقلات؟
يكفي ان اختصر كلمتي لاقول: ان العدو
الاسرائيلي نوّه بالمحاكمات التي تحصل..
ونقطة على السطر. ثمن
الخيانة
قد يسأل من اعتُقل في الخيام او غيره في
زنازين العدو وعملائه، هل ثمن العمالة
والخيانة اصبح مبلغا من المال وعدة اشهر من
السجن؟
المبدأ ان القصاص يجب ان يكون بحجم
الارتكاب، فإذا كان ثمن الخيانة بهذا
المقدار، فالثمن سهل جدا، وهذا يؤدي الى
تشجيع الاخرين على خيانة وطنهم، وكأننا نقول
لهؤلاء خونوا، فالعقاب لن يتعدى الاشهر او
بضع سنوات، والغرامة لن تكون كبيرة. صدقني انه
اذا ما اراد احد الخروج من السجن بكفالة،
يستدعي ذلك دفع كفالة لا تقل عن عشرة ملايين
ليرة، فكيف بهؤلاء العملاء يغرمون بمبالغ
زهيدة جدا (50 ألف ليرة و100 ألف ليرة).
يخشى بعض الحقوقيين ان تتحول الاحكام
الصادرة في قضية المتعاملين الى سوابق تصلح
للاستناد إليها في محاكمات يمكن ان تجري
لاحقا؟
طبعا، اكيد، فالقانون يستند الى المواد
والاجتهادات، وهذه المحاكمة من ضمن
الاجتهادات التي يمكن ان يرتكز عليها لاحقا.
على خلفية الاحكام التي تصدر، هل من ضمانة
لعدم عودة هؤلاء الى العمالة والخيانة؟ خصوصا
ان مدة سجنهم لن تكون طويلة؟
بالتاكيد لا، فمن خان وطنه واستسهل
التعاون مع العدو وعذب ما عذب، لا احد يضمن ان
لا يعود الى ما قام به مجددا.
ثم ان هؤلاء يفترض وضعهم في ثكنات خاصة
لتأهيلهم، لأن الفترة الماضية لمحكوميتهم
غير كافية لاصلاحهم. الأعمال
الثأرية
ألا
تعتبرين ان هذا التساهل قد يفتح الباب امام
عمليات ثأرية يصعب تداركها، لا سيما ان
بوادرها بدأت بالظهور في اكثر من بلدة وقرية؟
بصراحة ما حصل من اعمال ثأرية في عدد من
القرى لم يفاجئني، وهو ما كنت اتوقعه. بل كنت
اتوقع اكثر من ذلك، لأن العميل لم يرتكب جرما
بحق فرد، وإنما بحق ابناء بلدته كاملة. فمن
الطبيعي ان رد الفعل هو الامر الواقع. خصوصا
ان الاحكام الصادرة لم تشف غليلهم. ثم ان
الشعب المتضررمن ممارسات العملاء لم يتنازل
عن حقه لكي تتصرف الدولة كما تشاء، وأستغرب
كيف ان المتضررين لم يقدموا دعاوى شخصية بحق
هؤلاء امام النيابة العامة العادية. ويفترض
ان يجري التحضير لها اليوم قبل غد، لأن
التأخير قد لا يصب في مصلحتهم، وبإمكان هؤلاء
المتضررين ان يعيدوا محاكمة هؤلاء مجددا،
لكون العملاء ما زالوا يقاضون امام المحكمة
العسكرية. وربما امام الكم الهائل من
الدعاوى، قد يشعر المسؤولون بالرغبة في احالة
الملف الى المجلس العدلي. وألفت الانتباه الى
ان بإمكان المتضررين ان يقدموا شكوى امام
القضاء العسكري ويتخذوا صفة الادعاء الشخصي،
وفي هذه الحال يتحرك الحق العام، وتعاد
محاكمة هؤلاء المتعاملين قبل اخلاء سبيلهم.
للاستيضاح، ما هي المواد القانونية التي
يجري إسقاطها على العملاء؟
هناك قانون يسمى قانون العقوبات، وآخر
عسكري. الحقيقة، ان السرعة التي تجري فيها
المحاكمة لم تتح الفرصة امامي لمعرفة المواد
القانونية، لأن المسألة تحتاج الى وقت لمعرفة
ما هي المواد التي يحاكمون على اساسها، او
لإحالتهم الى القضاء. والمواد القانونية التي
يفترض معاقبتهم على اساسها تقع في باب
الجرائم الواقعة على امن الدولة، وهي مواد
تبدأ من 270 الى 336 من قانون العقوبات. الدعوى
ضد باراك
سبق ان تقدمت بشكوى مع اتخاذ صفة الادعاء
الشخصي ضد رئيس وزراء العدو ايهود باراك
وحكومة العدو، وكل من يظهره التحقيق فاعلا او
متدخلا او شريكا في اعمال إرهاب وجرائم وفتن،
ونيل من مكانة الدولة، وقتل وإيذاء وخطف
وتهديد وغيرها.. اين اصبحت هذه الدعوى؟
كما تعلم ان العدو الاسرائيلي بالاتفاق
مع العملاء وذلك بتاريخ 4/5/2000، قام بأعمال قصف
وقتل وتدمير للمنشآت المدنية وغيرها، الامر
الذي حدا بولدي لأن يسألني قائلا: "يا ماما
نحنا ما فينا ندعي على باراك" ؟ أجبته
بالايجاب. هذا السؤال شكل لي دعما اساسيا
لأتقدم بهذه الشكوى امام النيابة العامة
التمييزية، وقبلت من جانب المدعي العام عدنان
عضوم، والان انا في حال انتظار لان يصدر حكم
في لبنان بحق باراك، على انه مجرم حرب ومطلوب
دوليا، بعدها احيل الامر الى القضاء الدولي،
ويكون ذلك خلال ثلاثة اشهر، حيث يستدعى الى
المحاكمة ودفع التعويضات، وإلا فقد يحال الى
مجلس الامن. غير ان هذا يحتاج الى قرار سياسي،
حول ما اذا كانت أفعال باراك ارهابية،
وبالتالي يمكننا ان نحاكمه دوليا، لكون لبنان
لم يدخل بعد عضوا في المحكمة الجزائية
الدولية. هذا الامر استدعى مني السفر حاليا
الى مصر لاستحضار مراجع دولية بهذا الشأن. وفي
فترة لاحقة سأذهب الى لندن للغرض ذاته..
وسأتابع الدعوى حتى النهاية. حسين عواد |