|
حزيران - الجمعة 16/06/2000 رحل
بشرف
|
|
بعيدا
عن ثلاثين سنة من الحياة الحافلة في صنع
الاحداث وفي كتابة مرحلة تاريخية مهمة على
مستوى سوريا والعالم العربي، تبدو الايام
الاخيرة في حياة الرئيس الراحل حافظ الاسد
مليئة بالدلالات والاشارات.
فالرئيس الاسد "المريض" لم يتحول
أسير مرض او استعجال، وكان يبعث بالرسائل
العلنية والضمنية بأنه لا نفع من ان يسلط
عليه سيف الوقت فهذا العامل لن يغير من
ثوابته الاساسية، وكان الدليل في قمة "جنيف"
التي تصورت الادارتان الاميركية
والصهيونية أنها تأتي في لحظة ضعف ناتج عن
عاملي "المرض" و"الوقت" لكن موقف
الاسد شكل مفاجأة للطرف الاخر وهو يعرف انه
سيجر على سوريا ضغوطا لا تطاق. بعد القمة
تصاعد التهديد الاسرائيلي بضربات تطال
المصالح السورية وبتنفيذ انسحاب احادي من
لبنان حتى ولو لم يتم الاتفاق مع سوريا
ولبنان لمنعهما من الاستفادة من عامل
المقاومة الذي كان السيف المصلت على العدو
الصهيوني.
وعندما حصل التقهقر الصهيوني بالصورة
الذليلة التي تمت كان الاسد في قمة الزهو من
هذا الانتصار، وقال ان حزب الله قد صنع
المعجزة، وبرغم لحظات مرضه الحساس بعث
الاسد هدية رمزية الى قيادة حزب الله
عرفانا وتكريما لأنه يرى ان النصر هو
للبنان وسوريا حتى لو ظن العدو انه سجل نقطة
اساسية في ملعب دمشق.
لنتعرف الى الدلالة العميقة لهذا
الموقف وظروفه علينا المقارنة بحالات اخرى
حيث كان الوضع مختلفا. لقد أُخذ الملك حسين
من مستشفى "ماي كلينيك" ليختم حياته
السياسية بالمشاركة في التوقيع على تسوية
فلسطينية ـ صهيونية مذلة، برغم وضعه الصحي
الخطير. كانت وظيفة الملك ممارسة مزيد من
الضغط على صديقه ياسر عرفات للتنازل اكثر
فأكثر.
ختم الملك حياته بمبادرة سلام افرحت
الصهاينة، كانت تلك هدية الملك "المريض"
لنتنياهو وكلينتون. وهو الذي قال ذات مرة ان
امنيته كانت منذ الستينيات ان يوقع السلام
مع الصهاينة قبل ان يموت.
لذلك فإن كثيرا من الوجوه المقيتة عند
الشعوب العربية كانت حاضرة بقوة في جنازة
عمان الملكية، صهاينة وأميركيين
وبريطانيين.
ربما يختلف من يؤيد الاسد مع من لا
يؤيده، وقد يختلف معه كثيرون في مسائل
داخلية كالاقتصاد الاشتراكي والاقتصاد
الليبرالي، ونظام الحزب الواحد او
التعددية السياسية، او نمط التحالفات
السياسية، لكن الجميع من خصومه في العالم
العربي الى خصومه وأعدائه خارجه، لا
يستطيعون إلا التعبير عن احترامهم لندية
الاسد وخياراته الاستراتيجية التي اثبتت
صحتها. لقد جاء الجميع الى دمشق معزيا،
الصديق وغير الصديق، حتى من حرمه الأسد
زيارة دمشق ست سنوات في حياته، لكن جهة
واحدة أكلتها الحسرة قبل ان تضع يدها بيد
الاسد.
كانت امنية رابين وبيريز وباراك
ووايزمان "العلنية" ان يزور احدهم
دمشق ويصافح الرئيس حافظ الاسد، لكن يده
بقيت "نظيفة" حتى قيل انه يفضل الموت
على ان تأتي ساعة المصافحة.
حرم الاسد هؤلاء امنية المصافحة او
التوقيع معه كزعيم تاريخي على التسوية الى
الابد، وتحولت الامنية الى حسرة زادت من
كراهيتهم للأسد وسوريا.
بين قمة جنيف والانتصار اللبناني فترة
قصيرة، لكنها معبرة في حياة الاسد، وتمثل
فصلا ختاميا لم يستطع المرض فيها ان يشل
ارادة المقاومة في روح الاسد، ولو انه اطاح
بالجسد.
لم تدنس يده مصافحة آثمة.
ولم تدنس دمشق بعلم آثم.
رحل الاسد وعلى جبينه زهو الانتصار في
الجنوب.
وفي قلب اعدائه حسرة تنغصهم حتى بعد
الممات، يلاحقهم ظله من الضريح.
نعم رحل الاسد، لكنه رحل عزيزا بعكس
كثير من الرؤساء والزعماء.
لقد مات الأسد بشرف. حسين
رحال
|