|
حزيران - الجمعة 16/06/2000
|
|
منذ
سبعين عاما ونيف وجنوب جنوب الوطن ينزف اثر
قطع الاوصال، وأنين القرى السبع تسمعه آذان
العالم ويتردد صداه بين القلوب المؤمنة
بالعدل وإنسانية الانسان. الامم المتحدة (كفة
ميزان الاقوى) منذ عرفناها تمد يدها
المثقلة بالضغوط مدفوعة بالقوى العالمية
الاستكبارية بتنفيذ سياسات "جائرة"
ابعد ما تكون عن شعاراتها وحقيقة وجودها،
وعلى الرغم من تغيير العدو الصهيوني الغاصب
معالم القرى السبع، لا يزال الامل كبيرا
والحنين اكبر لاسترجاع الحق لاصحابه،
والناس بأبصارهم الشاخصة وانتظارهم الطويل
الذي لا ينقطع نحو العودة، عيون ترى
المقاومة دوما وعيون ترنو الى الامم
المتحدة والمجتمع الدولي لعل فيهم بقية
ضمير.
في الثاني والعشرين من شباط عام 1922
ابرمت اتفاقية (بوليه نيوكامب) بين
بريطانيا وفرنسا وبموجب هذه الاتفاقية
اقتطعت القرى الجنوبية السبع وألحقت بدولة
فلسطين وهي: نبحا، صلحا، هونين، قدس، يوشع،
المالكية، ابل القمح، وفي العام 1948، حلت
النكبة بهذه القرى عندما احتلتها "اسرائيل"
فهجرت اهاليها ودمرتها ودثرت معالمها
ووزعت اراضيها ومزارعها على الصهاينة
المستعمرين، وأقامت على هذه القرى
مستعمرات بأسماء عبرية مستحدثة حلت محل
اسمائها التاريخية الاصلية وذلك امعانا في
ازالة الصبغة العربية لا عن ترابها فحسب
يبل عن ذاكرة اهاليها ايضا.
ان نظرة الصهيونية الى القيمة
الاستراتيجية لمواقع القرى السبع كانت
كفيلة بالتخطيط للسيطرة عليها في مراحل
لاحقة، فهي من ناحية لن تسمح لهذه القرى
بتهديد خاصرتي المنارة والمطلة من القرى
السبع، وفي المقابل فإن مزايا اخرى قد اعطت
للقرى السبع قيمتها اذ لا يخفى ما لآثار قدس
ومرجها المعروف من قيمة، ثم قلعة هونين
ومسجدها وموقعها الاستراتيجي المطل على
سهل الحولة ثم موقع طيربيخا المطل على
القرى اللبنانية البعيدة نسبيا، كل هذه
الخصائص اعطت مواقع القرى السبع اهمية لا
يمكن فصلها عن دائرة التفكير الصهيوني
بتعديل الحدود علما بأن القرى السبع كانت
ضمن نطاق دولة لبنان الكبير ولكن اتفاقية
"بوليه نيو كامب" المشار إليها آنفا قد
سلخت هذه القرى عن لبنان الكبير وألحقتها
بفلسطين دون اخذ رأي السكان او استفتائهم،
وظل سكان هذه القرى يحملون جنسيتهم
اللبنانية منذ ولادة لبنان الكبير وحتى
دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في 30 آب 1924
عندما تم ضمها رسميا الى اراضي فلسطين،
وظلت الحدود مفتوحة ولم تكن هناك قيود تحد
من انتقال ابناء القرى السبع الى جبل عامل،
فسهول طيربيخا وإبل القمح وقدس كانت مقصد
الفلاحين والمزارعين من قرى كثيرة في
المنطقة، وظلت الحال كذلك حتى العام 1948 عام
النكبة والتهجير القسري، يومها هجر ابناء
القرى السبع من ديارهم وممتلكاتهم وابتدأت
رحلة العذاب. نزح اثر ذلك ابناء القرى السبع
الى القرى الحدودية الجنوبية. وكثيرا ما
كان ابناء القرى السبع يخاطرون بحياتهم
بهدف حصاد الارض ثم زرعها من جديد ولا سيما
انهم بقوا على مقربة من قراهم مدة تزيد عن
خمس سنوات، ولم يبتعدوا عنها لان الجيوش
العربية قد وعدتهم آنذاك بعودة قريبة الى
قراهم فكثرت الوعود وطال معها الامل
بالعودة. كان ذلك في الخمسينيات فكان على
ابناء القرى السبع ان يتكيفوا مع وضع
اقتصادي جديد، لكن الهوية لم تكن لتعني
الشيء الكثير لهؤلاء لانهم ظلوا يتمتعون
بحقوق كاملة كأبناء القرى التي حلوا بها،
وكان من الطبيعي ان تتوطد العلاقات
الاجتماعية اكثر لتصل في حالات عدة الى
درجة الانصهار الكامل في مجتمعاتهم
الجديدة، قرى جبل عامل وبيروت، واستمرت
الروابط الادبية، روابط الارض، والدم
والمصير مرتبطة بالارض الأم.
اليوم وبعد زوال الاحتلال عن معظم
القرى الجنوبية عاود اهالي القرى السبع
المطالبة بقوة باسترجاع ارضهم اسوة بباقي
ابناء الوطن، فانطلقت مسيرة ضمت اكثر من
ستة الاف شخص باتجاه القرى المحررة القريبة
من قراهم يرفعون اعلام المقاومة والوطن
والشعارات واللافتات والصور، وكانت محطتهم
الاولى مشارف طيربيخا، التي تحاذي بلدة
مروحين الحدودية حيث وصلوا اليها عن طريق
الناقورة، وسط الاعلام المرفوعة واللافتات
والشعارات والهتافات المطالبة بالعودة
ووسط التلويح بقبضات الغضب على مرأى ومسمع
الجنود الصهاينة المختبئين خلف دشمهم في
الجهة المقابلة. من الحدود وصل الاهالي الى
بوابة طيربيخا حيث ألقيت كلمات لعدد من
الاهالي والفاعليات اكدت على رفع الصوت
عاليا في زمن الانتصار، انتصار المقاومة
والشعب، وطالبت بالاعتراف بلبنانية القرى
السبع، كما عبرت الكلمات عن رفضها الكامل
لاقتطاع الارض من قبل الصهاينة، فلعبة
الامم تجاه ترسيم الحدود لا تعرف الا
التساهل مع العدو ولا تجيد الا الضغوط
علينا وهي منذ اكثر من خمسين عاما لا ترى
ولا تقرأ الا بعين واحدة ولا تسمع الا بأذن
واحدة ولا تنطق الا بلسان واحد، وكأن الاخر
ليس امامه سورى خيار وحيد هو القبول بالذل.
وحذرت الكلمات من تجدد الجريمة على حساب
بقية الارض في الجنوب واقتطاع مساحات اخرى
بحجة تعديل الحدود تارة وحساسية الاوضاع
والتخوف من حصول احتكاكات تارة اخرى،
واضعين املهم بالمقاومة نهجا وطريقا واحدا
للتحرير.
من طيربيخا انطلقت مسيرة اهالي القرى
السبع الى بلدة مارون الراس التي تقابلها
بلدة صلحا المحتلة حيث لم يتسنّ للاهالي
الوصول الى السياج الحدودي لمشاهدتها عن
قرب واكتفوا بمراقبتها والنظر اليها من على
حد المرتفعات المشرفة عليها في مارون الراس
ليكحلوا اعينهم برؤيتها وهي البلدة التي
سقط فيها عشرات الشهداء خلال احتلالها من
قبل العدو الاسرائيلي، وكما روى لنا احد
ابناء صلحا، فإن الجيش اللبناني دخل الى
البلدة للدفاع عنها وعن المالكية، وكان
بإمرة الشهيد النقيب محمد زغيب، ومن صلحا
وصل الاهالي الى معبر "الكيلو تسعة"
الواقع جنوب بلدة بليدا مقابل بلدتي
المالكية وقدس المحتلتين حيث كان المعبر
المذكور يؤدي الى داخل فلسطين المحتلة
وأصبح اليوم انقاضا متناثرة بفعل تدمير
قوات الاحتلال لمنشآته تدميرا كليا قبيل
انسحابها منه وتمركزها في الجهة الاخرى من
السياج الحدودي للعدو حيث كان عدد من
الجنود الصهاينة يراقبون الاهالي، وقد
تولى رجال المقاومة الاسلامية ارشاد
الاهالي وتنبيههم خلال تحركاتهم من
الالغام والكمائن الصهيونية المزروعة في
القرى من الحدود على جوانب الطريق المؤدية
إليها. اختتم
اهالي القرى السبع مسيرتهم في بلدة هونين
المحتلة التي تحاذي بلدة حولا من الشرق حيث
رفعوا على ما تبقى من ارضها المحررة
اللافتات التي تطالب باسترجاعها. محمد
جعفر
|