حزيران - الجمعة 23/06/2000


مكارم الاخلاق
في سيرة الرسول (ص)


      القارئ لسيرة رسول الله (ص) يستوقفه العديد من العناوين التي تفتح له الكثير من مدارك العلم والمعارف المقرونة بالاخلاق وتربية الانسان بما يليق به كانسان سويّ منحه الله "عز وجل" نعمة العقل والتفكير، ومنحه فوق كل ذلك الدين العظيم الذي جعله نظام حياة متكاملا لم يترك صغيرة ولا كبيرة الا ودخل فيها مرشدا وموضحا وهاديا وناصحا.

      من هذه النظم التي نحتاجها اليوم والتي اسس لها رسول الله (ص) الاسس المتينة، نظام "فن التعامل مع الناس" وقد راق لي ان اتبصر في الكيفية التي امرنا بها الله عز وجل على لسان نبيه (ص)، لنكون حقا انسانيين كما اراد الاسلام الكريم.

      تتعدد المسالك الاخلاقية وتتمظهر في امور شتى منها الرفق بالاخر، وطيب الخلق الحسن، ونصيحة الانسان لاخيه الانسان، والعلاقة الفضلى بين افراد العائلة جميعا، ويأتي سوء الخلق من الامور التي حذر منها رسول الله (ص) بقوله: "لكل ذنب توبة الا سوء الخلق فان صاحبه كلما خرج من ذنب دخل في ذنب". ولعل سوء الخلق هذا هو ما نعانيه اليوم في مجتمعاتنا وخاصة المدنية منها، بعدما تداخلت مصالح الانسان مع نزعات الدنيا التي تدفعه نحو فقدان الملكة الاساسية له كانسان وهي الاخلاق الحسنة، وهنا امام هذا الانزلاق الاجتماعي للعديد من الافراد يأمرنا رسول الله(ص) بأن نكون من النصحاء والمرشدين لهؤلاء، وخاصة ان الانسان المؤمن والعارف بقيم الحياة عليه ان يعتبر الاخر، اخا كان ام صديقا ام جارا، مرآة له يسؤوه ما يراه فيه من سوء ويسره ما يشاهده فيه من امور حسنة، وفي هذا قال رسول الله (ص) "لينصح الرجل منكم اخاه كنصيحته لنفسه، اما علامة الناصح فاربعة:

      يقضي بالحق، ويعطي الحق من نفسه، ويرضى للناس ما يرضاه لنفسه، ولا يعتدي على احد".

      هذه الخلق الحسنة اراد رسول الله (ص) ان نمارسها قبل كل شيء في نسج علاقة صحيحة مع ابنائنا وزوجاتنا لنؤسس بذلك البنيان الاجتماعي السليم. ففي علاقتنا مع ابنائنا يقول  رسول الله (ص): "اكرموا اولادكم واحسنوا ادابهم" ، "ادبوا اولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب اهل بيته، وقراءة القران"، "واعدلوا بين اولادكم كما تحبون ان يعدلوا بينكم في البر والعطف"، و"من قبّل وجده كتب الله له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة، ومن علمه القرآن دعي بالابوين فيكسيان حلتين يضيء من نورهما وجوه اهل الجنة". وفي المقابل اوجب الاسلام على الولد أن يكون رؤوفا مع والديه حيث يقول (ص): "النظر الى الوالدين برأفة ورحمة عبادة" و"نظر الولد الى والديه حبا لهما عبادة"، و"رضا الله في رضا الوالدين" و"من سره ان يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه، وليصل رحمه".

      هذه العلاقة الاجتماعية الطيبة بين الابناء والاباء يريدنا الاسلام من خلالها ان نزرع في بيوتنا البذار الاجتماعي السليم الاول، لان من تأسس واشتد عوده على الاخلاق الحسنة والعلاقة الاسرية الصحيحة والمتحابة، قادر على تأصيل تربيته هذه في النسيج الاجتماعي والمكاني الذي يعيش ويحيا فيه.

      هذه العلاقة الطيبة داخل الاسرة اكد رسول الله(ص) ان كمالها ووصولها الى غايتها يقتضي منا اولا واخيرا ان ننشئ علاقة سليمة وطيبة بيننا وبين زوجاتنا، لان علاقة الزوج بزوجته تضفي على الاسرة اجواء الصورة الاولى التي يتلقاها الابناء ويتربون عليها ليمارسوها في ما بعد في علاقاتهم مع الاخرين، من هنا قال رسول الله (ص) "ما زال جبرائيل يوصيني بالمرأة حتى ظننت انه لا ينبغي طلاقها الا من فاحشة مبينة"، وقوله ايضا: "قول الرجل للمرأة اني احبك لا يذهب من قلبها ابدا".

      هذه الاطلالة البسيطة على السلوك الاجتماعي والتربوي والديني الذي ارشدنا رسول الله(ص) اليه واوجب علينا طاعته، يعطينا شهادة على عظمة الاسلام الذي أنزله "عزّ وجلّ" على قلب نبيه (ص) ليزيل به ظلمات الجهل وينير دروب الاخلاق ويتمم مكارمها.

حسن بدير