نيسان - الجمعة 27/04/2000


ندوة العهد
عدوان نيسان: قراءة في الأهداف والنتائج

الموسوي: "تفاهم نيسان" شكل اعترافاً بمشروعية عمل المقاومة

حرب: انتقل العالم من الانبهار بانتصارات "إسرائيل" إلى السؤال عن أسباب انتصار حزب الله
ياسر: عجز صهيوني عن قراءة الأوضاع في "الأرض" و"الجو" وفشل في تحديد قدرة "العدو"


كان هناك مشهدان: الاول فيه مأساة وأطفال مقطعون ونساء محروقات، ودموع وأحزان وآهات وتهجير وقهر، والمشهد الاخر كان فيه رجال اصلب من الجبال، ورؤوس شامخة وإرادات قوية، رجال لبسوا سلاح الموت وانتظروا على مفترق الطرق ليفتدوا اهلهم، رجال شكلوا مقاومة هي في حد ذاتها معجزة وأسطورة، هناك حيث عجز الجندي الاسرائيلي عن التقدم خطوة واحدة الى الامام. وبين هذين المشهدين كان هناك مشهد ثالث: الواحدة الوطنية، حيث خرج اللبنانيون من احقادهم وصغائرهم وحساسياتهم ليشكلوا قوة متراصة في مواجهة العدو بالفعل والارادة.

      ربما تلخص هذه الكلمات صورة الوضع خلال تلك الايام الصعبة التي عاشها لبنان قبل اربع سنوات من الآن، بين اجرام صهيوني تجاوز كل حدود بارتكاب ما لا يرتكب من الفظائع، وصمود اسطوري لرجال المقاومة الاسلامية الذين حطموا ـ بثباتهم ـ اهداف العدو من "حربه العنقودية" ضد لبنان فجعلوه يعود راضخا الى قواعد الصراع التي وضعتها المقاومة، وهو الذي اطلق هذه الحرب لتغييرها ـ في الحد الادنى ـ او للقضاء على المقاومة ذاتها، في الحد الاقصى ـ هذا اذا استطاع، فإذا به يفشل في تحقيق اي شيء من هذه الاهداف.

      وبين هذا وذاك، كان تحمل الشعب اللبناني الاجرام الصهيوني ووقوفه خلف المقاومة مشجعا ومضحيا، واحدا من اهم اسباب النصر الذي تحقق في حرب نيسان 1996 والذي كبر ونما يوما بعد يوم على مدى السنوات الماضية، وها نحن اليوم على ابواب القطاف.

      لعناقيد النصر التي صنعها لبنان بثباته وتضحياته، كانت هذه الندوة التي تتناول عدوان نيسان لناحية الاهداف التي كان العدو يرمي لتحقيقها من خلاله، والنتائج التي شهدها الواقع على الارض بعد العدوان، والتي نستضيف فيها العميد المتقاعد علي حرب، مدير مديرية التوجيه في الجيش اللبناني سابقا، عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب السيد عمار الموسوي وأحد الضباط الميدانيين في غرفة عملية المقاومة الاسلامية ممن ادى دورا محوريا في تلك المرحلة من عمر المقاومة (الحاج ياسر).

      والبداية من الحاج ياسر الذي قدم صورة عن الوضع الميداني العسكري خلال حرب نيسان، بين الاجراءات العسكرية الصهيونية بمختلف اتجاهاتها وإجراءات المقاومة الاسلامية لإبطالها.

الحاج ياسر

      اود ان ابدأ بالشعار الذي يتوّج كل اعمالنا الجهادية في فترة عدوان نيسان وقبلها وبعدها "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".    

      بالنسبة الى عدوان نيسان، كانت العملية العسكرية التي نفذها العدو الاسرائيلي بتاريخ 10/4/2000 تحت عنوان "عناقيد الغضب" نتيجة سلسلة من الاحداث ابرزها عدوان "تصفية الحساب" في تموز 93، وما اعقبه في السنوات الـ94 ـ 95 ـ 96 من تسلسل في العمليات النوعية الناجحة التي اوقعت بالاسرائيليين خسائر فادحة.

      اذاً، بين عامي 95 و96 نفذت المقاومة الاسلامية عددا من العمليات التي انزلت خسائر كبيرة بالعدو الذي اوجز خسائره على الشكل التالي:

      في العام 94 سقط 26 قتيلا وجريحا إسرائيليا و50 قتيلا و180 جريحا لحديا، نفذت خلالها المقاومة الاسلامية ما يقرب من 375 عملية من اصل 510 من مجموع عمليات المقاومة. في العام 95 سقط 29 قتيلا اسرائيليا و176 جريحا باعتراف العدو، و44 قتيلا لحديا و104 جرحى، كل ذلك اعتراف العدو، فيما نفذت المقاومة الاسلامية حينها 673 عملية.

      الملاحظة الاساس في تسلسل العمليات التي كان آخرها قبيل عدوان تموز، هي العملية الاستشهادية التي نفذت بتاريخ 19/3/1996 الساعة الثانية الا ثلثا ظهرا للشهيد علي اشمر في موكب اسرائيلي قرب موقع رب ثلاثين، ولوحظ حينها ان قناة الـ"سي. ان. ان" بدأت تبث قرابة منتصف الليل خبرا مفاده ان العملية العسكرية قد بدأت، هذا الكلام لم يتحقق وجرى نفيه، بل وتخريجه على قاعدة ان الاميركي ضغط لعدم تنفيذ العملية. وفي الواقع لم يكن الامر ضغطا اميركيا، وإنما كان يتعلق بموضوع اجرائي تكتيكي، فقد فوجئ الاسرائيلي في العام 96 بنموذج تنفيذ عملية استشهادية، فأخذ يراجع حساباته ويعدل خطة تنفيذ عملية "عناقيد الغضب". علما بأنه قبل تنفيذها بنحو شهر كان ينتشر نحو ستمئة مقاتل اسرائيلي في القطاع الغربي، فاستغني عن هذا العديد بسبب هذا النموذج الاستشهادي.

الأهداف التكتيكية لـ"عناقيد الغضب"

      لقد وضع العدو مجموعة اهداف استراتيجية عسكرية وسياسية، ولضمان نجاح هذه الاهداف رسم العدو خطة تكتيكية تتضمن عددا من الاهداف الميدانية وقسمها الى ثلاث مراحل وفق تطور الظروف والاحداث. الهدف الاول من المرحلة الاولى: ضرب مراكز يظن انها قيادية ولوجستية في بيروت والبقاع والجنوب.

      وكان يتوقع من هذا الإجراء شل القدرة العسكرية عند المقاومة الاسلامية. اضافة الى هذا الهدف، ومن ضمن المرحلة الاولى، جرى تهديد القرى بغية تهجير الناس وتخلية الشوارع لأجل استهداف المواقع العسكرية. اما النقطة الثالثة فهي السعي لضرب منصات صواريخ الكاتيوشا. والنقطة الاخيرة في المرحلة الاولى كانت الحصار البحري، وهذا الامر حصل من خلال قطع بحرية عملت على قصف الطريق الساحلي بمدافع من عيار 76 ملم.

      أما المرحلة الثانية من الخطة الميدانية فكانت قصف القرى وتهديد المدن، اضافة الى استهداف مرافق حيوية وحياتية، حيث شهدنا يومها قصف محطة بصاليم وخزان المياه في منطقة السلطانية. اما المرحلة الثالثة فكانت ارتكاب مجازر بحق المدنيين واستخدام صواريخ مؤقتة للغاية نفسها، مثل مجزرة سحمر، المنصوري، النبطية وأخيرا مجزرة قانا. النقطة الثانية من المرحلة الثالثة كانت قطع الطرقات، حيث استهدف العدو نحو 73 طريقا وجسرا تربط القرى والمدن في ما بينها، اضافة الى عملية "قنص" السيارات من دون تمييز لحصر التحركات الداخلية للسيارات والتنقلات العسكرية.

      من اجل تحقيق هذه الاهداف استخدم الاسرائيلي مجموعة اسلحة لم يكن قد استخدمها سابقا، منها القنابل الموجهة تلفزيونيا، اضافة الى قنابل موجهة بالليزر زنتها ألف وألفا باوند مخصصة لنسف الجسور. كما استخدم العدو طائرات الاواكس، القنابل العنقودية والمسمارية، ورادارات تستخدم لتحديد مواقع إطلاق صواريخ الكاتيوشا.

عوامل انتصار المقاومة

      اضافة الى ما تقدم، لا بد من ان نشير الى العوامل التي ادت الى فشل العدو وانتصار المقاومة في الجانب التكتيكي. اولا النقطة الاولى والاساس في مجموع هذه العوامل هي الاصرار والتصميم في حركة المجاهدين في المقاومة الاسلامية وأدائهم، دقة المقاومة في تقدير الاوضاع من خلال دراسة الوضع على الارض، وفي الجو بالمقابل فشل العدو في تقدير الاوضاع من خلال دراسة الامور الثلاثة التي ذكرت اعلاه.

      بالنسبة الى العدو، في ما يتعلق بموضوع الارض التي هي جبهة الجنوب والبقاع الغربي، فالجوانب التكتيكية للأرض وطبيعتها تفرض انه لا يمكن السيطرة على هذه الارض، إلا بهجوم بري، بينما اعتمد العدو في هجومه على سلاح الجو. الدراسة الثانية التي كان يفترض ان يأخذها بعين الاعتبار دراسة الجو، أي الظروف المناخية التي كانت تناسب الخطوات التنفيذية، اذ نلاحظ ان الظروف المناخية في فترة تنفيذ "عناقيد الغضب" أتت معاكسة تماما، وكانت تشكل ضررا على تنفيذ المهمات لسلاح الجو، حيث كان المناخ غائما ضبابيا، وماطرا في اكثر الاحيان. هذه الظروف المناخية بالاصل تؤثر سلبا على أي مهمة لسلاح الجو.

      النقطة الثالثة دراسة (العدو) أي دراسة مجاهدي المقاومة الاسلامية. ما اريد ان اقوله من كل ذلك انه حصلت تجربة قتالية شبيهة بـ"عدوان نيسان" في تموز 93، وكان على الاسرائيلي ان يأخذ بعين الاعتبار دراسة المجاهدين المقاتلين الذين يواجهونه، فتجربة الـ93 تعلم الاسرائيلي انه يواجه أناسا لا يخشون في الله لومة لائم.

      اثناء تنفيذ هذه المهمة اعتمد الاسرائيلي على تكتيك جوي وبري ومن خلال المراقبة والاستطلاع والرصد، منها ثبات المروحية في الجو لمراقبة التحرك وضربه، تحرك الطيران المروحي فور تلقيه معلومات عن حركة على الارض، اعادة الاغارة عدة مرات على موقع واحد، محاولة معرفة الوضع الميداني من خلال العملاء، استخدام الاواكس والاقمار الاصطناعية لارشاد الطائرات الى مكان اطلاق الصواريخ. وفي مقابل الفشل الذريع في تقويم وتقديرات اجهزة الاستخبارات لدى الجيش الاسرائيلي، كانت المقاومة الاسلامية تقدر بشكل فاعل مختلف الاوضاع.

      اما بالنسبة الى الارض فقد جرت الاستفادة بشكل كامل من طبيعة الارض والانتشار، فضلا عن ان تجربة تموز استفيد منها بشكل كبير.

      في موضوع الجو جرت الاستفادة القصوى من الظروف المناخية على قاعدة ان قطع الطرقات لم يؤثر سلبا على الاداء الميداني. هذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان هناك ضعفا في تقدير العدو الاسرائيلي للأوضاع.

      في موازاة هذه الاحداث لا بد من التوقف عند التصريحات التي واكبتها، ونذكر في هذا الشأن ان امنون شاحاك في 19/4/1996 كان اعتذر امام قائد القوات الدولية عن تنفيذ مجزرة قانا، ما اعتبر حينها بداية لهبوط المستوى العسكري الاسرائيلي. في 20/4/96 يوسي بيلين المكلف شؤون عملية التسوية يصرح خلاف اوري شامير ان ليس للعمليات اهداف غير فك قيود "تفاهم تموز". في اليوم نفسه، تتهم رئاسة اركان جيش العدو شعبة الاستخبارات العسكرية بعدم الثقة في تحديد قدرات حزب الله، ما انعكس فشلا على العملية العسكرية. وفي اليوم الحادي عشر من العملية العسكرية يقول نائب وزير الدفاع الاسرائيلي: كنا نعلم ان لدى حزب الله صواريخ كثيرة، لكن لم يكن أي منا يعتقد انه سيواصل القصف بهذه الوتيرة.. هذه الوتيرة هي احد الاجراءات التكتيكية التي مارستها المقاومة الاسلامية اثناء عدوان نيسان لضرب معنويات الجيش الاسرائيلي، وقد نجحت بشكل كبير في ذلك.

النائب الموسوي

      مقدم الندوة: شهدت ايام شهر نيسان عام 1996 حركة سياسية محمومة ترافقت مع التطورات العسكرية الميدانية التي شهدها لبنان.

      الا ان هذه الحركة السياسية لها ما سبقها، ابتداءً من اجتماع شرم الشيخ الذي شكل غطاءً دولياً ـ وعربيا للأسف ـ للعدوان الذي تلاه.

      مفردات هذه الحركة السياسية، معطياتها وأهدافها، ومن ثم النتائج التي اسفرت عنها، في مداخلة النائب السيد عمار الموسوي:

      نستطيع ان نلمح شبها كبيرا بين الاهداف والغايات التي رفعت في حرب نيسان 96 وتلك التي رفعت في حرب تموز 93، والهدف الاساس هو ضرب البنية التحتية للمقاومة الاسلامية باعتبارها العمود الفقري للمقاومة المنطلقة في جنوب لبنان والبقاع الغربي ضد الاحتلال وباعتبارها العنصر الذي بنيت عليه معادلة تلازم المسارين اللبناني والسوري. وإذا كانت حرب تموز 93 قد افضت الى ما سمي "بتفاهم تموز" الذي اطلق يد المقاومة بتوجيه الضربات ضد الاحتلال وكبل العدو في الرد على ضربات المقاومة، فإن حرب نيسان 96 التي فشلت في تحقيق أي هدف من اهدافها، اعطت شرعية دولية لعمل المقاومة، وكبلت بصورة كبيرة يد العدو، وأطلقت يد المقاومة. وهذا مكان يشكو منه قادة العدو السياسيون والعسكريون في كل مرة كان العدو يتعرض فيها لضربة قوية في جنوب لبنان، وتسقط خسائر جسيمة وكبيرة في صفوفه.

الخلفيات السياسية للعدوان

      الكل يتذكر ان حرب نيسان سبقتها مقدمة سياسية كانت تشير الى وجود تحركات في المنطقة تهدف الى احداث تحولات سياسية معينة في اطار المسعى الذي ترعاه الولايات المتحدة من اجل تهيئة ملفات معينة بهدف فرض تسوية بشروط ظالمة ومذلة بين "اسرائيل" وجماعة سلطة الحكم الذاتي.

      بعد مقتل رابين تسلم السلطة شيمون بيريز، وهو صاحب فكرة مشروع الشرق اوسطية واكبر المنظرين الاسرائيليين لهذا المشروع، واستطاع استنادا الى الاتفاقات التي حصلت مع الفلسطينيين والاردنيين ان يحقق اختراقات واسعة في الساحة العربية. ففتحت ابواب اكثر من عاصمة عربية للحضور الاسرائيلي من خلال افتتاح مكاتب تمثيل اسرائيلية في هذه العواصم، ومن خلال مؤتمرات دولية بحثت في قضايا التنمية. أي ان عملية التطبيع بدأت تغزو المنطقة وعواصمها، لكن بقيت هناك عقبة أساس، وهي العقبة القائمة في جنوب لبنان من خلال استمرار المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي. لقد اوقف شيمون بيريز المفاوضات فجأة، ولعله اوقفها لسبب جوهري، هو السبب نفسه الذي دفع ايهود باراك لإيقاف المفاوضات او للمماطلة في التزامات كان تعهد بها، ما حدا بالجانب السوري الى مقاطعة الجولات اللاحقة من المفاوضات، وهو ان ثمة التزامات معينة لا بد من ان يتخذ الطرف الاسرائيلي فيها موقفا واضحا وصريحا قبل ان تستأنف المفاوضات للبحث في تفاصيل الملفات العالقة. شعر شيمون بيريز بأنه غير قادر من خلال تصاعد وتنامي المعارضة الاسرائيلية على ان يستأنف المفاوضات بدءا من النقطة التي توقفت عندها قبل مقتل اسحاق رابين، أي المشكلة نفسها تتكرر، القيادة الاسرائيلية تتخوف من ردود الفعل التي يمكن ان تنجم نتيجة قرار العدو الاسرائيلي الانسحاب الى ما بات يعرف بخط الرابع من حزيران وما يرتبط به من مشكلة سيادية في موضوع بحيرة طبريا ومنطقة الحمة في الجولان. وسبق حرب "عناقيد الغضب" مؤتمر او لقاء دولي عقد في شرم الشيخ شاركت فيه ثلاثون دولة عربية وأوروبية والولايات المتحدة الاميركية ممثلة برؤساء ورؤساء وزراء ووزراء خارجية وأمراء، وكان واضحا ان الغاية من هذه القمة التي حضرت لها الولايات المتحدة الاميركية هي اعطاء الزخم للتسوية، ولكن الهدف الحقيقي من هذه القمة كان عزل ومحاصرة القوى المناهضة للتسوية، وفرض حصار سياسي على سوريا لانها رفضت في ذلك الوقت الدعوة الى حضور هذه القمة.

قمة شرم الشيخ

      بدأت مفاعيل قمة شرم الشيخ تظهر في الاراضي الفلسطينية المحتلة من خلال الحرب التي شنت على القوى الفلسطينية، وتحديدا حركتي الجهاد الاسلامي و"حماس" من خلال الاعتقالات الواسعة والاغتيالات ومداهمة المؤسسات حتى المدنية منها، كان واضحا ان هناك حربا لضرب البنى التحتية العسكرية والمدنية لهذه الحركات المجاهدة من اجل تقويض مكانتها ووقف كل انواع النشاط الذي تقوم به. ومن ثم كان واضحا ان العدو يتجه نحو تصعيد الموقف في جنوب لبنان لاستدراج المقاومة الى مواجهة تعطي العدو المبرر الذي من خلاله يتمكن من شن حرب على لبنان تهدف بشكل اساس الى ضرب البنية التحتية للمقاومة، وبالتالي الى فصل المسارين اللبناني والسوري وبالنهاية الى عزل سوريا وجعلها ترضخ للشروط الاسرائيلية في ما يتعلق بالتسوية.

      كان خرق "تفاهم تموز" قد اصبح منهجا يوميا لقوات الاحتلال، وفي المقابل، فإن المقاومة شعرت بأن الاسرائيليين يحاولون إما ان يعدلوا "التفاهم" وبالتالي ان يفرضوا على المقاومة بشكل تدريجي منطقا جديدا في المواجهة، واما ان يدفعوا المقاومة الى الرد فينجر الامر الى حرب ومواجهات واسعة. اختارت المقاومة الخيار الثاني لانه مهما كانت كلفة الحرب فهي تبقى اقل بكثير من ان يستطيع العدو فرض "تفاهم" جديد ومعادلة جديدة قد تفضي الى وقف المقاومة كليا، وهذه هي النتيجة التي كان العدو يريد تحقيقها من خلال حرب "عناقيد الغضب". طبعا كانت هناك تلميحات وتحذير من امكانية نشوب الحرب في محاولة للضغط على لبنان من اجل لجم المقاومة ووضع حد لها، لكن المقاومة تمسكت بحقها في العمل العسكري من جهة، وفي الرد على استهداف العدو للمدنيين من اجل تثبيت معادلة تفاهم تموز، ونذكر بأن هذا التفاهم غير مكتوب، لكنه "تفاهم" شفهي حكم معادلة المواجهة منذ تموز 93 الى نيسان 96.

      وفي لبنان كانت حرب "عناقيد الغضب" التي كانت الغاية منها بشكل اساس ضرب البنى التحتية وشل قدرة المقاومة على مواصلة عملياتها الجهادية ضد قوات الاحتلال. وطبعا كان هناك تأييد عربي ضمني لهذه الحرب، والمبرر لهذا التأييد كان ان فرصة "السلام" الوحيدة المتاحة هي ان ينجح شيمون بيريز في الوصول الى موقع رئاسة الحكومة، لكونه الاسرائيلي الوحيد الذي يملك قابلية ومرونة تمكنه من ان يدخل "اسرائيل" في تسوية مع جيرانها العرب.

تقهقر أهداف العدو

      بدأت هذه الحرب كما ذكرنا بهدف اساس هو ضرب البنى التحتية للمقاومة، لكن بعد ذلك بدأنا نشاهد او نسمع او نعاين كيف ان الاهداف الاسرائيلية بدأت تتدحرج وتتراجع خطوة خطوة الى الوراء، كان الهدف الاساس هو ضرب المقاومة والبنى القيادية للمقاومة، ثم دخلنا بعد ذلك لوقفها عسكريا. وأيضا بدأ الحديث عن وقف استهداف الجنود الاسرائيليين. وكان آخر الاهداف في الايام الاخيرة من الحرب هو وقف تساقط صواريخ الكاتيوشا على المستعمرات.

      طبعا كان لدى العدو خطأ كبير في تقدير قدرات المقاومة، وتحديدا خطأ في تقدير حجم ما تملكه المقاومة من صواريخ كاتيوشا جاهزة للإطلاق، اعتقد الاسرائيليون ان مخزون المقاومة من صواريخ الكاتيوشا قد ينفد خلال ايام قليلة، وبالتالي تستطيع قوات الاحتلال ان تحقق احد اهداف الحرب عن طريق الصدفة، أي انها اذا ما تمكنت من خلال القصف والغارات الجوية من ان توقف المقاومة عن قصف الصواريخ على المستعمرات فهي ستصل الى نتيجة وقفها من خلال نفاد مخزون المقاومة من الصواريخ، لكن هذا كان خطأ كبيرا في التقدير.

      ونتذكر ايضا في بداية المعركة كيف ان وزير الخارجية الاميركي وارن كريستوفر اتصل بوزير الخارجية السوري فاروق الشرع اثناء انتقاله بالطائرة مع الرئيس الاميركي كلينتون الى بعض دول شرق آسيا، وأبلغه انه اذا ما كان لديكم من اجابات فبإمكانكم ان تتصلوا على الرقم التالي، بمعنى انه اذا قررت سوريا ومعها لبنان والمقاومة في لحظة من اللحظات ان تقبل بالشروط الاسرائيلية ووقف النار تحت ضغط الضربات الاسرائيلية والموافقة على الشروط الاسرائيلية، فبإمكانكم ان تتصلوا بنا، بالادارة الاميركية لإبلاغها ذلك.

      بتقديرنا فإن الولايات المتحدة الاميركية التي اعطت الضوء الاخضر ووفرت الغطاء لـ"اسرائيل" في حربها على لبنان، كانت تقديراتها تقوم على معطيات قدمها الاسرائيلي بأن الحرب يمكن ان تحسم خلال ايام، وإذا ما طالت فإنها لن تزيد عن اسبوع او عشرة ايام، باعتبار ان مخزون المقاومة قد ينفد خلال هذه المدة، وتكون "اسرائيل" قد فرضت المعادلة قبل ان يصحو المجتمع ويبدأ التململ في الشارع العربي لمواجهة هذه الحرب.

المجازر تفضح السلام اليهودي

      لكن الحرب طالت اكثر مما توقع الاسرائيليون، وبدأت آثارها بالظهور، ومن هنا علينا ان نطل على قضية مجزرة قانا والمجازر التي ارتكبت ودورها في فضح هذه الحرب والنيات الاسرائيلية وفي قلب الصورة والمعطيات، بمعنى ان شيمون بيريز تحول من رجل "السلام" المطلوب من العالم ان يصطف خلفه وأن يدعم ويساند حربه ضد حزب الله والمقاومة الاسلامية، الى رجل ارهاب تلوثت وتلطخت يداه بدماء الابرياء في قانا.

      مما لا شك فيه ان الجرائم الصهيونية التي ارتكبت خلال حرب نيسان ساعدت اكثر في قلب الصورة، وفي تشكل مناخ رأي عام دولي وعربي، وضغط من اجل التعجيل في وقف الحرب ورضوخ "اسرائيل" لمعادلة متوازنة بنسبة كبيرة، لذا وجدنا ان "اسرائيل" بدأت تستعجل وقف الحرب من دون ان تكون قد تمكنت من تحقيق أي من الاهداف حتى الدنيا منها.

      طبعا على هامش هذه المواجهة التي دارت. بدأت المفاوضات ولكن بظروف مختلفة عن المفاوضات التي كان يسعى إليها وزير الخارجية الاميركي وارن كريستوفر، فهو قطع جولته لشرق آسيا وعاد سريعا الى المنطقة ليطلب مقابلة الرئيس السوري حافظ الاسد، وليلتقي بعد ذلك بالمسؤولين اللبنانيين في البقاع. طبعا كان الموقف الاميركي والاسرائيلي بدأ بالتراجع لكنه كان لا يزال في لحظة من اللحظات متمسكا بشروط ليس اقلها وقف عمليات المقاومة، لكن بعد ان كان هناك اطمئنان على المستوى السياسي الى ثبات الموقف الميداني، وبعد ان تم استيعاب موجة النزوح على لبنان، كان الموقف يسمح بمزيد من التصلب في المفاوضات، وبالتالي المزيد من الزيارات التي قام بها كريستوفر لدمشق، حيث كان يعود بعد كل مرة خالي الوفاض وغير قادر على تسويق أي من الشروط الاسرائيلية (..).

      بالنتيجة كانت هناك محاولة انقاذ لماء الوجه الاسرائيلي، لكن في المقابل كان هناك إصرار على ان ما لم تتمكن "اسرائيل" من فرضه بقوة النار لا يمكن منحها اياه على طاولة المفاوضات. ونذكر جميعا ان كريستوفر في احدى سفراته وصل الى دمشق، لكن الرئيس حافظ الاسد رفض مقابلته لسبب أساس هو انه كلف الوزير الشرع ان يستمع الى ما في جعبته من افكار جديدة تتعلق بوقف اطلاق النار، وعندما علم الرئيس الاسد ان لا شيء جديدا يحمله ابلغ هذا الاخير الشرع ان يقول لكريستوفر ان الرئيس الاسد ليس لديه وقت يضيّعه، وبالتالي ليست هناك امكانية لاستقباله. وكانت تلك رسالة واضحة للأميركيين والاسرائيليين تؤكد صلابة الموقف السياسي المبني على صمود الموقف العسكري.

الوحدة الوطنية

      ايضا هناك ملمح ايجابي تجلى في حرب نيسان بصورة كبيرة، ربما لم يكن لها مثيل في حرب تموز 93، وهو الوحدة الوطنية التي كانت في أبهى صورها، بحيث غابت كل الخلافات الداخلية بل اضمحلت، وحصل إجماع واضح. على الرغم من ذلك ـ للاسف ـ ظهرت هناك مواقف سياسية للبعض، حيث جرت محاولة في اليومين الاولين من الحرب لإعلان وقف اطلاق النار من جانب واحد، أي للإقرار بالشروط الاسرائيلية وبالهزيمة، وحصل هناك سجال في الموقف اللبناني الا انه جرى تطويقه والعزوف عن اتخاذ مثل هذا الموقف.

      احدى صور الوحدة الوطنية تلك الفتاة في المنطقة ذات اللون الواحد التي لها ملاحظات على المقاومة، والتي تبرعت بمبلغ مالي لشراء صواريخ كاتيوشا. ايضا من مظاهر الوحدة الوطنية كان انعقاد مؤتمر وطني لدعم المقاومة في اوتيل "ألكسندر" وهو الفندق الذي أعلن منه ارييل شارون وكان وزيرا لحرب العدو ـ "رزمة" شروط على لبنان وعلى الوجود الفلسطيني، وتحول يومها الى غرفة عمليات للعدو الاسرائيلي في العام 82. وكان المقصود من انعقاد المؤتمر الوطني في هذا الفندق تحديدا هو توجيه رسالة واضحة مفادها ان لبنان الذي كان منقسما قبل وفي العام 82 حول الموقف من "اسرائيل"، هو اليوم بلد موحد، وكان ذلك دلالة بالغة، من دون ان ننسى المجازر التي حصلت وحركت الرأي العام من تظاهرات واسعة لدى الجاليات اللبنانية والعربية، حتى بدأ التعاطف يظهر في الاوساط الغربية، وبالتالي كان ذلك عناصر تضغط على العدو من اجل استعجال وقف الحرب، وبالتالي وقفها بـأي ثمن. حتى بدا في النهاية ان لا مطلب للعدو الا وقف تساقط صواريخ الكاتيوشا على المستعمرات، بعد ان استطاعت المقاومة تحويل الحياة في هذه المستعمرات الى جحيم، وبالتالي منع أي شكل من اشكال الحياة الطبيعية فيها، وذلك في رد على محاولة العدو تحويل حياتنا كلبنانيين الى جحيم.

ولادة "تفاهم نيسان"

      المفاوضات الشاقة التي حصلت افضت الى ما بات معروفا وهو "تفاهم نيسان" وهو تفاهم مكتوب رسمي جرى بين الحكومة اللبنانية والاسرائيليين من دون ان تكون هناك مفاوضات مباشرة، لكن كان هناك وثيقة وقعها الطرفان الاميركي والفرنسي. في هذه المفاوضات استطاعت سوريا ولبنان ان يفرضا دخول طرف لم يكن مرغوبا به على المستوى الاميركي والاسرائيلي وهو الطرف الفرنسي، وكان المفترض من ادخال الطرف الفرنسي في لجنة "التفاهم" هو ايجاد عنصر توازن في هذه اللجنة التي ستتولى مهمة متابعة الاوضاع الميدانية. وبالفعل في تلك الفترة كان الموقف الفرنسي بشكل عام متوازنا بدرجة كبيرة ومتعاطفا خصوصا نتيجة المجازر التي ارتكبت في لبنان. وما نص عليه "اتفاق نيسان" يشكل اعترافا بمشروعية عمل المقاومة حتى لو سميت بنص "التفاهم" بالمجموعات المسلحة. في المقابل نص "التفاهم" على تجنيب المدنيين كل اشكال تعريضهم للخطر، وهذا ما كانت تسعى إليه المقاومة باعتبار انوها كانت ترفع دائما شعار اننا لا نستهدف المدنيين الا في اطار حماية مدنيينا في الرد على قوات الاحتلال، وبالتالي عندما حيّد "تفاهم نيسان" المدنيين في الجانبين، فإن ذلك كان يمثل انتصارا للمقاومة التي وجدت ان الفرصة امامها كبيرة لكي تكمل مسيرتها في ملاحقة الجنود الصهاينة والعناصر اللحدية التي تعمل تحت امرتها. والجدير ذكره هنا ان العدو عندما حاول ان يطرح معادلة كريات شمونة ـ بيروت ـ رفضها حزب الله، وأكد ان المعادلة هي كريات شمونة والمنطقة المحاذية للشريط المحتل، أما استهداف بيروت فإن الرد عليه يكون بوسائل وأدوات اخرى. ويومها استدعت قيادة المقاومة سرايا الاستشهاديين، وبالفعل كانت هناك تحضيرات لعمل ما كان من شأنه ان يغير الكثير من معطيات المواجهة التي كانت قائمة آنذاك.

      نحن نعتقد ان "تفاهم نيسان" حمى المقاومة وشرع عملها، وأوجد صيغة دولية ولو انها غير فاعلة ومؤثرة لكن الصيغة كانت مقبولة الى درجة كبيرة، وقادرة ـ ولو بالحدود الدنيا ـ على منع وكبح جماح الاندفاعة الاسرائيلية في اتجاه استهداف المدنيين اللبنانيين.

      نستطيع القول ايضا ان "تفاهم نيسان" في نتائجه، هو احد الاسباب التي ادت الى الهزيمة السياسية النكراء التي اصيب بها رئيس وزراء العدو السابق بنيامين نتنياهو، فالاخير الذي لم يملك أي مبادرات لإيجاد مخارج للتسوية من الطريق المسدود الذي وصلت إليه، كان يجد نفسه في المقابل مكبلا وغير قادر على ان يقوم بأي اعمال عسكرية للرد على المقاومة، فبين انسداد آفاق التسوية والضربات المتلاحقة لأبطال المقاومة الاسلامية، وجد نتنياهو شعاراته تتبعثر وتتهاوى، وبالتالي لم يعد يجد امامه سوى الدعوة لانتخابات مبكرة لتكون هذه الانتخابات فخاً يسقط فيه.

ما أشبه اليوم بالأمس

      اختم لاقول: ما اشبه اليوم بالامس، وما اشبه صورة إيهود باراك بصورة شيمون بيريز، لجهة إعطائه فرصة من اجل تمكينه من صناعة "السلام" ولكننا نكتشف مع قادة الصهاينة ان المجتمع الصهيوني لا يزال غير متقبل لفكرة "السلام" القائم على اساس اعادة الحقوق المشروعة الى اصحابها. نحن لنا وجهة نظر اخرى في السلام"، ولكن حتى "السلام" بالصيغة التي تطرح والتي على أساسها حصل مؤتمر مدريد، ما زال مرفوضا من الاسرائيليين. نعم هناك "سلام" آخر يمكن ان يكون مقبولا، وهو الذي تزعم "اسرائيل" انها صنعته مع الفلسطينيين والاردن، وهو "سلام" يقبل  فيه أي طرف عربي بأن يتنازل بصورة كاملة عن المطالبة بأي حق من الحقوق المشروعة، وأن يسلم  بالشروط الاسرائيلية.

      اليوم تزعم "اسرائيل" انها تريد ان تطبق القرار 425، ولكن في الحقيقة تريد ان تغادر هذه الارض بعد ان اكتشفت ـ بصورة نهائية ـ انه لن يكون هناك أي امكانية لاحتلال هادئ وآمن، بل سيكلفها المزيد من الخسائر والضربات. لذلك فالانسحاب من جنوب لبنان ليس تطبيقا للقرار 425، وانما هو قرار امام ضربات المقاومة، وليس مؤشرا الى نيات "اسرائيل" السلمية. ان "اسرائيل" وهي تفكر في القيام بالانسحاب من جنوب لبنان، تسعى لزرع اكثر من فخ والقيام بأكثر من مناورة، بهدف خلق مجموعة من المشكلات والتعقيدات في وجه لبنان وسوريا، وان تتخلص من هذه المشكلة التي اوقعتها بها المقاومة.

                العميد علي حرب

      مقدم الندوة: ليس عدوان نيسان حركة مفردة، وانما هو حلقة في سلسلة الاعتداءات الصهيونية، كما انه جزء من الية مشروع خطير هو المشروع الصهيوني الذي فرض نفسه على منطقتنا مستفيدا من دعم دولي على الكثير من المستويات.

      المشروع الصهيوني العسكري بخطوطه العريضة، عدوان نيسان كجزء من آلية هذا المشروع، وكيفية مواجهة هذا الخطر، في مداخلة العميد علي حرب:

      بالنسبة الى المشروع الاسرئيلي العسكري، انا اقول انه لا مشروع عسكريا لدى "اسرائيل"، لانها هي بحد ذاتها مشروع عسكري قائم، واي هزيمة تلحق بهذا المشروع تعني نهاية لـ"اسرائيل". فكل الجهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو لخدمة هذا المشروع العسكري. استنتاجا يمكن القول ان المشروع العسكري هو نقيض "السلام" وهو رديف الامن، لذلك نقول ان لدى "اسرائيل" مشروعا امنيا عسكريا لا سلميا. وفي الاصل بدايات "اسرائيل" تدل على ذلك، فكل زعمائها السياسيين هم عسكريون، والكلمة الاولى في "اسرائيل" هي للجيش الذي يحدد سياستها. واذكر هنا كلاما لـ"بن غوريون" قال فيه: "بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار تقوم يهودا"، وكلاما اخر لـ"مناحيم بيغن" يقول: "نحن نحارب اذاً نحن نكون".

      اذاً، انطلاقا من ان "اسرائيل" مشروع عسكري بحد ذاته، ما هي الاستراتيجية لخدمة هذا المشروع القائم على مبدأين: المبدأ الاول هو تأمين

تفوق عسكري اسرائيلي دائم وكاسح على كل العرب. المبدأ الثاني احتلال الاراضي للتفاوض عليها مقابل الامن والمياه لا مقابل "السلام". اذاً "السلام" غير موجود في القاموس الاسرائيلي، وقبل الحديث عن كيفية نجاح هذا المشروع لا بد من الاشارة الى الاخطار التي تتهدده وهي ثلاثة:

      اولا: وحدة العرب السياسية والاقتصادية والعسكرية، هذا الخطر استطاعت "اسرائيل" ان تمنعه منذ البداية. وبرأيي سيمر وقت طويل قبل ان يعود ويتحقق هذا الهدف (الوحدة العربية).

      ثانيا: امتلاك العرب السلاح النووي. و"اسرائيل" منعت وستمنع في المستقبل العرب من ان يمتلكوا السلاح النووي.

      ثالثا: خطر المقاومة، لأنها بديل عن وحدة العرب والسلاح النووي.

      منذ العام 82 لغاية اليوم ماذا فعلت المقاومة، خصوصا في التسعينيات؟

      لقد استطاعت المقاومة ان "تخربط" وتضرب هذه الاستراتيجية الاسرائيلية، كيف ذلك؟

      اولا: الحقت هزائم عسكرية بالجيش الاسرائيلي لاول مرة في تاريخه، قبل ذلك ـ للأسف ـ كانت "اسرائيل" قد اكتسبت عطف الدول الاوروبية والغربية بانتصاراتها العسكرية على العرب. وكنا نحن نخضع لدورات عسكرية في التسعينيات. السؤال اختلف.. من هو حزب الله، وكيف استطاع ان يسجل هذه الانتصارات؟ اذاً الخطر الاكبر على المشروع العسكري الاسرائيلي هو انهزامه امام عمليات حزب الله.

      والامر الثاني الذي نجحت المقاومة فيه هو انها عطلت الورقة التفاوضية الوحيدة لـ"اسرائيل" في احتلالها للاراضي والتفاوض عليها، بل اصبح الاحتلال عبئاً عليها، وورقة بيدنا نحن.

      ثالثا: ان المقاومة أسست لفكرة احتمال انتصار العرب يوما ما على "اسرائيل" وهزت صورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر.

      وعندما تضعضع المشروع العسكري الصهيوني كان لا بد من ان يكون هناك رد فعل لـ"اسرائيل"، وقد تمثل بالعمليات الخاصة التي نفذتها وحدات اسرائيلية ضد بعض كوادر وزعماء حزب الله كي تعيد تلميع صورتها في الخارج، ثم حرب تموز ونيسان، ولا اسميها عمليات عسكرية، بل هي حروب وامتدادات لحربي الـ76 و73. الهدف كان الحاق الهزيمة العسكرية بحزب الله، وفي حال الفشل فك الارتباط بين المقاومة والدولة والجيش اللبناني من جهة والناس من جهة اخرى، لكن اعتماد الدولة على الخيار الوطني احبط هذا الهدف الذي كانت "اسرائيل" تراهن كثيرا على تحقيقه، لان الدولة المتمثلة برئيس جمهورية مسيحي وبقائد جيش مسيحي اصبحت منسجمة بعد اتفاق الطائف. ونريد ان نسجل انه بعد مجيء العماد لحود الى رئاسة الجمهورية تكرس هذا الموضوع نهائيا، وبرأيي فإن العماد لحود ـ قبل ان يكون رئيسا للجمهورية ـ قد وضع سقفا لا اعتقد ان أي رئيس جمهورية  بعد الان يقدر على التراجع عنه.

      اذاً فشلت "اسرائيل" في فك الارتباط مع الدولة والناس، وبرأيي الفضل يعود الى حزب الله وخطابه السياسي الذي نأى عن الطائفية، بل ان عمله كان لمساعدة الناس خلال الحرب بتقديم جميع وسائل المساعدة في غياب الدولة، ومحافظته على الممتلكات وحرصه الكبير على المدنيين، لأننا شاهدنا عمليات لمقاومات من قبل، بحيث كانت تنطلق صواريخ الكاتيوشا من دون الاخذ بعين الاعتبار طبيعة اطلاق هذه الصواريخ وردود الفعل عليها.

      اذاً شنت "اسرائيل" حربي تموز ونيسان وفشلت في تحقيق الاهداف المتوخاة منهما، ورد الفعل الذي قامت به كان لخدمة استراتيجيتها التي تمثلت بحماية نفسها من الهزيمة العسكرية التي نجحت المقاومة في الحاقها بها وبدأت تهز صورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر في الغرب، فأعادت او اخترعت عنوان الارهاب، فـ"اسرائيل" تفضل مئة مرة ان تكون مهزومة امام الارهاب من ان تكون مهزومة امام المقاومة، لان الارهاب غير محدد في العالم، ثم ان اميركا ذاتها انهزمت امامه، لذا لا ضير في ان تكون "اسرائيل" قد انهزمت امام الارهاب. من هنا جاء توصيف كلينتون واولبرايت عمليات حزب الله بالارهاب، واخيرا جوسبان وتصريحه الذي اعتبر "زلة لسان"، لكنه في الواقع يقع في السياق الاسرائيلي الكبير لتلميع صورة العدو، وهي كانت بمثابة قنبلة دخانية لتغطية الانهزام الصهيوني من خلال التصوير ان الانهزام امام الارهاب لا المقاومة، لاجل ذلك دفعت "اسرائيل" مليارات الدولارات، ومئات الالوف بل الملايين من الاصوات لمصلحة كلينتون في معركته الانتخابية لنائبه، ولمصلحة جوسبان.

      من الضرورة بمكان ان نتطرق الى السبب وراء عدم قدرة "اسرائيل" على ان تفك الارتباط بين الجيش اللبناني والمقاومة، فقبل مجيء العماد لحود الى قيادة الجيش كنت مسؤولا عن الاعلام والتوجيه منذ العام 87، وحين تسلمت مسؤوليتي راجعت كل مجلات الجيش السابقة، فكان ممنوعا علينا ان نصف الجيش الاسرائيلي بالعدو الاسرائيلي، حتى في جميع المشاريع القتالية التي كنا ندرسها في المدرسة الحربية، كان يمنع علينا ذكر هذا الامر، بل كنا نرمزه بمصطلح انه "عدو احمر من الجنوب".

      لقد قلب الجيش اللبناني منذ مجيء العماد لحود العقيدة الوطنية رأسا على عقب، وانطلق من ثابتة هي معرفة العدو من الصديق، ولم يتردد العماد لحود في تطبيق هذه الثابتة، فالرجل تربى في بيت وطني، ولم يشارك في الحرب اللبنانية، بل التزم منزله في المنطقة الغربية، واعتبر ان عدونا هو "اسرائيل"، والحليف سوريا. ومن خلال حربي تموز ونيسان كان هناك احتضان كبير للمقاومة، في وقت كادت تحصل اخطاء عدة للادارة السياسية اللبنانية من ارسال الجيش الى الجنوب، انما من انقذ الامر وحافظ على المقاومة ومنع تجميد العمل المقاوم هو العماد لحود.

      الجيش اللبناني في عملية "عناقيد الغضب" اوامره كانت مرتكزة على ثلاثة مبادئ: الرد على الاعتداءات، الصمود في المراكز، ومساعدة المواطنين. ومنذ اليوم التالي لحرب "عناقيد الغضب" وجه العدو الاسرائيلي انذارات توحي بان الجيش غير معني بهذه الحرب، وليس عدوا لنا، كنا نرد فورا ونقول ان هذا القول صار من الماضي، اصبحت لدينا عقيدة جديدة، فنحن معنيون بهذه المعركة، وبالتالي كنا ننفذ الاوامر الثلاثة، وسقط لنا في عملية "عناقيد الغضب" خمسة شهداء، وثلاثة عشر جريحا بينهم ضابطان. كما جرى استهداف العديد من مراكزنا في عين بوسوار ـ صور ـ مثلث حومين الفوقا ـ صربا ـ عين قانا ـ حبوش ـ البازوريةـ المنصوري الى آخره..

      لقد دفعت هزيمة "اسرائيل" في "عناقيد الغضب" بأحد المراسلين الاجانب ليقول "ان "اسرائيل" بدأت بحرب عناقيد الغضب ضد حزب الله، وانتهت بعناقيد الهرب من غضب الله".

      ختاما اقول: ان المقاومة قدمت خدمة كبيرة جدا للعرب الذين حان الوقت لان يستيقظوا و"يردوا الجميل"، فيكونوا سنداً للمقاومة.