|
تشرين الاول - الجمعة 27/10/2000 فتح
البرغوثي: انشقاق ام توزيع ادوار؟
|
|
كشفت انتفاضة الاقصى المباركة عن صعود
بارز لتنظيم فتح في الاراضي المحتلة، حيث
تصدر الى جانب الفصائل الاسلامية والوطنية،
المواجهات الدموية مع قوات الاحتلال
الصهيوني، واظهر خطاب بعض رموزه البارزة في
التعاطي مع الاحتلال تشددا واضحا، سواء في
الاسلوب او المضمون، ما ميزه عن الخطاب العام
الصادر عن اقطاب السلطة الفلسطينية وقيادات
منظمة التحرير.
لقد اثار هذا الامر المستجد الذي سلطت
عليه الاضواء مختلف الوسائل الاعلامية
المواكبة للمواجهات الميدانية، تساؤلات
كثيرة، وبرز اكثر من تحليل وقراءة لفهم
طبيعته وخلفياته. غير ان ما طرح في هذا المجال
بقي اسير النظرة المجتزأة، وخاضعا للميول
والاتجاهات السياسية لاصحاب التحليل، ما حال
دون فهم الظاهرة بطريقة موضوعية.
فالبعض يرى ان رئيس السلطة الفلسطينية
ياسر عرفات، سياسي ماهر، يتقن فن توزيع
الادوار بين القيادات الفلسطينية بين "متشدد"
و"معتدل"، وذلك من اجل تعزيز موقعه في
العملية التفاوضية، لذا فالتشدد الذي يمثل
السمة الاساسية في خطاب قيادات تنظيم فتح في
داخل فلسطين، وخصوصا مواقف مروان البرغوثي
امين سر اللجنة العليا للتنظيم، واحد ابرز
رموز هذه الظاهرة داخل فتح، ما هو الا من قبيل
تأدية دور رسم بعناية من عرفات، باعتبار انه
لا بد من مواجهة التصعيد الصهيوني بتصعيد
فلسطيني مقابل. في حين يرى البعض الاخر ان
انقساما حقيقيا حدث داخل "فتح"، وان
عرفات بات عاجزا عن الامساك بتحرك هذا التيار
الذي يمثل البرغوثي قائدا حقيقيا له.
على ان قراءة الوقائع بشكل شمولي تشير
بوضوح الى ان ثمة جيلا جديدا من فلسطينيي
الضفة الغربية وقطاع غزة اخذ يمسك شيئا
بقيادة فتح في الداخل، ويعبر عن هذا الجيل
وجوه فلسطينية واكبت العمل الطلابي والسياسي
ضد الاحتلال منذ بدء الانتفاضة الاولى عام 1987،
ومن هذه الوجوه مروان البرغوثي وحسين الشيخ
ودلال سلامه وغيرهم. وطالما وجهت القيادة
الاسرائيلية شكاوى متواصلة من "البرغوثي"
و"الشيخ" كمسؤولين عن المواجهات مع
الجيش الصهيوني.
عند قراءة ادبيات هذا التيار، يلاحظ
فعليا تمايزه الاساسي عن التوجهات العامة
للسلطة وحركة فتح التي يمسك عرفات بمقاليدها.
ويسجل هذا التيار على القيادة الحالية النقاط
الاتية:
ـ ان هذه القيادة استبعدت عن المواقع
والقرار قيادات فتح في الداخل، برغم انها هي
التي قادت العمل العسكري والتنظيمي
والانتفاضة عبر ثلاثين سنة في فلسطين،
ومنعتهم من الوصول الى اللجنة التنفيذية والى
منظمة ومؤسسات مجلس الوزراء والادارات
والمواقع داخل فتح. وتشير هذه النقطة الى
استناد هذا التيار الى "عصبية الداخل"
كعنوان من عناوين هويته.
ـ ان هذه القيادة امسكت بالسلطة واختزلت
كل التنظيمات الفلسطينية، حتى انه لم يبق الا
حزب واحد هو حزب السلطة.
ـ ان الفساد الذي عشش في منظمة التحرير
نقل الى السلطة وعشش في كل مؤسساتها.
ـ غياب المشاركة في القرار، واستئثار
عرفات به، الى درجة ان امين سر اللجنة
المركزية لحركة فتح فاروق القدومي، لم يعلم
باتفاق اوسلو الا من الصحافة.
ـ ان السلطة تعمل بالتنسيق مع اجهزتها
الامنية، على منع تطوير حركة فتح، وتحاول
اضعافها.
في ضوء ما تقدم، يبدو بوضوح وجود صراع حاد
داخل فتح حول هذه التوجهات، التي لا يدخل
اتفاق اوسلو ضمن عناوينها. وبحسب البرغوثي،
فان هذا الاتجاه يشدد على "الاولويات
الوطنية واستكمال الحرية والاستقلال واقامة
نظام ديموقراطي وتعددية سياسية". ويؤكد ان
العمل المؤسسي غير ممكن ما دام عرفات هو
القائد والرمز للشعب الفلسطيني. اللافت ان
هذا الاتجاه، برغم ادانته وانتقاده للسلطة،
يعلن ان لا بديل في المرحلة الحالية عن قيادة
عرفات التاريخية.
ومما لا شك فيه ان عرفات لا يطمئن الى هذا
التوجه الجديد والمتنامي داخل حركة فتح،
والذي اخذ يشكل معارضة فعلية للسلطة المؤلفة
من المحاسيب والازلام والبطانة. وبالفعل فقد
اخذ ينمو تحالف داخل السلطة، بالتعاون مع
الاجهزة الامنية بشكل رئيسي، بسبب ما يجمعهما
من مصالح اقتصادية وسياسية، يستهدف الضغط على
هذا الاتجاه ومحاصرته.
وما يثير الحذر عند السلطة، ان هذا التيار
يمسك بلجان الشبيبة التابعة لحركة فتح في
الاراضي المحتلة، ويعمل على تكوين لجان مسلحة
تحمي الشعب الفلسطيني من بطش قوات الجيش
والمستوطنين الصهاينة. الا ان عرفات في ظل
اشتعال الانتفاضة، يسعى الى توظيف جهود هذا
التيار في اطار مشروعه، وذلك بالاستناد الى
قدراته في الاستقطاب والمواجهة، وذلك لتعزيز
وضعه التفاوضي مع العدو الصهيوني، والحيلولة
دون استفراد التيارات الاسلامية الجهادية في
قيادة الانتفاضة، الامر الذي يهدد عملية
التسوية بالسقوط.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فان رئيس
السلطة الفلسطينية يعمل على استيعاب هذا
التيار واحتوائه، خصوصا انه في توجهه الرئيسي
يقف مع التسوية بشكل عام، ويركز اهتمامه على
الاصلاحات السياسية، وذلك فضلا عن كون الضغط
عليه يصطدم بمحاذير، منها ما يعود الى التخوف
من انشقاقات تؤذي السلطة وتعزز من وضعية
التيارات الاخرى، ومنها ما يعود الى
الالتفتاف الشعبي الواسع حول هذا التيار، لا
سيما ان لرموزه تاريخا مقاوما، كالبرغوثي
الذي سجنته قوات الاحتلال 6 سنوات ونفي الى
خارج فلسطين 7 سنوات اخرى. كما انها لم تتلوث
مثل بعض رموز السلطة واجهزتها الامنية في
التعاون الامني مع الموساد والاستخبارات
المركزية، التي ذهب ضحيتها العديد من
المجاهدين.
واخيرا، فمن المؤكد ان هذا التيار وبفعل
دوره الاساسي في انتفاضة الاقصى، قد مد جذوره
عميقا في الشارع الفلسطيني، واخذ في ضوء
المجازر الاسرائيلية، يعطي الاولوية لمواجهة
الاحتلال، وشعاراته المطروحة حاليا من قبيل
"لا يجب القبول باشتراط وقف الانتفاضة
لمعاودة المفاوضات"، او شعار "آن الاوان
لان يرتقي مستوى القرار السياسي الى مستوى
الدم الفلسطيني" ما يحد من حرية حركة
السلطة في تقديم تنازلات جدية، مع الالتفات
الى ان أي عودة للمفاوضات قد يكون من بينها
اضعاف هذا التيار كشرط اسرائيلي اساسي،
وخصوصا ان رئيس الوزراء الاسرائيلي
ايهود باراك، قد اعتبر "البرغوثي"
محرضا اساسيا على "اعمال العنف"، وهو ما
قد تستجيب له السلطة مستقبلا، وخصوصا ان هذا
التيار لا يخفي طموحه الى القيادة.. وبحسب ما
تشير اليه ادبيات قائده: "نحن لا نتعفف عن
القيام بالدور القيادي والسيطرة على كل
المؤسسات دون استثناء"..
في أي حال، اذا كانت حركتا الجهاد وحماس
تدعوان في هذه المرحلة الدقيقة من نضال الشعب
الفلسطيني الى ضرورة الحفاظ على الوحدة
الوطنية وتثبيتها وتنسيق العمل الجهادي
المشترك في وجه العدو المحتل، فإن من المؤكد
ان حركة فتح ستحافظ على وحدتها الداخلية، وهو
ما يظهر من تصريحات البرغوثي، الذي يشدد على
قيادة عرفات التاريخية، وخصوصا ان البرغوثي
لا يدعو الى وقف التفاوض، بل يدعو الى ان يكون
هذا التفاوض في خدمة الانتفاضة وليس العكس.
علي
هادي
|