تشرين ااول - الجمعة 27/10/2000


المجتمعات في وادٍ.. والانظمة في وادٍ آخر
قمة احتواء الغضب العربي


      على الرغم من ان الشعوب العربية، لم تعلق الامال والطموحات على مؤتمر القمة العربية، المنعقد اخيرا في العاصمة المصرية، في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من الشهر الجاري، الا ان المواقف الشعبية التي تلت صدور البيان الختامي للقمة، جاءت لتعبر عن عمق الهوة بين النظام والمجتمع العربيين.

      هنا قراءة في القمة وابعادها.

      سبقت حركة الشارع العربي موعد انعقاد القمة العربية بأشواط، اذ ما كادت الاوضاع في فلسطين المحتلة، تنحو نحو الانفجار والصدام بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، حتى جاء تحرك الشارع العربي، متفاعلا الى حده الاقصى مع يوميات الانتفاضة، وهو الامر الذي انعكس تظاهرات غاضبة في كل الاقطار العربية، وشمل اقطارا لم تكن التظاهرات من اعرافها في يوم من الايام، مثل الاقطار الخليجية.

      في هذه الاجواء جاءت اللقاءات الجانبية بين الاطراف العربية، لتحاول محاكاة حركة الشارع بحدود معينة، فتم الاتفاق اولا، على عقد قمة عربية في مطلع السنة المقبلة، واذ سميت هذه القمة، قمة طارئة فلأنها كادت ان تسبق انعقاد الدورة العادية في اذار المقبل، وهي الدورة التي تم الاتفاق على عقدها سنويا.

      في ظل هذا التحرك الرسمي البطيء، كانت الاحداث الفلسطينية تتوالى تصعيدا ومواجهات، ومعها، كانت حركة الشارع العربي، تزداد انفعالا بالحدث الفلسطيني، واذ انطلقت تظاهرة مليونية في المغرب، وتظاهرات اخرى مؤلفة في المدن العربية الاخرى، كان لا بد من الاستعجال بالقمة، وهو الامر الذي حدث بالفعل، فانعقدت في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من الشهر الحالي.

التفاصيل والختام

      واستنادا على الكلام السابق، جاء انعقاد القمة العربية، ليشهد خطبا حماسية، اعلنت تضامنها مع المأساة الفلسطينية، ولينتهي الامر الى القرارات التالية:

      1ـ التضامن مع الشعب الفلسطيني.

      2ـ انشاء صندوقين ماليين للانتفاضة والقدس.

      3ـ التنديد بالاجراءات الاسرائيلية المعرقلة لمرور السلع الفلسطينية، والسماح باستيراد هذه السلع من الجانب العربي.

      4ـ تحميل "اسرائيل" اعادة اجواء المنطقة الى التوتر.

      5ـ حق الفلسطينيين في طلب التعويضات الناتجة عن الممارسات الاسرائيلية.

      6ـ المطالبة بلجنة تحقيق دولية للبحث في مسببات المواجهات.

      7ـ المطالبة بمحكمة جنائية وفقا للقانون الدولي متخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين.

      ان النقاط السبع الواردة اعلاه، تلخص جوهر البيان الختامي، وبقراءة هذه النقاط يلاحظ، ان ستا منها تقتصر على التضامن اللغوي واللفظي، فيما النقطة السابعة، وهي انشاء صندوقين ماليين لدعم الانتفاضة والقدس، ينتظر تحولها الى حيز عملي، انعقاد وزراء المالية العرب خلال شهر، ومن هنا يمكن القول ان القمة العربية غير العادية، لم تفلح بأكثر من "التضامن" اللفظي المجرد من التضامن العملي، ذلك ان التضامن مع الشعب الفلسطيني كما جاء في مقدمة البيان الختامي، لا يتجاوز العواطف المقتصرة على الحبر، وكذلك التنديد بالاجراءات الاسرائيلية، اذ ان هذه النقطة لغوية صرفة، ومثلها ايضا نقطة التنديد بحظر "اسرائيل" تصدير السلع الفلسطينية، وقرار القمة بالسماح باستيراد هذه السلع، اذ لا يمكن عمليا تصدير السلع المذكورة من دون فتح المعابر الاسرائيلية، وهنا ايضا يمكن الاشارة الى المساعدات الطبية والغذائية المرسلة من الاطراف العربية الى مناطق السلطة الفلسطينية، اذ ما زالت هذه المساعدات، مكدسة على الحدود المصرية والاردنية.

      واما الدعوة الى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في مسببات الاحداث، وكذلك محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين، فلا شك في ان القادة العرب يدركون قبل غيرهم، استحالة تحقيق مثل هذه المسائل، في ظل الظروف الدولية الراهنة، وهو ما يجعل المطالبة بهما، امرا يستقر في قاع الفراغ.

الولايات المتحدة والقمة

      منذ انطلاق الدعوة لعقد قمة عربية خاصة بالمواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، سعت الولايات المتحدة الاميركية الى احتواء مقررات القمة قبل انعقادها، واذ حاولت اطراف عربية عدة، تأخير موعد انعقاد القمة الى كانون الثاني المقبل، فلأن الفترة الزمنية الفاصلة بين الشهر الجاري ومطلع السنة القادمة، تم الرهان عليها، كمرحلة لا بد ان تشهد حلولا على المسار الفلسطيني. وبمعنى اوضح، فإن تأكيد انعقاد القمة في كانون الثاني، جاء ليؤكد عدم استعداد النظام العربي لبحث المواجهات المندلعة في الاراضي الفلسطينية.

      وفي وقت كانت الاحداث وحركة الشارع العربي تسبق مواقف القادة العرب، فإن تقديم موعد القمة مجددا، جاء على خلفية هروب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك من حضور قمة شرم الشيخ الاولى، التي كانت برعاية وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت، وجراء الهروب المذكور، جاءت الدعوة المصرية الى القمة مباشرة بعد انفضاض الاجتماع مع اولبرايت، أي ان الدعوة للقمة جاءت في سياق انفعالي محض.

      ومع ذلك، لم تدخر الادارة الاميركية وسعا لاجهاض القمة العربية من مضمونها، فدعت اكثر من مرة الى عقد قمة ثانية في شرم الشيخ، ولم تهدأ الهواتف الحمراء بين الرئيس الاميركي بيل كلينتون، والعديد من القادة العرب.

      كما ان مادلين اولبرايت، جاءت الى المنطقة، وجالت على عواصم عربية عديدة لتحتوي القمة قبل انعقادها، وفي الوقت نفسه، كانت الجهود الاميركية من جانب اخر، لا تهدأ ولا تستكين لاجل عقد قمة ثانية في شرم الشيخ، واذ انعقدت القمة المذكورة برعاية مباشرة هذه المرة من الرئيس كلينتون، فقد كان واضحا ان هدفها يتجه لتهدئة الحال في المناطق الفلسطينية، وصياغة سقف للقمة العربية، وفي حين ان تهدئة الامور في المناطق الفلسطينية اصابها الفشل، فان رسم سقف للقمة العربية فعل فعله، ومن هنا جاء الالتزام العربي بالتسوية كخيار، وذهبت مع السقف، كل المواقف العملية، باستثناء اللعب على اللغة واختيار المفردات والالفاظ بدقة دلت على مهارة "المطابخ" التابعة لوزارات الخارجية، فلا شيء بعد ذلك يمكن الاستدلال عليه من الناحية العملية.

الهوة بين الانظمة والشعوب

      اذا كان من امر يمكن الحديث عنه حول القمة، فهو ذاك المتعلق بالهوة الفاصلة بين النظام العربي والشعوب العربية.

      ففي وقت كانت فيه حركة الشارع العربي تتمحور حول الشعارات التالية:

      1ـ استخدام سلاح النفط.

      2ـ قطع العلاقات مع "اسرائيل".

      3ـ ايقاف المفاوضات.

      4ـ ايقاف التطبيع بكل اشكاله.

      5ـ فتح الجبهات امام الشعوب.

      6ـ اعلان الدولة الفلسطينية.

      فان السقف العربي للقمة جاء على الوجه التالي:

      1ـ عدم القدرة على استخدام سلاح النفط.

      2ـ قطع العلاقات مع "اسرائيل" لا يخدم القضية الفلسطينية.

      3ـ ايقاف المفاوضات يضر بعلاقة العالم العربي مع دول العالم.

      4ـ ترك مسألة التطبيع للدول المعنية وهذا غير ملزم.

      5ـ عدم القدرة على الحرب، والسلام خيار نهائي.

      6ـ اعلان الدولة الفلسطينية، يؤلب العالم على العرب.

      ان هذه المتناقضات بين الموقفين الشعبي والرسمي، لا تنم في الواقع الا عن عمق الهوة بين الطرفين، واذ يعيد العديد من المراقبين اندفاع الشارع العربي الى التظاهرات والمسيرات الى عوامل تتداخل فيها مسألة التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية، ومسائل اخرى، مثل الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ترهق المجتمعات العربية، فان من الواضح تماما، ان النظام العربي، ربما شعر لاول مرة، بالسخونة الفائضة تندلع امامه، وخاصة ان تجربة يوغوسلافيا كانت لا تزال ماثلة امام الجميع.

      وفي مثل هذه الحال، فثمة من يرى، ان حالة الغليان المسيطرة الان علىالمجتمعات العربية، تتماثل في العديد من نقاط التشابه مع حالة الغليان التي كانت عليها الاوضاع العربية خلال العام 1948 وما اعقب ذلك من اضطرابات وحراك وانقلابات عبرت بمجملها عن حال القطيعة بين الانظمة والمجتمعات.

      وفي السياق ذاته، ذهب العديد من اصحاب الرأي الى الاشارة لضرورة رصد ردة الفعل الشعبي على المستوى العربي العام، ذلك ان حالة التضامن الواسعة مع الفلسطينيين، وما انطوت عليه من استعداد للقتال والتضحية، انما عبرت عن عنف كامن في هذه المجتمعات، اذا لم تدرك الانظمة العربية حقيقته وتوظفه ضد "اسرائيل" ونحو مزيد من الانفتاح السياسي على المجتمعات اياها، وما يقتضيه ذلك من توسيع هوامش المشاركة في القرار السياسي والتعبير عن الرأي، فان العنف نفسه، قد يتفجر في الداخل، ويطاول بنية الانظمة ذاتها.

      ومهما يكن من امر، فان رصد الشارع العربي لنتائج القمة، جاء مخيبا للامال، وربما ان هذا الشارع، لم يكن ينتظر من القمة العربية ان تعلن الحرب الفورية على "اسرائيل" لكنه كان ينتظر بالتأكيد، مواقف رسمية، تعبر عن الاستقلالية في صناعة القرار الرسمي، وتحاكي بعض الشيء العنفوان العربي المصدوم مرتين: الاولى من خلال استفراد "اسرائيل" بالفلسطينيين، والثانية، من مؤتمر القمة العربية "الذي جاء ليحتوي الغضب المندلع في كل مكان عربي"، على ما يقول هذا الشارع ويؤكد، وليست وسائل الاعلام بكل اجناسها، سوى استفتاء عن حال الامتعاض الصاخب الذي تمر فيه المجتمعات العربية في هذه اللحظة.

 توفيق شومان