|
تشرين الاول - الجمعة 27/10/2000 قمة
اوروبا ـ آسيا: |
|
انعقدت في سيول، عاصمة كوريا الجنوبية،
يوم الجمعة في العشرين من تشرين الاول
الجاري، اعمال القمة الثالثة لبلدان الاتحاد
الاوروبي الخمسة عشر ولبلدان آسيا الشرقية
العشرة: اليابان والصين واندونيسيا وماليزيا
والفيلبين وسنغافورة وماليزيا وبروناي
وفيتنام وتايلند وكوريا. وتأتي هذه القمة ـ
التي حاول ارباكها مناهضو العولمة الذين
تظاهروا واشتبكوا مع ثلاثين الف شرطي حشدتهم
السلطات الكورية ـ بعد قمتين سابقتين عقدت
اولاهما في بانكوك في اذار 96، والثانية في
لندن في نيسان 98، وكسابقتيها تهدف قمة "اسيم"
التي حضرها رؤساء، او رؤساء حكومات، البلدان
الخمسة والعشرين، الى تعميق الحوار الاوروبي
الاسيوي وتوثيق العلاقات الاقتصادية التي
وضعت خطوطها العريضة ورسمت بناها المؤسساتية
في قمة الـ96، أي في الوقت الذي كانت قد بدأت
تلوح فيه بوادر الانهيار المالي الذي ضرب
نمور اسيا في خريف العام 97. مقاومة
الهيمنة الاميركية
وقد لعبت في طرح الحاجة الى هذا التقارب
الذي استلزم، في البداية، تفاهما اسيويا
يتعدى حدود مجموعة "اسيان" ليضم القطبين
الياباني والصيني، اضافة الى كوريا
الجنوبية، عوامل عديدة في مقدمتها الرغبة
المشتركة في اقامة جبهة اقتصادية عريضة في
وجه القطبية الاميركية التي تحاول تهميش
اوروبا على الصعيد العالمي، وتمارس نفوذا
سياسيا واقتصاديا واسعا في شرق آسيا، وقد
تعمقت هذه الرغبة، خصوصا بعد الانهيار
الاسيوي الذي استفاد منه الاميركيون ليفرضوا
على بلدان المنطقة، بواسطة صندوق النقد
الدولي، سياسات اقتصادية ليبرالية اضطرت الى
قبولها ـ على ما تشكله من اخطار على استقرارها
المستقبلي ـ تحت وطأة الحاجة الى تعويم
عملاتها واعادة الحياة الى اسواقها من خلال
استجلاب الرساميل الخارجية والحصول على
القروض حتى ولو كانت لآجال قصيرة الامد
وبفوائد مرهقة. كما ترافقت مع فرض السياسات
الاقتصادية على هذه البلدان تحركات عسكرية
شملت مرابطة الاسطول الاميركي بمحاذاة جزر
الملوك ودخول القوات الاسترالية ـ بوصفها
الدركي الاميركي في المنطقة ـ الى تيمور
الشرقية اضافة الى الوجود العسكري الاميركي
في العديد من القواعد المنتشرة في كوريا
الجنوبية واليابان وحول شواطئ تايوان. وفي
هذا المجال كانت دول مجموعة "اسيان" قد
اعربت عن استيائها ازاء الحجم الكبير المعطى
بتوجيه اميركي للوجود العسكري الاوسترالي في
تيمور الشرقية وازاء ارتفاع وتائر التدخلات
الاميركية في شؤونها الداخلية. الملاذ
الاوروبي
وفي مثل هذه الظروف، يبدو الاتحاد
الاوروبي في نظر الاسيويين بمثابة الملاذ
الامن الذي يمكن الرهان عليه من الوجهتين
الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية، وخصوصا
ان الممتلكات الفرنسية في المحيط الباسفيكي
تتعرض، تحت ذريعة التجارب النووية، لضغوطات
مباشرة من قبل اوستراليا والولايات المتحدة
وجماعات حماية البيئة الذين كانت لهم تحرشات
دائمة بكاليدونيا الفرنسية. والاكيد ان
الاوروبيين يدركون من جهتهم اهمية الفرص
المتاحة امامهم للاستفادة من اجواء التبرم
الذي تبديه بلدان آسيا، بما فيها اليابان،
بالهيمنة الاميركية، وهو التبرم الذي يخلي
المجال، في حالة الصين وكوريا الشمالية، الى
انواع من التفاهمات ـ المجابهات الهادفة الى
استدراج ما امكن من التنازلات الاميركية، على
شكل مساعدات مالية وتقنية في مقابل استعدادها
لفتح الاسواق والرضوخ لمطالب واشنطن حول خفض
التسلح والكف عن قرع طبول الحرب حول كوريا
الجنوبية وتايوان. ولكن الاوروبيين يدركون
ايضا ان الامال العريضة التي حفزت التقارب
والحوار، قبل العام 97، في وقت كانت فيه وتائر
النمو في بلدان اسيا الشرقية تزيد عن عشرين في
المئة لتعد بشراكة من شأنها فتح اسواق آسيا
امام الصادرات الاوروبية، قد تقلصت بعد
الانهيار المالي الذي هبطت معه معدلات النمو
الى اقل من صفر في المئة في بعض الحالات، مع ما
رافق ذلك من انخفاض كبير في معدلات الاستهلاك.
ولكن ذلك لا يؤثر في واقع ان هذه البلدان لا
تزال خزانات ضخمة للمواد الاولية والايدي
العاملة الرخيصة الثمن، وهذا يغري على
الاستثمار في المساحات الفائضة على القدرة
الاستيعابية لقبضة الولايات المتحدة وصندوق
النقد الدولي. ثم ان الدعم الاوروبي لهذه
البلدان تحتمه اعتبارات دفاعية كالخوف من
انهيارات جديدة قد لا تقتصر تأثيراتها
السلبية، كما حدث عام 97، على اميركا الجنوبية
واوروبا الشرقية. هزال
ومهما يكن من امر، فان السؤال الذي يمكن
طرحه حول القمة الثالثة هو في معرفة ما اذا
كانت هنالك عزيمة جدية وكافية عند زعماء
بلدان الاتحاد الاوروبي الذين ذهبوا جميعا
الى سيول في جعل هذه القمة نقطة انطلاق ـ "اعادة
التوازن الى عالم الغد"، على حد تعبير
الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي كان يتكلم عن
ضعف المحور الاوروبي ـ الاسيوي في مقابل
المحور الاوروبي ـ الاميركي. اغلب الظن ان
طموحات الاطراف جميعا ـ اسيويين واوروبيين ـ
لا تتجاوز حدود الامتثالية الهادفة الى "الاستيلاء"
على اكبر قدر ممكن من فتات الاقتصاد العالمي
الذي تتربع فوقه الولايات المتحدة والمؤسسات
المالية والشركات المتعددة الجنسيات. هذا ما
تفصح عنه الثلاثون مليون دولار التي قدمتها،
كمساعدة تقنية، بلدان الاتحاد الاوروبي
مجتمعة الى اسيا المنهارة، في قمة "اسيم"
الثانية عام 98. وهذا ما تفصح عنه ايضا قمة "اسيم"
الثالثة التي صرفت اكثر وقتها في التهليل
لتقارب الكوريتين، وفي التسابق على الاعتراف
بكوريا الشمالية، واعطت الوقت الباقي للكلام
التقليدي عن حقوق الانسان والعمل من اجل
المزيد من تحرير التجارة ومكافحة الجريمة
الدولية وتحقيق التقارب بين الدول الغنية
والدول الفقيرة في استخدام.. تكنولوجيا
المعلومات.
وما يقال عن هزال قمة سيول يقال ايضا عن
تعريج زعماء اوروبا على بكين حيث عقدوا مع
الرئيس الصيني قمة اضافية سادتها اجواء
التجارة العالمية قبل نهاية العام الحالي.
ولا شك اخيرا في ان الاجواء المأتمية ستخيم
ايضا على ذكريات قمة آسيم، اذ لم يكد الزعماء
الاوروبيون والاسيويون يغادرون سيول حتى
وصلت مادلين اولبرايت وحدها الى بيونغ يانغ..
لتعيد رسم المسارات. د.
عقيل الشيخ حسين
|