|
حزيران - الجمعة 30/06/2000 أبو
علي الصوّان
|
|
..
وهذا صباح اخر من صباحات "ابو علي الصوان"،
ينهض مع ابنائه الستة ليصلي الفجر في
المسجد قبل ان يتوجه الموكب الى حقول
التبغ، ماراً بجوار "المقبرة" قارئا
الفاتحة عن روح "علي" الابن البكر
للعائلة الذي استشهد على تخوم القرية في
احدى عمليات المقاومة.
تختلف الروايات حول لقب "الصوان"
الذي يحمله ابو علي، ولعل القصة الاكثر
تداولا بين ابناء القرية هي تلك التي تروي
انه تعرض يوما في ذهابه الصباحي نحو بيدره،
لكمين من قطّاع الطرق، حيث رشقه احدهم بحجر
صوان اصاب جبينه فانكسر الحجر الى نصفين
فأرعب ذلك اللصوص الذين لاذوا بالفرار
ليرووا ما حدث معهم، لتنتقل هذه الرواية
وتصبح حديث القرية ولقبا طبع على جبين
صاحبه، عنيد، وهادئ، ومؤمن هذا الرجل الذي
وزع الحلوى يوم استشهاد ابنه البكر، ولما
استغرب البعض هذا العمل غير المألوف بعد في
القرى، قام ليرفع كتاب رجاء الى قيادة
المقاومة تقبل فيه ابناءه الستة الباقين
مقاومين في صفوفها ومجاهدين.
في رحلته الصباحية لا ينسى "ابو علي"
اصطحاب "راديو" صغير معه يعلقه بـ"شنكال"
على خاصرته ليسمع اخبار الصباح، فهو ينزعج
جدا اذا ما مر حدث او خبر ما دون ان يعلم به،
وغالبا ما كان يحلل لابنائه الاحداث
الصباحية في ايابهم نحو المنزل، فهو تارة
يسخر من "لارسن" هذا الذي رسم خطا ازرق
بين لبنان وفلسطين، وتعبيرا عن رفضه قام
فور وصوله الى المنزل بطلاء "رسن"
حماره وذيله بالازرق، وعندما سأله اهل
القرية عن ذلك صاح فيهم، لا"رسن"
الحمار ولا ذيله يحددان ملكيتي، فكل بلاد
الشام للعرب والمسلمين. الكثيرون ممن سمعوا
الحديث لم يفهموه ولم يكرروا الاستفسار،
فهيبة الرجل وصوته المجلجل يجعلهما جميعا
يذهبون في تحليل ما سمعوه، فقد علمهم هذا
الرجل ان ما يقوله هو الحقيقة، وما عليهم
سوى ان يبحثوا بأنفسهم عنها في ثنايا صوته و
مواقفه.
يعرف ابناء "ابو علي" متى سيتحدث
فاذا ما وقف منصتا فثمة امر ما سيدفعه
للكلام، وهذا ما حدث صبيحة ذلك اليوم عندما
توقف الرجل فجأة عن القطاف ونادى ابنه
الصغير مهدي على غير عادته ودعاه الى
اعتلاء شجرة زيتون كبيرة وقطع غصن منها
وحمله معه الى المنزل، فعل الشاب ما امر به،
وعند الاياب قال ابو علي بشيء من
الاسترسال، لقد سمعت ان الجنود الصهاينة
سيبدأون باستعمال "النقيفة" لرمي
الحصى على المحتشدين عند بوابتي فاطمة
والعباسية.. صمت الابناء، فتابع الاب حديثه
وهو ينهر حماره "رحم الله ابي حينما
صفعني يوما بعدما رميت ثعلبا بـالنقيفة"
قائلا لي: عيب يا ابني تحط عقلك بـ"ثعلب"،
روح اصطاد شي ذئب، شي خنزير، "النقيفة"
بدها رجال يستعملوها".
وصل الجميع الى المنزل ليبدأوا بـ"شك
الدخان" بينا راح ابو علي ينجر الغصن،
ويصنع منه رزمة من "النقيفات" ليتم
توزيعها على طول الشريط الفاصل مع فلسطين،
وامر احد ابنائه ان يصنع نصبا لنقيفة
عملاقة ليضعها قبالة الجنود الخائفين،
وطلب من احد شعراء القرية ان يؤلف نشيدا حول
"النقيفة" التي هزمت الانكليز في
فلسطين والانتداب الفرنسي في لبنان، وان
يوجه النشيد صوب المستعمرات المرعوبة
لتزداد رعبا.
اكمل ابو علي الصوان استعداداته
العسكرية والشعرية، ثم استلقى تحت شجرة
التين الحاضنة للدار وارسل ضحكة خفيفة
كاسرا بروتوكول الجدية الذي يحمله، ما جعل
الاسرة كلها تسرع اليه صاغية صامتة لتشاهد
الرجل وقد عقد كفيه خلف رأسه لينام، قائلا
لابنائه: الحمد لله لقد ارجعناهم الى حرب
النقيفة، والاتي اعظم. حسان بدير |