|
حزيران - الجمعة 30/06/2000 نظرية
ولاية الفقيه |
|
يثير
البحث الذي اورده الكاتب محمد جمال باروت
في كتابه "يعرب الجديدة"
ان اول ما يلفت نظر القارئ هو استخدام
الكاتب لمفهوم "العقلنة" فنراه عندما
يتحدث عن الاسس الكلامية لنظرية ولاية
الفقيه فإنه يجردها بشكل عام من "العقلنة"
في السياسة، ويحاول ان يعطي لهذا المفهوم
بعدا تاريخيا محددا بحيث يبتعد عن العقلنة
كل من لا يتبنى رأيا محددا بشأن حقبة
تاريخية معينة. مع انه ليس معقلنا ان نختزل
العقلنة في فترة تاريخية ما، بل ان
العقلانية السياسية يجب ان تعطي تحديدا
مفهوميا يبتعد عن ان يؤسر في زمان ما او
مكان ما، فلا بد لهذا المفهوم ان يتعالى عن
الزمان والمكان ليحاكم كل الاحداث
السياسية في أي زمان او مكان، حتى لا تتحول
العقلنة الى وسام ننزعه عمن نشاء ونهبه لمن
نشاء.
ثم نجد الكاتب عندما يريد ان يحدد
الوظيفة العملية لنظرية ولاية الفقيه فإنه
يختزلها بإعادة ما يسمى بكنيسة الدولة، أي
تلك المؤسسة التي تمتلكها المرجعية
الدينية مستخدمة سلطتها الدينية من اجل
اهدافها السياسية.
اولا: اوافق على استعادة مصطلحات نشأت
وتكونت في ظروف اجتماعية وسياسية خاصة،
واستخدامها في حقل فكري ثقافي يختلف جذريا
عن الحقل المعرفي الذي تنتمي اليه تلك
المصطلحات، الا اذا كان المراد بكل تلك
الابحاث والدلالات التي يختزنها ذلك
المصطلح، لان تلك الظروف الاجتماعية
والسياسية التي نشأ فيها قد تركت بصماتها
عليه، خصوصا اننا نملك في تاريخنا الاسلامي
غنى من المصطلحات التي يجنب استخدامها اكثر
من فهم خاطئ، فالمسجد مثلا كان له دوره
الديني والقيادي، فكان من الاولى استخدام
مصطلح مسجد الدولة بدل كنيسة الدولة.
ثم هل من الصحيح ان نختزل وظيفة ولاية
الفقيه بمأسسه المرجعية الدينية في اطار
توظيفها لسلطتها في العمل السياسي؟ نحن لا
ننكر هذا التوظيف، أي توظيف الديني في
السياسي، بل يجب ان يوظف الديني بما يحمل من
بعد تقوائي ـ اخروي في كل مجالات الحياة من
سياسة وغيرها، وهذا التوظيف ليس بمعناه
الغائي، أي ان الهدف من الديني هو السياسي،
وغاية الديني السياسي، بل هو بمعنى ان يكون
السياسي قائما على الديني وان يكون الديني
حاكما على السياسي، وان يستفاد من البعد
التقوائي الديني بما يحمل من مفعول ردعي من
اجل جعل السياسي بعيدا عن المصالح الانية
والفئوية والنزعات العصبية ليكون هاديا
لخير البشرية وسعادتها.
ولذا من السذاجة ان نحصر وظيفة ذلك
المشروع السياسي بإعادة بعث ما سماه الكاتب
بـ"كنيسة الدولة" بل المراد اعادة بعث
مسجد الدولة، بما تعنيه تلك العبارة من
تفعيل للمشروع الاسلامي بأكمله، الذي
ينطلق من الارث النبوي لا
من الارث السلطاني، أي الذي يتبنى على
اساس الفهم الديني المقونن للنص الديني ـ
بمعناه العام ـ لا من التأويل السياسي لذلك
النص، ولذلك فان من لديه معرفة كافية في حقل
الفقه السياسي الشيعي يدرك مدى خصوبة هذا
الحقل والجذور الفقهية التي قامت على
اساسها ولاية الفقيه. صحيح اننا نجد تيارا
فقهيا معاكسا، قد لا يرى في الادلة الفقهية
الولايتية ما يكفي لتأسيس تلك النظرية، لكن
المنظرين لهذه النظرية لهم ادلتهم واسسهم
التي تنتمي الى تلك البيئة المعرفية، والتي
هي بيئة فقهية، فليس من الصحيح القول ان تلك
النظرية فرضتها اعتبارات سياسية لا
اعتبارات فقهية.
اما الحكم على التمظهر الخارجي لنظرية
ولاية الفقيه ـ الجمهورية الاسلامية ـ بأنه
زمني ولا يكتسب الشرعية الايديولوجية
كدولة دينية بناءً على النظرية الشيعية
الكلاسيكية، فهو حكم غير مقبول بحسب المنطق
الفقهي، لانه يجب التفكيك فقهيا بين تبني
رأي فقهي محدد وبين نزع الصفة الشرعية
والدينية عن الرأي المخالف، فلا يوجد تلازم
بين كلا الامرين، أي انه من المبرر فقهيا
بحسب الفقه الشيعي، ان يكون هناك اكثر من
رأي فقهي مختلف في مسألة واحدة ـ سياسية او
غيرها ـ من دون ان يؤدي ذلك الى نزع الصفة
الشرعية والدينية عن أي فهم، طالما ان هذه
الاراء نتجت بناءً على التقنين الفقهي
المقبول في دائرة الفقه الشيعي ومن ارضية
نصّه الديني، وهذا ما يرتبط بدائرة
الاجتهاد الفقهي.
وبناءً عليه فان الاتجاه الفقهي الذي
يذهب الى تضييق مساحة ولاية الفقيه له
اجتهاده الذي ينتمي الى ذلك الحقل المعرفي
الديني، والاتجاه الفقهي الاخر الذي يذهب
الى توسيع مساحة ولاية الفقيه له ايضا
اجتهاده الذي ينتمي الى ذلك الحقل المعرفي
الديني نفسه، ولذا لا يمكن ان نستنتج نزع
الصفة الشرعية الايديولوجية كدولة ـ دينية
عن الجمهورية الاسلامية. اما الاستنتاج
الذي استنتجه الكاتب من فكرة ان الامام
الخميني اخرج مسألة ولاية الفقيه من حيّز
الفقه ومسائله العبادية العملية الى حيّز
علم الكلام ومسائله الاعتقادية، ان ذلك
يعني جعل ولاية الفقيه جزءا من اصول الدين
لا من فروعه، ويعني اخراج مسألة الولاية من
النطاق البشري (الذي يختص به الفقه) الى
النطاق الالهي الذي يختص به علم الكلام،
فهو استنتاج خاطئ، اولا: لان ادخال مسألة
ولاية الفقيه الى علم الكلام لا يعني
بالضرورة انها اصبحت جزءا من اصول الدين،
لان علم الكلام يبحث في اصول الدين وفي غير
اصول الدين من المسائل الاعتقادية، وثانيا
لان ادخال ولاية الفقيه الى علم الكلام لا
يعني الغاء طابعها الفقهي، فربما مسألة ما
تدخل في علم باعتبار، وفي علم اخر باعتبار
اخر، ولذلك عندما يسأل الامام الخميني (حفظه
الله) عنها بأنه: "هل تعتبر ولاية الفقيه
مسألة تقليدية ام اعتقادية؟ وما هو حكم من
لا يؤمن بها؟" يجيب: "ولاية الفقيه من
شؤون الولاية والامامة التي هي من اصول
المذهب، الا ان الاحكام الراجحة لها تستنبط
من الادلة الشرعية كغيرها من الاحكام
الفقهية، ومن انتهى بـ"الاستدلال الى
عدم قبولها فهو معذور"، فهي ترتبط
بالامامة، لكن هذا الارتباط لا يلغي فقهية
المسألة، ولذا كانت محلا للاستدلال
الفقهي، ومن اوصله استدلاله الفقهي الى عدم
قبولها فهو معذور، والا لو كانت من اصول
الدين فهل تبقى ضمن دائرة الاستدلال
الفقهي؟ وهل يكون النافي لها معذورا؟
اما عن الخطورة المدعاة في ان الفقيه
الولي مسؤول امام الله وليس امام الامة،
فيمكن حلها نظريا من خلال منظومة المواصفات
التي يجب توافرها في الولي الفقيه، اذ ان
مسؤوليته امام الله تعالى لا تلغي ضرورة
توافر هذه المواصفات والشروط في شخص الولي
الفقيه ولا تلغي ضرورة مراقبة استمرار
وجودها فيه، والذي يتولى عملية المراقبة
وتحصيل وجودها اساسا هو العامل البشري.
واما عمليا ـ ودستوريا ـ فإن الخطورة
منتفية من خلال وجود مجلس خبراء يتولى
تشخيص انطباق تلك المواصفات على هذا الفقيه
او عدم انطباقها، ومن دون ذلك الاقدام من
مجلس الخبراء لا يمكن ان يصل الفقيه الى
منصب الولاية تلك، كما ان الفقيه يسقط من
ولايته فيما لو تبين انه افتقد احدى تلك
المواصفات، او انه كان لا يملكها من
الاساس، لان التعيين هو من خلال تلك
المواصفات والشروط، ولم يصل ذلك التعيين
الى شخص هذا الفقيه الا لان تلك المواصفات
والشروط انطبقت عليه بأعلى مستوى مقارنةً
مع بقية الفقهاء الذين تنطبق عليهم هذه
المواصفات.
اما بالنسبة الى ان ذلك الاطلاق
للولاية يؤدي الى نوع من التطابق بين ولاية
الفقيه وولاية المعصوم، فان الامام
الخامنئي يوضح هذا الاطلاق: "المراد
بالولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط
هو ان الدين الاسلامي الحنيف ـ الذي هو خاتم
الاديان السماوية والباقي الى يوم القيامة
ـ هو دين الحكم وادارة شؤون المجتمع، لا بد
ان يكون للمجتمع الاسلامي بكل طبقاته ولي
أمر وحاكم شرع وقائد ليحفظ الامة من اعداء
الاسلام والمسلمين، وليحفظ نظامهم وليقوم
بإقامة العدل فيهم وبمنع تعدي القوي على
الضعيف، وبتأمين وسائل التقدم والتطور
الثقافية والسياسية والاجتماعية
والازدهار لهم.
وهذا الامر في مقام تنفيذه عمليا قد
يتعارض مع رغبات واطماع ومنافع وحريات بعض
الاشخاص، ويجب على حاكم المسلمين حين قيامه
بمهام القيادة على ضوء الفقه الاسلامي
اتخاذ الاجراءات اللازمة عند تشخيص الحاجة
الى ذلك. ولا بد ان تكون ارادته وصلاحيته في
ما يرجع الى المصالح العامة للاسلام
والمسلمين حاكمة على ارادة وصلاحيات عامة
الناس عند التعارض، وهذه نبذة وسيرة عن
الولاية".
وفي ما يرتبط بـ"اللوثرية"
الشيعية وحركة الاصلاح الشيعي التي لم
تكتسب هذه الالقاب والاوسام الا انها قدمت
تبريرا فقهيا للديموقراطية ـ بحسب رأي
الكاتب ـ فهنا تبرز امامنا اشكالية مقياسية
، فما هو المقياس الذي يجب ان نستخدمه حتى
يمكن ان اقول عن نظرية فقهية بأنها مشروع
اصلاحي، وننزع هذه الصفة عن نظرية اخرى
مقابلة؟
فهل يمكن ان تكون قناعات الكاتب
الشخصية مقياسا للاصلاح وعدمه، فإذا كان
يعتقد بالديموقراطية مثلا فتصبح بالتالي
كل نظرية فقهية تقترب من رأي الكاتب مشروعا
اصلاحيا، و كل نظرية اخرى تبتعد عن رأيه
فإنها تفقد شرف الاصلاح والانتماء اليه. ان
صفة الاصلاح وعدمه تتحدد على اساس مطابقة
أي رؤية نظرية للمشروع النبوي والارث
المحمدي (ان اريد الا الاصلاح ما استطعت)
فالاصلاح هدف الانبياء ومسؤولية الاولياء،
وبالتالي فإن الاصلاح ينطلق من خلال
المشروع الديني بتجسيده الحقيقي، لا من
خلال الاستعانة بنظريات لا تنتمي الى
الفضاء الفكري الاسلامي لنجعلها مقياسا
للاصلاح وعدمه.
فضلا عن ان نظرية "ولاية الامة على
نفسها" لا تعني بالضرورة الديموقراطية،
لان هذه النظرية تذهب بحسب ابرز ممثليها
الى ان الولاية وان كانت للامة لكن يجب على
الامة ان تعطي هذه الولاية ـ بناءً على
مبررات فقهية ـ الى الفقهاء الجامعين
للشرائط، فبالتالي تعود الولاية الى هؤلاء
الفقهاء ويمارسون هذه الولاية على الامة من
خلال تنفيذهم للمشروع الديني على جميع
المستويات، وبناءً عليه يكون من مسؤولية
الامة والفقهاء معا تطبيق شرع الله تعالى،
فلا يبقى من مجال لاختيار منظومة التشريع
الوضعي او اختيار اداة تنفيذية تكون بعيدة
عن منظومة التشريع هذه.
وهنا اخلص الى هذه النتيجة انه من المهم
جدا قراءة الفكر الاسلامي ومحاولة التنقيب
فيه واجراء الدراسات المقارنة في شتى
المجالات خصوصا في حقل الفقه السياسي لما
يمتلكه من غنى معرفي فقهي، لكن من المطلوب
ان تكون تلك الدراسات والقراءات
والمقارنات محايدة، بمعنى الا تستخدم
معايير غريبة عن حقل البحث، ولا تكون تلك
المعايير نفسها محل نقاش، لانه عندها سوف
تبرز اشكالية المعيارية وسيكون من الضروري
عندها حسم المعايير قبل الانتقال الى حقل
البحث. الشيخ
محمد شقير
|