|
"نهاية
الجدار
الطيب"
لمحمود
حيدر شوقي
ابو شعيرة* في
العام 1975 مارس
لبنان
اغواءه "التقليدي"
على "اسرائيل"،
كما كان
مارسه على
غيرها من
قبل ومن بعد
هذا
التاريخ.
وقد كانت "اسرائيل"
يومذاك في
حاجة الى ان
تُغوى،
فالاسئلة
عن "التقصير"
في حرب
تشرين
الأول عام 1973
قد تكاثرت
فيها، حتى
بدت كلمة "التقصير"
قاصرة عن
توصيف
الخرق الذي
أحدثه
المصريون
والسوريون
في نظرية
الأمن
الاسرائيلية
التقليدية،
فلم يعد ثمة
مجال بعد
الحروب
الخاطفة، و"شبه
النظيفة"،
تلك التي
تجري على "ارض
الغير"
ودائماً
بمبادرة
اسرائيلية. مصدر
"الاغواء"
اللبناني
هذه المرة
كان "الجيوبوليتيكا
القلقة"
المشحونة
بالفوضى
الداخلية،
وبالتدخلات
الخارجية،
وللوهلة
الاولى
يبدو ذلك
حالة ضعف
مغرية تسمح
لحالة "القوة
العارية"
الأكثر
اعتزازاً
بنفسها،
لتتخيل ليس
فقط انها
ستكون
الرقم
الأصعب في
المعادلة
اللبنانية،
ولكن
الصياد
الماهر
الذي تكفيه
طلقة
واحدة،
ليجلب كل
العصافير
الى سلته.. في
هذه "الحاضنة"
ولدت فكرة "الجدار
الطيب في
الجنوب
اللبناني"،
وهي تتضمن
تصوراً
لاحتلال
مريح لا
يحتاج،
ربما، الى
السيطرة
على مناطق،
بل اقامة
شبكة طيبة
من
العلاقات
بالاهالي
في لبنان..
وبعد ذلك
يمكن ان
يتحول "الجدار"
الى "جدران"
وان يفرّخ "الحزام
الامني"
أحزمة
اضافية.. وان
يستريح
الامن
الاسرائيلي
فلا يغدو
بعد معرضاً
للقلق من
الجبهة
القلقة
الوحيدة..
والأهم ان
النموذج
اذا نجح
يمكن ان
تتحول
المنطقة
المحيطة
بفلسطين
المحتلة
الى "فسيفساء"
من "الجدران
الطيبة"...
والأحزمة
الأمنية
أيضاً. لكن
"الضعف"
اللبناني
المغوي "لاسرائيل"
تكشّف عن
نقاط قوة لم
يحسب
حسابها
العقل
الاسرائيلي،
وعن "مقاومة"
جعلت من "الجدار"
و"الحزام"
طوق النجاة
المثقوب،
بل ان لبنان
تحول الى "جغرافيا
الموت"
الاسرائيلية،
والى عنوان
لـ"سجال
اسرائيلي
حائر" دام
لسنوات قبل
اتخاذ قرار
"الهروب" من
طرف واحد.. و"الذيل
بين
الساقين"..
وبلا أي
جوائز على
الاحتلال. قد
لا يكون "محمود
حيدر" رصد
في كتابه
الصادر
اخيراً عن
دار "رياض
الريس
للنشر
والتوزيع -
بيروت" "نهاية
الجدار
الطيب"،
السيرة
الكاملة
للاحتلال
الاسرائيلي
المديد
للبنان
طوال اكثر
من ربع قرن،
لكنه رصد
وبعمق ونبض
يخلو من
البرودة
الاكاديمية،
ويفيض
بالمقابل
بحرارة
اللغة،
السيرة
الكاملة
للحيرة
الأمنية
الاسرائيلية. وضع
الكاتب
قلمه بدقة
على قلق
النظرية
الأمنية
الاسرائيلية
في
امتحانها
اللبناني
العسير،
لاحق كل
منعطف
وتساؤل
وضعه
الاسرائيليون
على
أجندتهم من
دون ان
يعرفوا
الاجابة
على هاجس "ما
العمل؟" حتى
لحظة 24 - 25 أيار 2000
عندما
قرروا
الفرار ..
الفرار
وحسب. تلك
هي ميزة هذا
الكتاب،
التي ربما
جعلته يحتل
مرتبة
متقدمة
جداً بين
الكتب التي
بيعت في
معرض بيروت
الأخير
للكتاب:
انها
الثراء
الكبير في
القدرة على
تفكيك "النص"
الاسرائيلي،
فتبدت
الاستراتيجيات
المضعضعة
كما هي
تماماً.. في
عملية
الملاحقة "البوليسية"
التي تعمد
الكاتب
اجراءها
داخل "العقل"
و"الخطاب"
الاسرائيليين،
وتحديداً
خلال عقد
التسعينات
من القرن
الماضي،
وصولاً الى
"الاندحار"
مع مطلع
القرن
الحالي،
تكشفت صورة
"الضعف"
الاسرائيلي
المقيم.. انه
ضعف بنيوي،
له علاقة
بخطيئة
الولادة
الاصلية "لاسرائيل"
المفبركة
من مشروع
عدواني
يعتاش على
القوة
العارية،
وهاجس امني
مرضي، ومن "مجتمع"
مؤسس على
الكراهية
للآخر، هو "لا
مجتمع" في
كل حال.. وهنا
يأتي الكشف
الأهم بعد
قراءة
الكتاب: "ان
اسرائيل لا
تستطيع ان
تصغي الى
صوت الزمن،
وانتصاراتها،
كما
هزائمها،
لا تمنحها
الحكمة ولا
القدرة على
قراءة عبر
التاريخ..
انها تصغي
فقط الى "خطيئتها
الأصلية"
والى ثقة
واهمة
بالقوة
التي لا
تقهر.. وتلك
وصفة محققة
للدمار
الذاتي. انها
ببساطة
تكرر في
فلسطين منذ
أكثر من 14
شهراً من
الانتفاضة،
ما فعلته في
لبنان على
مدى ربع قرن..
ومثل هكذا
تكرار ليس
الا
تعبيراً عن
لحظة قرر
فيها
التاريخ ان
يسخر بعمق،
قبل ان يبدأ
انتقامه،
فيعود
القادمون
من الغبار
الى سيرتهم
الاولى.. الى
الغبار،
فلا يكونون -
اخيراً - الا
"عابرين في
كلام عابر"
على ما قال
يوماً
الشاعر
الفلسطيني
الكبير
محمود
درويش. "نهاية
الجدار
الطيب"، جاء
في ثمانية
فصول،
الحقت
بوثائق
منتقاة
بعناية.. في
الفصل
الاول عرض
محمود حيدر
"لبنان في
استراتيجيات
الامن
الاسرائيلي"
لانه على
مدى فصول
الكتاب
أراد
اساساً ان
يرصد
التحولات "المدوية"
في مفاهيم
الامن
الاسرائيلية
التي
احدثتها
جغرافيا
الموت
اللبنانية،
فدخل الى
فقه
الاطروحات
الاسرائيلية
الامنية
طوال سنوات
المكوث
الاسرائيلي
الشاق داخل
الجيوبوليتيكا
اللبنانية،
فعرضها
جميعاً من "ذروة
صعود نظرية
الاحتلال"
الى عودتها
لتأخذ
مسارها
الهابط مع
المثال
اللبناني". عرض
الكتاب كيف
زاوجت "اسرائيل"
بين "الهجوم
السياسي" و"الهجوم
الحربي"،
وكيف تقدم
أحد
الهجومين
على الآخر
تارة،
ليتبادلا
المواقع
تارة اخرى. الرصد
التاريخي
الذي أجراه
الكتاب،
جاء في هذا
السياق،
وذلك
تمهيداً
لرصد "السجال
الاسرائيلي
الحائر" في
الفصل
الثاني بين
استراتيجيتي
التكيف مع
الأمر
الواقع (البقاء
في لبنان)،
أو
الانسحاب
منه، في هذه
المرحلة،
وقد طالت
قبل ان
يستقر
الرأي
الاسرائيلي
على
استراتيجية
الانسحاب "المذل"
بلا أي
ترتيبات
امنية او
مكاسب
سياسية،
ولد اجماع
اسرائيلي
على ان "حرب
اسرائيل في
لبنان هي
حرب رجال
بلا أمل"
ومع ذلك
داوم العقل
الاسرائيلي
على البحث
عن "مخارج
لخسائر أقل"
رصدها
الكتاب
ايضاً. "ثمانية
أبواب
لمغادرة
لبنان"
اكتشفها
الاسرائيليون
خلال هذا
السجال،
كما قدموا
ثمانية
عروض
لمفارقة
جغرافيا
الموت"،
كانت هي
مجال الفصل
الثالث من "نهاية
الجدار
الطيب". وقد
وصل الكتاب
مبكراً، أي
في فصله
الرابع،
الى "الجدار
الطيب" في
أيامه
الأخيرة،
للأن
الكاتب
أراد ان
يفرد أربعة
فصول كاملة
لرصد "لحظة"
اسرائيلية
شاقة جداً،
فبعد ان سعت
اسرائيل في
حربين :"تصفية
الحساب" في
صيف 1993 و"عناقيد
الغضب" في
ربيع 1996 الى
تغيير "قواعد
اللعبة"
التي
فرضتها "المقاومة
الاسلامية"
وجدت نفسها
امام
الحقيقة
العارية:
الحيرة
المتزايدة،
ضرورات
الانسحاب
تحفر
مجراها
الفعلي في
مركز
القرار
الاسرائيلي،
تهديد
المقاومة
يزداد، بل
ان
المقاومة
تقبض على
المبادرة،
وتفرض "توازن
الرعب"،
وتصير سيدة
المعادلة
بلا منازع،
"التفاهمات"
تصير ورقة
قوة لـ"الآخر"،
وضيق،
بالمقابل،
في المؤسسة
العسكرية
الاسرائيلية
من "القيود"
دونما ثقة
بإمكانية
تحطيمها
باجتياح
جديد، أو
حتى
بالاعتداءات
التي تكررت
عدة مرات
على البنى
التحتية
اللبنانية.
ومع نهاية
العام 1999 كان
السجال
الاسرائيلي
قد وصل الى
أشده، وكان
"الجدار
الطيب" قد
انهار
عملياً
ومعه "الحزام
الامني"،
اما متاريس
الرمل (ميليشيا
لحد) فقد
منحتها
المقاومة
مبكرة
شهادة
الوفاة. في
"اللحظة"
هذه التي
رصدها
الكتاب في
فصوله
الأخيرة:"الجدار
في آخره،
بوابة
النهايات،
القرار 425
كملحمة
جيوبولوتيكية"،
ثمة جردة
غنية لكل "الحيل"
السياسية
التي
حاولتها "اسرائيل"
ودعمتها
الولايات
المتحدة
دائماً،
والامم
المتحدة
احياناً،
لتلافي
مصير "الهروب
المذل" وهو
مصير ظل
يعني في
العقل
الاسرائيلي
"العبرة
اللبنانية"
القابلة
لأن تصير -
وبكل سهولة -
فلسطينية (وهذا
ما حدث حقاً)
وبعد 4 أشهر
فقط من "نهاية
الجدار
الطيب" في
لبنان. أما
الفصل
الاخير من
الكتاب،
فكان
الحكاية
الكاملة
لمزارع
شبعا
اللبنانية
المحتلة..
وهي حكاية
تقول
الكثير لذا
استحقت كل
هذه
العناية من
الكاتب،
انها حكاية
"الاستمرار"
بالنسبة
للنموذج
اللبناني
القابل
للتعميم
عربياً،
والشاهد
المقيم على
ان "اسرائيل"
كسبت في
لبنان فقط،
عنوان
خروجها من
التاريخ. حكاية
"الامن
الاسرائيلي"
اللبنانية
لن يفهمها
الاسرائيليون
قط... انها
حكاية قوة "الضعف"
في مواجهة
جبروت
القوة
العارية،
وهذه
الأخيرة في
تمامها هي
كمال الضعف
في عزّ
توحشه... وهذا
ما يتبدى في
فلسطين
الآن بوضوح...
وربما في
اماكن اخرى. الفلسطينيون
الآن، كما
اللبنانيين
من قبل،
أجادوا
الاصغاء
الى صوت
الزمن،
فباتت "اسرائيل"
في حاجة الى
من ينقذها
من نفسها...
وهذا ما لن
تفعله
الولايات
المتحدة. "نهاية
الجدار
الطيب" سيرة
تهمس، لمن
يريد ان
يعرف،
بنهاية
كيان يهجس
بأفق
النهاية. *
كاتب
فلسطيني بطاقة
الكتاب -
نهاية
الجدار
الطيب: سيرة
الاحتلال
الاسرائيلي
للبنان 1976 - 2001. -
المؤلف:
محمود حيدر. -
دار رياض
الريس -
بيروت -
الطبعة
الاولى /
تشرين
الثاني 2001. -
320 صفحة من
القطع
الوسط. |
|
|