منظور الاسلام لحقوق الانسان


توفيق شومان

عكست عملية الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني العديد من الأسئلة والقراءات الآنية والاستراتيجية، طاولت ماضي وحاضر ومستقبل الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وفتحت المجال واسعاً أمام انقلاب الصور والرموز والمفاهيم في الوعي السياسي العربي، ومثله في الوعي الاسرائيلي، فضلاً عن دخول مرحلة ما بعد الانسحاب، في عالم تحليلي للنتائج والخلاصات التي استقرت عليها مشهدية الرحيل الاسرائيلي عن معظم الاراضي اللبنانية في الخامس والعشرين من أيار من العام الماضي.

هذه القراءة تقارب الحدث انطلاقاً من صور ثلاث هي:

1 ـ صورة الحدث بأبعاده الاستراتيجية.

2 ـ صورة الحدث بعوامله الطارئة على الوعي السياسي العربي.

3 ـ صورة الحدث بانعكاساته على وعي الاسرائيلي بنفسه.

 

الانسحاب والأبعاد الاستراتيجية

 

بادئ ذي بدء، لا بد من القول بأن قراءة التجربة اللبنانية في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، ما فتئت في طورها الدراسي الأول، الأمر الذي يجعل الزعم بالتوصل الى نهائيات ونتائجيات مطلقة، خارجاً عن جادة الصواب، ومع ذلك، فإن طائفة كبرى من الأبعاد التي استقرت عليها خلاصة عملية التحرير، يمكن ان تُلقي اضاءاتٍ على التجربة المذكورة، استناداً  الى التالي:

ان نجاح فعل التحرير، على أرضية لبنانية ـ سورية ـ ايرانية،  أعاد تثبيت مقولة شمولية الصراع مع المشروع الصهيوني، فالأخير الذي يتجاوز بأبعاده الجغرافيا الفلسطينية الى الجغرافيا العربية بعمقها الحضاري، من الاستحالة مواجهته بمشروع فطري او كياني مجرد من العناصر الخلفية المساندة لآليات المواجهة، وهنا، تنضم تجربة المقاومة في لبنان وعمودها الفقري حزب الله الى تجربة حرب العام 1973، حين بادر العرب (السوريون والمصريون تحديداً)، في عملية المواجهة والمجابهة، وليعني ذلك، ان التجربتين اليتيمتين اللتين انتجتا نصراً وأملاً، مرتبطتان بالنظرة الشمولية للصراع مع "اسرائيل" فيما "قطرنة" (من قطرية) المجابهة، هي اضفاء طابع الضعف على أنساق الصراع، وأحد مكامن الهزائم العربية، وتالياً، ديمومة المشروع الصهيوني ووليدته "اسرائيل".

المسألة الثانية في طائفة الأبعاد الاستراتيجية، تتعلق باعادة احياء مفهوم المقاومة الشعبية، ففي ظل التفوق العسكري الاسرائيلي والتقانة العالية المضيفة تفوقاً على تفوق، تبدو المقاومة الشعبية سبيلاً آخر لعملية التحرير، وهنا قد تفرض المقارنة نفسها، ففي تجربة المقاومة الفيتنامية، كان ثمة دولة في الشمال ومقاومة في الجنوب، والأمر اياه ينطبق على النموذج اللبناني في المقاومة، ومرة اخرى خارج القطريات والكيانات، اذ كان للعرب مقاومة في الجنوب اللبناني، ودولتان في الشمال هما سوريا وايران.

بعد مسألتي الصراع الشمولي والمقاومة الشعبية اللتين أعادت المقاومة الاسلامية احياءهما بفعل التحرير، يمكن التطرق الى عوامل اخرى في طائفة الأبعاد الاستراتيجية التي أفرزتها عملية تحرير الجنوب اللبناني ومنها:

1 ـ ان الانسحاب الاسرائيلي أظهر تقلص قدرة الردع لدى العدو، والمعروف في هذا المجال، ان "اسرائيل" صاغت نظريتها الأمنية على قاعدة اسقاط الظن والتفكير العربيين بامكانية شن الحروب عليها، من خلال الذهاب الى حالة التشبع العسكري، بل التخمة، فإن ارهاصات تفكك هذه النظرية بدأت معالمها بالارتسام في حرب العام 1973، وتفككت فعلياً في 25 أيار 2000 من خلال عملية الانسحاب من الجنوب اللبناني.

2 ـ اضافة الى ما تقدم، أفرز فعل التحرير الجنوبي، سقوط نظرية الحرب الخاطفة، التي شكلت مذهباً قتالياً لكل الحروب الاسرائيلية على العرب، واذا كانت الأمور تُقاس بنتائجها، ولو بعد حين، فإن اجتياحي العامين 1978 و 1982، انتهيا الى حصاد اسرائيلي سلبي، اذ لم تستطع "اسرائيل" استثمارهما سياسياً ولا عسكرياً، فالمستوطنات الشمالية التي شكلت هدفية الحفاظ على أمنها ذريعة للاجتياحين سابقي الذكر، غدت مجدداً في دائرة نار المقاومة.

3 ـ الأمر الآخر، وفي السياق الميداني أيضاً، ان الانسحاب الاسرائيلي من معظم الاراضي اللبنانية أظهر سقوط نظرية حرب الخليج الثانية وحرب كوسوفو، وهما حربان قامتا على كثافة الاجتياح الجوي، وقد عمدت "اسرائيل" الى استلهام تجربة حرب الخليج الثانية مرتين، الأولى في تموز العام 1993، والثانية في نيسان 1996 وباءت المحاولتان بالفشل.

4 ـ وليس بعيداً أيضاً عن السياق الميداني، فإن تجربة حزب الله في المقاومة، أكدت أنه بالإمكان إحداث "توازن رعب" مع الكيان الصهيوني على الرغم من انعدام  التكافؤ العسكري بين الأطراف المتصارعة، و"تفاهم نيسان" 1996، الذي نهض على معادلة قصف المستوطنات مقابل قصف المدنيين اللبنانيين يثبّت القول هذا.

وبقاءً في طائفة الأبعاد الاستراتيجية التي أفرزتها عملية التحرير، يمكن تأكيد أن النظرية الاسرائيلية القائلة بخوض الحروب على اراضي الغير، قد تلاشت، كما ان نظرية الـ "ماسادا" أو "القلعة المحصنة" التي شكلت أحد جوانب النظرية الأمنية والتسلحية الاسرائيلية، قد تعرضت لاهتزاز أكيد، وفوق ذلك، فإن صورة الجيش الذي لا يُقهر خرجت من عالم الأسطورة وبات القهر عنواناً لقوافل المهزومين والراحلين عن الجنوب اللبناني.

ويبقى في طائفة الأبعاد، العناصر التالية التي أكدت على:

أ ـ ضرورة وأهمية العامل الديني في مشروع المواجهة مع "اسرائيل".

ب ـ ان مشروع المقاومة والصراع مع العدو، هو مشروع توحيدي في الداخل.

ج ـ القدرة على الاختراقات الأمنية لأجهزة استخبارات العدو.

د ـ نقطة الضعف الاسرائيلية في عنصرها البشري أي المحافظة على أمن الأفراد.

هـ ـ سقوط المشروع السياسي والعسكري الاسرائيلي في لبنان،  وهو مشروع تاريخي وتقليدي.

و ـ القدرة على تحرير الارض من دون قيود أو شروط وخارج فضاء المفاوضات.

ز ـ امكانية هزيمة "اسرائيل" بالنقاط وليس بالضرورة بالضربة القاضية.

ح ـ التأثير الواضح لانجاز التحرير وللمقاومة على الشارع العربي وتحديداً الفلسطيني.

ط ـ انقلاب مفهوم اللعبة من حرب أهلية  طائفية الى رمز للمقاومة الشعبية والانتصار.

ي ـ امكانية القتال والنصر على الجبهة الشرقية من دون مصر.

 

التحرير وانعكاساته على الوعي العربي

 

انطلقت عملية التسوية الشرق أوسطية في العام 1991، على عجلة مكونة من عدة أضلاع هي: حرب الخليج الثانية وتدمير أقوى القدرات العسكرية العربية المتمثلة بالعراق، انهيار الاتحاد السوفياتي، بما يعني خسارة العرب لحليفهم الدولي، مشروع اميركي للمنطقة بغية اعادة صوغها وفق منظومة أمنية سياسية اقتصادية جديدة، حالة انقسام وتمحور عربية لا سابق لها، تفوق عسكري اسرائيلي منقطع النظير.

وعلى هذه الخلفية، راح مشروع التسوية يفرض وقائعه ومجرياته، فكان اتفاق "أوسلو" وتلاه اتفاق "وادي عربة" وقبل الاثنين وبعدهما، كانت العواصم العربية باستثناء دمشق تفتح بواباتها وتعطي مفاتيحها للفاتح الاسرائيلي، وبموازاة ذلك برز التالي:

1 ـ نظرية الواقعية السياسية ومصطلح العقلانية، وكلاهما، يقومان على نبذ المقاومة وادراجها في خانة الانفجار والخراب فـ "اسرائيل" القوية لا يمكن مجابهتها بالانهيار العربي.

2 ـ ظهور جماعات التسوية وروابط المثقفين الداعية لاقامة علاقات مع تيارات "السلام" الاسرائيلية.

3 ـ سيطرة ثقافة اليأس على الشارع العربي، باستثناء سوريا وقلة من التيارات السياسية العربية.

4 ـ طغيان مصطلحات من مثل، التطبيع، الشرق أوسطية، السلام، العقلانية، الواقعية، أوسلو ـ وادي عربة، سنغافورة الشرق الأوسط، هونغ كونغ الشرق الأوسط، الارهاب، والدول الراعية له، وما الى ذلك...

في المقابل، كانت المقاومة مدعومة من سوريا وايران، تمضي بفعلها التحريري، حتى أنجزته في 25 أيار /مايو 2000 وحين تم ذلك بدا الوعي السياسي العربي منقلباً على ماضيه القريب وعلى ثقافة اليأس، وغدت بوابة فاطمة الفاصلة بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، محجاً للشارع العربي الذي جمعته هذه المرة، مهمة القاء الحجارة على الجنود الاسرائيليين في المقلب الآخر، هنا انقلبت الصورة، فالعربي المهزوم قبل التحرير، غدا هازماً ومنتصراً بعده، ومع عودة روح المقاومة بعد التحرير يتساءل المرء الآن:

1 ـ أين دعاة التطبيع ومن يسمع صوتهم؟؟

2 ـ اين مصطلحات الواقعية والعقلانية وملحقاتها؟؟

3 ـ من يسمع بعد بجماعة كوبنهاغن واخواتها؟؟

هذه الاسئلة تسلط الضوء على عمق التغيير الحاصل في الوعي السياسي العربي تجاه "اسرائيل" وغدا مصطلح "اللبننة" ببُعده الانتصاري مصطلحاً قائماً على انتظار نصر آخر في فلسطين، التي أدخلت عبر الانتفاضة المستمرة منذ ايلول/ سبتمبر الماضي، العديد من آثار التجربة اللبنانية الى آليات عملها ومواجهاتها اليومية، فأعلام المقاومة في التظاهرات والمواجهات الفلسطينية الداخلية، تعكس صورة الفلسطيني الذي يقول للاسرائيلين، بالأمس جنوب لبنان، وغداً فلسطين، كما ان ذهاب الانتفاضة الى ارساء معادلة "توازن رعب" من خلال مدافع الهاون، ليس الا تثبيتاً لمعادلة "توازن الرعب" بين صواريخ الكاتيوشا والآلة العسكرية الاسرائيلية.

ان كل ما تقدم، ينطوي على متغير انعطافي في صورة الوعي العربي تجاه "اسرائيل". وفي احصائية هدفت الى تتبع المصطلحات الواردة في وسائل الاعلام العربية المطبوعة لاستخراج صورة الوعي المستجدة وشملت 250 مقالة منشورة في الصحافة اللبنانية والكويتية والسعودية والاماراتية والمصرية، لاحظت التالي:

1 ـ ان هزيمة "اسرائيل" في لبنان وردت 123 مرة.

2 ـ ان الانتفاضة على طريق المقاومة الاسلامية في لبنان وردت 89 مرة.

3 ـ ان الجيش الذي لا يقهر، قُهر وردت71 مرة.

وفي الواقع، لا تحمل الأرقام الواردة قبل قليل سوى موجز عن عمق التحول الطارئ على الوعي العربي تجاه الصراع مع "اسرائيل" وانتقال هذا الوعي من الركون لقوة "اسرائيل" الى مرحلة القناعة بهزيمتها، وهذه احدى أهم انجازات المقاومة.

 

صورة الاسرائيلي لنفسه بعد التحرير

 

الآن.. انتقل الى العنوان الثالث لهذه القراءة، وهي وردت في المقدمة تحت عنوان "صورة الحدث بانعكاساته على وعي الاسرائيلي بنفسه".

في البداية، لا بدّ أن أشير الى نمطية صورة العربي في الوعي الاسرائيلي التقليدي، وبطبيعة الحال كل الحضور هنا يعرف الصورة المذكورة، ولكن لا بأس من اعادة اللجوء الى التكرار، وأستشهد بهذه السطور التي هي بحقيقتها قصة قصيرة من دراسة لايهود بن عيزر حول صورة العربي في الوسط العبري وفيها:

"ألقى العربي سلاحه.. وسقط تحت قدمي، ورأسه الى الارض، وقال: وحياة ربنا أنا أحب اليهود... ذكّرني هذا المشهد بالفدائيين. كنت أعيش حالة تأمل.. وفجأة سمعت صوت انفجار.. واذ بي أرى العربي يعيد يديه الى رأسه فتملكني الغضب.. ورحت انهال عليه بأقذع السباب... يا بن الكلب يا بن العاهرة.. يا غشاش... يا مخادع... ها أنت تصادقه.. وهو يستل سكيناً ليغمده في ظهرك".

هذه القصة تنمّط صورة العربي وفقاً للتالي:

أ ـ مهزوم ألقى سلاحه.

ب ـ خائف لا يريد ان يُقتل في سبيل قضية.

ج ـ يبكي ويطلب من اليهودي منحه الحياة.

د ـ يكذب ويقول أحب اليهود.

هـ ـ يُقسم على الكذب ويقول: وحياة ربنا.

و ـ مخادع يحاول قتل من يريد مصادقته.

بالطبع يمكن قراءة جوانب اخرى من القصة وعلى أي حال تلك هي صورة العربي، ولكن لاحظوا معي كيفية انقلاب الصورة بعد تحرير الجنوب.

1 ـ في صحيفة معاريف (17 - 5 - 2001) كتب ياعيل باز ميلماد: "ان الانسحاب من لبنان كان كارثة جلبت لنا الانتفاضة، والفلسطينيون رأونا نهرب وباتوا يعتقدون بأنه بالإمكان طردنا.

في لبنان كان ثمة مشاهد هي: جنازات.. صرخات الآباء والأمهات وقذائف صوب مستوطنات الشمال".

وفي معاريف أيضاً (16 - 5 - 2001) كلام لنائب رئيس الأركان الاسرائيلي موشي يعلون وفيه: الوعي العربي (الكلام بالحرف) رأى بالانسحاب، المرة الاولى، التي تنسحب فيها "اسرائيل" من دون اتفاق، وان هذا الانسحاب أحيا روح القتال لدى  الذين يؤيدون الصراع المسلح".

2 ـ المؤرخ الاسرائيلي مارتن فان كيفيلد (الانتقاد 25 - 5 - 2001) يعترف بالقول: "انها المرة الاولى التي تخسر فيها اسرائيل حرباً، ان اسرائيل مثل الولايات المتحدة في فيتنام، والاتحاد السوفياتي في افغانستان، لم تستطع الانتصار على مقاومة مدعومة من السكان".

3 ـ وفي "يديعوت احرونوت" (19 - 5 - 2001) كتب عوفر شليح، حول افادة لأحد الضباط الذين خدموا في جنوب لبنان، وهي مودعة في قيادة الأركان فقال: ان قراءة هذه الافادة، تُظهر ان الجيش الاسرائيلي هو جيش مهزوم هستيري، كاذب.

وبالمقارنة بين صورة العربي في الوعي الاسرائيلي من خلال القصة القصيرة الواردة آنفاً، والصورة اياها في الاستشهادات التي مرت قبل قليل، وبالتالي انعكاس النتيجة على صورة ووعي الاسرائيلي بنفسه، يتضح التالي:

أ ـ ان العربي بات منتصراً، والاسرائيلي مهزوماً.

ب ـ ان الكذب غدا من سمات الاسرائيلي.

ج ـ ان تجربة المقاومة في الجنوب اللبناني انعكست على الانتفاضة وبات الفلسطينيون أكثر أملاً وتفاؤلاً بالنصر.. بل ان يوسي بيلين ذهب الى ان يحمد ربه لعدم تزامن الانتفاضة مع اشتعال الجبهة اللبنانية الذي كان قبل 25 أيار 2000 (السفير 25 - 5 - 2001).

ان كل هذه الصور، هي بالحقيقة جوانب لصورة واحدة، يمكن ايجاد تتمة لها في ظاهرة هروب الجنود الاسرائيليين من الخدمة، حيث بلغ عدد الهاربين منذ اندلاع الانتفاضة 850 جندياً فيما ازدادت نسبة الاقبال الاسرائيلي على العيادات النفسية ولترتفع الى 69 بالمئة عما كانت عليه قبل الانسحاب من لبنان.

أخيراً تبقى اشارة الى ان عقدة اللبننة باتت مصطلحاً كثيف الحضور في النص الاسرائيلي، وتوصيف الجيش الهارب وذيله بين ساقيه، عبارة شائعة التداول في الصحافة اليومية الاسرائيلية، وتحاشي فتح جبهتين في وقت واحد، يلخص حقيقة انخفاض قدرة الردع والاستعداد لخوض الحروب، لدى الاسرائيليين، كما يقول يوسي بيلين وغيره، وهي صورة مغايرة تماماً لصورة ووعي الاسرائيلي بنفسه، مثلما كانت بعد حرب الخامس من حزيران/يوليو في العام 1967، وبعد اجتياح لبنان في العام 1982 وبعد حرب الخليج الثانية وانطلاق عملية التسوية على نظرية الانهيار العربي الشامل..

انقلبت صورة الاسرائيلي أمام مرآة نفسه، ويبقى ان نثق بصورة العربي المنتصر في الجنوب اللبناني ونحافظ عليها..

(#) نص محاضرة ألقيت في المركز الثقافي العربي ـ دمشق