الاستشهاديون ·· القنابل البشرية ·· الصواريخ المزدوجة
اسماء متعددة تثير الرعب في قلب الكيان·· وتبعث الثقة في قلوب الفلسطينيين


الانتقاد/ أحمد عماد

 

أثارت العمليات الاستشهادية التي ينفذها مجاهدو الانتفاضة في قلب الكيان العبري موجة من الذعر الشديد جعلت رئيس وزرائهم الأسبق اسحاق رابين يقف عاجزاً أمام احدى هذه العمليات التي نفذها مجاهدان من الجهاد الاسلامي في العام 1995 ويقول " ماذا يمكنني أن أفعل لهم·· هل نعاقبهم بالقتل·· وهل يفيد القتل مع من يرغب بالموت."

ومع ازدياد عدد هذه العمليات في الانتفاضة الحالية ـ حيث سجلت الأيام الماضية ارتفاعاً كبيراً في عدد العمليات الاستشهادية التي نفذها استشهاديون من حركتي الجهاد الاسلامي والمقاومة الاسلامية حماس ـ بات من المؤكد أن هذه العمليات أصبحت تشكل ظاهرة تستدعي الوقوف أمامها والبحث عن اسباب ازديادها واحناء الرأس أمام عظمة منفذيها··

"الانتقاد" بحثت في ابعاد هذه العمليات وتأثيرها على مجرى الصراع والتقت مع قادة حركتي الجهاد الاسلامي وحماس واعدت الملف التالي:

 

من هم الاستشهاديون؟

تحاول قوات الاحتلال التشكيك في نيات الاستشهاديين وترجع الأمر إلى حالتهم الاقتصادية الصعبة أو الى صغر أعمارهم إلا أن النماذج الاستشهادية تتنوع بشكل يدحض مزاعم الصهاينة·· فمستوياتهم التعليمية تتنوع ما بين المستوى الجامعي والمتوسط والثانوي في حين تتنوع مستويات اعمارهم ما بين الثامنة عشرة وحتى الثلاثين عاماً وما بين المتزوجين وغيرهم·

فالشهيد صلاح شاكر منفذ عملية بيت ليد في 2 / 1 / 1995م مع رفيق دربه أنور سكر كان نموذجاً للشاب الفلسطيني المجاهد فقد حصل على المرتبة الأولى على مدارس رفح في الثانوية العامة وحصل على بكارليوس في العلاج الطبيعي وأصيب خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت في العام 87 سبع مرات لم تمنعه عن مواصلة دربه نحو الشهادة.

و يروي بيان للقوى الاسلامية المجاهدة قسم الجناح العسكري للجهاد الاسلامي أن الشهيد أنور سكر تقدم مفجراً نفسه في قلب الكيان وانتظر الشهيد صلاح شاكر ثلاث دقائق حتى تجمع الصهاينة مرة أخرى وفجر نفسه في وسطهم··

هذه النماذج من الاستشهاديين تشير الى حجم الادراك العقلي وقوة الاعصاب التي امتلكها الشهيد صلاح شاكر والتي جعلته ينتظر دوره في الشهادة عدة دقائق وهو يرى رفيق دربه يفجر نفسه دون ان يتراجع·

 

نماذج حية

العمليات الاستشهادية لم تكن إلا حلقة من حلقات العمل الجهادي الحافل ضد قوات الاحتلال وسجل بعض الاستشهاديين اسماءهم بحروف من نور في قائمة الجهاد والمقاومة·· فلم تكن العملية الاستشهادية إلا محطتهم الأخيرة في الجهاد في سبيل الله ··· فقد مثل الشهيد أنور عزيز من مخيم جباليا نموذجاً حياً لاصرار هؤلاء الشباب على الشهادة ·· فقد نفذ الشهيد قبل استشهاده عملية عسكرية قرب حي الشيخ عجلين في مدينة غزة أدت إلى قتل مدير الضرائب في غزة والسكرتير الخاص به واصابة سبعة من جنود الاحتلال ثم شارك بعد ذلك بشهرين في تنفيذ عملية نوعية أخرى قرب مفرق الادارة المدنية في غزة أدت إلى قتل جنديين صهيونيين·· وفي لحظة خاصة قرر الشهيد تفجير نفسه واستقل سيارة فولكسفاجن معدة للانفجار ودخل وسط قافلة صهيونية كبيرة للجيش الصهيوني والمخابرات وضغط زر التفجير وبقضاء الله وقدره لم تنفجر السيارة وعاد لمنزله في انتظار موعد آخر مع الشهادة،

وفي صبيحة الثالث عشر من كانون الأول من العام 93 صلى الشهيد الفجر وودع زوجته طالباً منها أن تدعو له بالتوفيق في عمليته الاستشهادية وخرج مستقلاً سيارته وفجر نفسه داخل نقطة عسكرية بالقرب من معبر المنطار·

 

اصرار على الشهادة

الشهيد حسن عباس من كتائب الشهيد عز الدين القسام ـ الجناح العسكري لحركة حماس لم يمض على خروجه من سجون الاحتلال أكثر من شهرين حتى حمل سلاحه وانطلق في وسط مدينة القدس يوزع الرصاص على الصهاينة حتى تمكنوا من قتله ليرحل إلى جنات الفردوس بعد أن أشفى صدور المؤمنين من الصهاينة··

 

أشكال العمليات

ويعتقد البعض أن وضع حزام من المتفجرات حول خاصرة الاستشهادي أو حتى قيادته لسيارة محملة بعشرات الكيلوجرامات من المتفجرات هي الشكل الوحيد الذي اتبعته حركتا حماس والجهاد الاسلامي في تنفيذ العمليات الاستشهادية وهذا لا يعكس الحقيقة فهناك مثلاً ثورة السكاكين التي يحمل فيها مجاهد فلسطيني سكينه ويقوم بمهاجمة من يجده أمامه من المستوطنين أو الجنود في قلب الكيان حتى يستشهد أو يكتب الله له النجاة ··

الأسير نضال زلوم الذي نفذ عملية طعن بالسكاكين في مدينة القدس في العام 1987 وكان يعمل مدرساً في احدى مدارس الضفة الغربية حيث حصل على بكالوريوس الرياضيات من جامعة بير زيت يروي قصته فيقول كتبت وصيتي وحملت سكيني وهاجمت كل من قابلني حتى تمكن الصهاينة من السيطرة علي واعتقالي· ويضيف الاسير زلوم لم اتوقع في لحظة واحدة أن المولى عز وجل سيكتب لي الحياة·

 

شهادة من نوع اخر

وإذا كانت العمليات الاستشهادية قد اقتصرت على اعضاء حركتي الجهاد  الاسلامي وحماس إلا أن الشهيد بهاء أبو السعيد أحد أعضاء صقور فتح والضابط في أحد الأجهزة الأمنية كسر هذه القاعدة واقتحم بسلاحه الرشاش في التاسع والعشرين من تشرين الثاني من العام 2000 مستوطنة كفار داروم وسط القطاع وتمكن من قتل اثنين من الجنود الصهاينة قبل أن يستشهد··

 

استراتيجية ثابتة

ومع انطلاقة فعاليات انتفاضة الأقصى تزايد الاقبال من قبل الشباب الفلسطيني على تنفيذ عمليات استشهادية الأمر الذي جعل الكيان الصهيوني يشعر بالرعب من هذه القنابل البشرية·· وللوقوف على دعاوى هذا التدافع الملحوظ من قبل الاستشهاديين قال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حركة حماس "ان العمليات الاستشهادية وغيرها تعتبر بمثابة استراتيجية ثابتة لحركة حماس، موضحاً ان  ضرب هذا العدو الغاصب لفلسطين واجب شرعي، ولا نرى في صفوفه الا قتلة وسفاحين منذ اكثر من مئة عام سواء الذين شاركوا في قوات الجيش الاحتلالي او من جاء واغتصب الارض، فجميعهم في الجرم سواء، معرّفاً الشهيد بأنه من شهد بدمه أن ما عند الله خير وأبقى، فصدّق هذه العقيدة الراسخة بأن شهد بدمه"·

ويرد د·الرنتيسي الاقبال الشديد من قبل الشبان الفلسطينيين الى رسوخ العقيدة الصادقة في قلوبهم بالاضافة الى ان هذا النوع من العمليات يعتبر الاشد ايلاماً للعدو، فهي فضلاً عن اصابتها عدداً كبيراً من العدو بين قتيل وجريح، تدمر اقتصاده ونفسياته ومعنوياته المنهارة اصلاً·

وحول الاعلان عن أرقام الاستشهاديين في وسائل الاعلام والهدف منها رأى د·الرنتيسي "ان حربنا مع العدو لها عدة اشكال، فهي تأخذ البعد النفسي والاعلامي والمادي، ومن هنا فإن الاعلان عن عدد الاستشهاديين المستعدين لتنفيذ عمليات استشهادية داخل  الكيان الغاصب يأتي في سياق الحرب الاعلامية والنفسية التي تقذف في قلوب العدو الرعب والذعر، مؤكداً ان هذا هو المدخل لهزيمتهم"·

العمليات تحقق أهدافها

 الشيخ عبد الله الشامي القيادي البارز في حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، أكد انه لا يفت في عضد الامة تواتر ارتقاء الشهداء، فها هو شعبنا بعد ثمانية أشهر من الدماء والاشلاء التي قدمها في سبيل الدين والوطن، أصبحت الشهادة في حسه ووجدانه قيمة وعقيدة راسخة يرغب فيها الجميع لأنهم يعرفون ما اعد الله للشهيد من النعيم والكرامات، ويعرفون بأن سبيل الشهادة هو الذي يغيظ الاعداء ويحرر البلاد والعباد من الظلم الواقع فوق الرقاب·

وأشار الشامي الى ان عدد الاستشهاديين الفلسطينيين يتزايد بصورة عجيبة في هذه الفترة بالذات، الامر الذي يقلق دولة الكيان الصهيوني، ويشعرها بانعدام الأمن، مضيفاً ان الاعلان عن ارقام الاستشهاديين يزرع الرعب والقلق في صفوف العدو المصاب بالاحباط واليأس، ما حدا بالالاف منهم التوجه الى وزارة الداخلية لاستصدار جوازات سفر للرحيل من هذه المنطقة·

 

عمليات تبادل

وقال الشامي انه ونظراً للكم الهائل من الاستشهاديين في الحركة الاسلامية، فإن عدداً منهم لا يطيق الانتظار لحين سناح الفرصة له في الشهادة، ولذلك نرى عمليات انتقال متبادلة بين أبناء حركتي حماس والجهاد الاسلامي للوصول الى هذه الغاية، موضحاً أن الشهيد عرفات أبوكويك انتقل من حركة حماس قبل عام والتحق بصفوف الجهاد حتى يتسنى له تنفيذ عمليته الاستشهادية بين صفوف اخوانه في الجهاد الاسلامي، كما ان الشهيد حسين ابو نصر انتقل من حركة الجهاد الاسلامي قبل استشهاده بأيام الى حركة حماس لتنفيذ عمليته الاستشهادية عند مستوطنة نتساريم، حيث كان يصر وبشدة على تنفيذ عملية استشهادية·

وأكد الشامي ان العمليات الاستشهادية ستبقى سلاحاً استراتيجياً لدى الجهاد الاسلامي ولكل المجاهدين، لما تحققه من توازن للرعب بيننا وبين العدو، حتى يتم استحداث أساليب جديدة أشد تأثيراً.

واوضح الشامي ان فعل الشهيد التحريضي في الامة عظيم الاثر، مشيراً الى ما احدثه استشهاد الامين العام لحزب الله والأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي، حيث تجددت روح الجهاد واشتعل فتيلها أكثر، وكما هو واضح في تدافع الاستشهاديين عقب كل عملية استشهادية·

 

هستيريا صهيونية

"اصبحنا لا نعرف طعما للحياة والموت يلاحقنا في كل مكان··انه امر لا يطاق". كان هذا ما قالته بغضب ممزوج بالفزع جاليت وهي شابة اسرائيلية كانت تتحدث الى محطة اذاعة اسرائيلية كبيرة في القدس خصصت معظم برامجها لمناقشة ما وصفته " بسوء الاوضاع الامنية وازدياد الارهاب" وذلك عقب عمليتي التفجير امام مقر المسكوبية وهو اهم مركز امني في القدس ·

كانت تلك الاذاعة المسماة "راديو يروشالايم" تستضيف عددا من المحللين ومجموعة من المرشدين النفسيين لمعالجة ظاهرة الفزع والهستيريا النفسية التي بدأت تجتاح الشارع الاسرائيلي بشكل لم تشهده الدولة العبرية منذ اقامتها قبل ثلاثة وخمسين عاما ·

لم يوقع الانفجاران في اهم شارع بالقدس الغربية أي خسائر في الارواح، ولكنهما اصابا الآلاف من الاسرائيليين بالذعر والفزع، وكما يقول ارنون وهو صحفي في اسبوعية "كول هعير" الصادرة بالمدينة "ان موجة الفزع والهستيريا اصبحت ظاهرة تتفاقم وتهدد مستقبل كيان العدو مشيرا "الى ان مجرد وقوع انفجارات في المدينة وفي اهم شوارعها يتعدى كونه توجيه صفعة للكرامة الاسرائيلية, ولكنه يصل الى مرحلة التحدي القاسي"·

قبل يومين من تخصيص الاذاعة الاسرائيلية موجة مفتوحة لمتابعة التطورات الامنية, كانت تخصص يوما مفتوحا آخر للتضامن مع سكان حي جيلو الاستيطاني جنوبي المدينة, الذي يتعرض بين الفينة والاخرى الى هجمات بالاسلحة النارية الخفيفة من قبل مسلحين فلسطينيين ·

كان في ذلك الوقت رئيس بلدية "اورشليم" ايهود اولمرت يتفقد عددا من المنازل والعائلات في ذلك الحي، وسبق ذلك افتتاحه مكتبا خاصا لبلديته هناك لمعالجة احتياجات المستوطنين وتقديم الخدمات اليهم·

وفي ذلك اليوم الذي خصصه الاعلام لجيلو والاستماع الى هموم ومعاناة سكان الحي, واستقبال مكالمات للتضامن معهم, كان موشية 45 عاما من سكان المالحة وهو الحي الفلسطيني الذي استولت عليه "اسرائيل" من سكانه الفلسطينيين والقريب من جيلو يلقي بكلمات غاضبة على الهواء مباشرة حول تردي الاوضاع وازدياد المخاطر, قائلا "اصبح رصاصهم يصل عندنا ويتجاوز جيلو, وماذا بعد ذلك, هل ننتظر ان يطلقوا علينا قذائف الهاون, ان الخطأ الفادح الذي ارتكبته حكومة "اسرائيل" هو تسليح السلطة "!!

لكن المرشدين النفسيين الذين كانوا يتحدثون في الموجة المفتوحة التي اعقبت انفجارات القدس كانوا منهمكين في الردود على الانتقادات والمكالمات الحادة من قبل الجمهور الذي اصابه الكثير من الهلع والفزع·

قالت ساريت التي تعمل سكرتيرة في احد المكاتب بشارع يافا "اصبحت نفسيتي غير مستقرة فكل صباح افكر باللحظة التي يتطاير فيها كل شيء, واحاول ان اتجنب الصعود في الباصات او الاقتراب من المواقف, لكن المشكلة ان هناك منتحرين وهناك سيارات مفخخة وعبوات يضعونها في كل مكان" ·

وقد اثرت العمليات الاستشهادية بشكل كبير على نمط حياة الصهاينة.. فقد تغيرت عاداتهم وأصبحوا يخشون ركوب الحافلات التي شكلت هدفاً سهلاً لرجال الانتفاضة ·· كما تضع الشرطة الإسرائيلية حراسات مشددة على المراكز التجارية والأسواق··

وفي يوم واحد تصل لقوات الاحتلال عشرات الانذارات عن وجود استشهاديين أو عبوات ناسفة وغيرها·· في حين تجد قوات الاحتلال الصهيوني نفسها عاجزة عن ايقاف مجاهد قادم نحو الموت·