بعد جولة كولن باول الافريقية:
القارة السوداء امام استنزافات جديدة


الاهتمام الأميركي بإفريقيا يتزايد، وكل الدلائل تشير الى انه سيأخذ، على المدى القريب، أبعاداً أكثر عمقاً واتساعاً. وقد جاءت جولة كولن باول الأخيرة على عدد من العواصم الافريقية تعبيراً عن هذا الاهتمام الذي بدأه الديموقراطيون والذي يبدو ان الجمهوريين جادون في دفعه نحو حدوده القصوى.

 

واللافت في هذا الاهتمام أنه يقطع مع اشكاله القديمة التي كانت تعبر عن نفسها من خلال الحروب بالوكالة، خلال فترة الحرب الباردة، أو من خلال محاولات التدخل العسكري المباشر التي يبدو انها أخلت المجال لأشكال جديدة من التعامل، بعد التجارب المريرة التي تمثلت بالانسحاب من الصومال وبتفجيري نيروبي ودار السلام. أما أشكال التعامل الجديدة فالواضح انها تستثمر بشكل اساسي في التفاوت الهائل بين أوضاع الولايات المتحدة كدولة كبرى وقوية ومزدهرة اقتصادياً وطامحة الى المزيد من تعزيز موقعها كقطب عالمي أوحد، وبين أوضاع افريقيا المنكوبة بقرون من الاستعمار والاستعباد وبعقود من التجارب الاستقلالية الفاشلة التي أورثت دماراً اقتصادياً شاملاً ومديونيات ضخمة وأوبئة ومجاعات وسلاسل من الحروب الاقليمية والأهلية والقبلية، في ظل أنظمة حكم متنازعة ومترجرجة باتت وظائفها الاساسية مقتصرة على تهيئة افضل الشروط لنشاط شركات التنقب عن الثروات الجوفية وغيرها من اشكال الاستثمار الرائجة. ومن الطبيعي، في ظل التفاوت الذكور، وفي ظل سيادة وعي بائس اتضح ـ منذ جولة كلينتون الافريقية عام 98 ـ أنه لا يرى خلاصاً لافريقيا الا من خلال الحدب الغربي والاميركي خصوصاً بعد تراجع النفوذ الفرنسي والاوروبي على وجه العموم.. ان تستثمر أشكال التعامل الجديدة في ما يمكن تسميته بحالة الانسحار الافريقي بالغرب وبالولايات المتحدة بوجه خاص. والحالة المذكورة هي حالة مركبة من مظاهرها، اضافة الى مطمح تقمص نمط العيش الاميركي، تكاثر الدعوات الى عودة الاستعمار القديم والاقبال المنقطع النظير على الهجرة وتحول تأشيرة الدخول والغرين كارد الى حلم فردوسي، وهو أمر يشهد على صحته هروع اكثر من عشرة ملايين شخص، أكثرهم من الأفارقة، الى الاشتراك في اليانصيب السنوي للفوز بالجنسية الأميركية.

ومن العوامل التي اسهمت بشكل بارز في تغذية حالة الانسحار المذكورة ما نشهده من تنامي تلك الظاهرة المتمثلة بصعود أو، على الاصح، بـ"اصعاد" العديدين من ذوي البشرة السوداء الى مناصب عليا في الادارة الاميركية والمنظمات الدولية على حد سواء. وهذه الظاهرة تشكل جزءاً من توجه ذكي نحو تنفيذ مخططات الهيمنة بأيدي جهات يمكن تقديمها عنها، على الصعيد الدولي، في تحول العديد من النظم والتنظيمات ذات الصبغة الثورية الى مجرد وكلاء لذلك المعسكر (كما في حالة الماركسيين والوطنيين الذين يحكمون في أكثر من بلد افريقي وغير افريقي بدعم أميركي). وهذه الظاهرة التي يعتبر تعيين كولن باول في منصب وزارة الخارجية الاميركية، ونموندوليزا دايس في منصب مستشارة الأمن القومي الأميركي، وجندايي فرايزر في منصب المسؤول عن مكتب افريقيا في المجلس المذكور، من أبرز تجسداتها، تقترن بظواهر أخرى ذات مغزى واضح. ومن هذه الظواهر تركيز الاميركيين على دعوة حشود من رجال الاعمال والمثقفين والسياسيين الافارقة، المنتمين الى الحكم او المعارضة، الى القيام بزيارات باذخة الى الولايات المتحدة حيث يشاركون في الندوات ويحضرون مؤتمرات الحزبين الجمهوري والديموقراطي ويبيعون الاستشارات لمراكز الابحاث ويحظون بظهور آرائهم ونظرياتهم في كبريات الصحف الاميركية.. قبل ان يعودوا الى بلدانهم متشبعين بفكرة العمل على دفع افريقيا نحو المزيد من التقارب مع الولايات المتحدة التي يتمتع فيها السود بأوضاع تؤهلهم لأن يكونوا نماذج يمكن للأفارقة، بنظرهم، أن يحتذوها من أجل تحقيق الازدهار المنشود. وبالموازاة مع هذه النشاطات ولإعطاء التقارب شكله المؤسساتي المنظم، قام "مركز الدراسات الاستراتيجية الخاصة بإفريقيا"، والذي أنشىء بتوجيه من البنتاغون، بتنظيم ندوة بتاريخ التاسع والعاشر من أيار الماضي حضرها أكثر من مئة جامعي وباحث، إضافة الى ممثلي المنظمات غير الحكومية والعديد من رجال السياسة والجيش في الولايات المتحدة وافريقيا، للبحث في مسائل أمنية تهم الطرفين وللاستماع الى اقتراحات حول رسم سياسات بوش الافريقية.

وكان الرئيس بوش قد دعا، في الأول من ايار، خمسة وثلاثين من رؤساء الجمهوريات والحكومات الأفارقة للحضور الى واشنطن في شهر تشرين الاول القادم لعرض مشكلات بلدانهم وللنقاش حول امكانيات وآفاق الاستثمار الاميركي في افريقيا. وهذا الاجتماع هو غير القمة الاميركية ـ الافريقية للأعمال التي ستنعقد في فيلادلفيا بين السادس عشر والعشرين من أيلول القادم.

 

وحدة حال

وقد جاءت جولة كولن باول الافريقية حيث زار كلاً من كينيا ومالي وأوغندا وافريقيا الجنوبية لتنافس الديموقراطيين على الشارع الأميركي الأسود ولتؤكد على الاهتمام الأميركي بإفريقيا ولتشدد، خصوصاً، على ما يمكن تسميته بـ"وحدة الحال" بين افريقيا والولايات المتحدة التي يشكل السود 35 بالمئة من سكانها والتي يدرس فيها عشرات الألوف من الطلبة الافارقة، على ما حرص باول على التذكير به. وإذا كان باول قد حرص ايضاً على ان يستقبل كإفريقي، وأن يتلفظ ببعض العبارات باللغات المحلية، وأن يكرر الاعراب عن فخره بالعودة الى ما اسماه بـ"أرض الأجداد"، فلكي يخدم استراتيجية "كسب القلوب" الى جانب المكاسب المادية التي لم تكن غائبة بالطبع عن برنامج الجولة. ومن أبرز محاور هذا البرنامج ما حفل به من توبيخات استوحاها من رسالة طويلة وجهتها اليه، قبل سفره، مديرة فرع افريقيا في هيومان رايت ووتش (المنظمة الأميركية للدفاع عن حقوق الانسان). وقد وجه بدوره هذه التوبيخات على التوالي الى كل من تابو مبيكي، الرئيس الافريقي الجنوبي، بسبب تعارض موقفه من مكافحة الايدز مع مصالح شركات الأدوية الأميركية، وروبيروت موغابي، الرئيس الزيمبابوي، بسبب تمسكه بالحكم وموقفه المعادي لـ"اشقائه" المزارعين البيض، ودانيال آراب موا، الرئيس الكيني، بسب محاولاته لتغيير الدستور بهدف البقاء في الحكم الى ما لا نهاية. ولم ينس باول الهجوم على النظام السوداني حيث كرر باول تصريحات كان الرئيس بوش قد أدلى بها في الثالث من ايار وأدان فيها ما أسماه بالجرائم والفظائع التي ترتكبها الخرطوم التي وصفها بأنها تنتهك حقوق الانسان بشكل سافر. والى جانب التوبيخات، وجه باول إطراءً لبعض النظم الافريقية التي حققت، بنظره، تقدماً على طريق التحولات الديموقراطية.

 

أولويات

ولفت باول الى أولويات السياسة الاميركية تجاه افريقيا وارتكازها الى محاور أهمها مكافحة الايدز والمساعدات المالية وقضايا التجارة وحل النزاعات القائمة واستباق حدوث نزاعات جديدة. ففيما يتعلق بالايدز، أحدث باول مفاجأة وذهولاً لأنه لم يقدم جديداً على الخطوة التي أعلنها الرئيس بوش في نيسان الماضي بدفع مبلغ 200 مليون دولار للصندوق الذي انشىء بمبادرة من كوفي آنان، في قمة آبوجا، علماً أن تكاليف المكافحة تتطلب، وفقاً لتقديرات آنان، ما يتراوح بين سبعة وعشرة مليارات دولار. أما المساعدات التي أعلن عنها لـ"حلحلة مشكلات افريقيا" فقد تميزت بالهزال الشديد مقارنة، على سبيل المثال، مع الاربعة مليارات دولار التي تقدمها الولايات المتحدة سنوياً الى "اسرائيل". فقد اقتصرت هذه المساعدات على 50 مليون دولار مقسطة على خمس سنوات للصديقة اوغندا، وهي مخصصة بكاملها لمكافحة الايدز، وعلى 40 الف طن من الأغذية لما يسمى بضحايا المجاعة في جنوب السودان. ولم يقدم باول وعوداً بأي مساعدات أخرى ولكنه شجع الأفارقة ـ والكلام لباول ـ على مواصلة "الضغط علينا لأننا نستطيع، ويجب علينا، ان نفعل المزيد". والواضح ان "الضغط" يجب ان يفهم بمعنى التنازلات والتسهيلات.

أما حول قضايا التجارة، فقد تم تسليط الاضواء على البدء الوشيك في تنفيذ القانون الذي أقره الكونغرس في أيار من العام 2000 حول اعفاء عدد من السلع الافريقية من الرسوم الجمركية عند دخولها الى الولايات المتحدة. كما جرى البحث في زيادة حصة اميركا في السوق الافريقية والتي تبلغ 260 مليار دولار ( 15 بالمئة من حجم هذه السوق بالمقارنة مع 10 بالمئة لفرنسا) الامر الذي يعكس مدى التفوق الاميركي في هذا المجال.

وكذلك تم البحث في نواحي التقدم في المبادلات بين افريقيا وشريكها التجاري الأول، الولايات المتحدة، والتي وصلت الى 39 مليار دولار عام 2000 منها 28 مليار دولار للصادرات الافريقية، وأكثرها نفطية، و11 ملياراً تميل الى المزيد من الارتفاع في ظروف اقبال العديد من شركات النفط الاميركي على سوق التنقيب في خليج غينيا وانغولا وكذلك من خطوط الانابيب التي يتم انشاؤها بين المناطق الداخلية والموانىء الواقعة على الاطلسي لوارداتها من الولايات المتحدة. ويلاحظ ان الجمهوريين سيواصلون اعتماد سياسة الديموقراطيين في تجنب التدخل العسكري المباشر، والاستعاضة عن ذلك بالاعتماد على بعض الدول المحورية مثل كينيا ونيجيريا وجنوب افريقيا، مع تقديم مساعدات لوجستية لهذه البلدان تتضمن التدريب والتسليح وتبادل المعلومات. والملاحظ أيضاً ان هذه السياسة قد تجاوزت الخلافات الكلاسيكية مع فرنسا والبلدان الافريقية الفرنكوفونية، وأن أكثر من بادرة قد ظهرت لتدلل على ان التفاهم وتقاسم المهمات سيحلان، من الآن فصاعداً محل الخلافات المذكورة.

وعليه، لم يعد بإمكان افريقيا المنكوبة ان تستفيد من هامش المنافسة الاميركية ـ الاوروبية. كما ان الاهتمام الاميركي المتصاعد بإفريقيا لا يمكن ان ينبىء، في ظروف تسمم الوعي والانهيار الافريقي المتعدد الوجوه، وبالنظر الى طبيعة السياسة التي يمارسها "الأميركي البشع" في علاقاته مع الشعوب.. لا يمكن ان ينبىء الا بالمزيد من تعمق مظاهر الكارثة الافريقية. ومن يعلم، فلربما يأتي يوم تمتلىء فيه شاشات السينما والتلفزيون بالقصص المؤثرة عن تفاني الاميركيين في مساعدة الافارقة وحمايتهم.. على غرار ما نشهده اليوم في ذلك النوع من الادبيات الاميركية الحافلة بمظاهر التعاطف مع بقايا الهنود الحمر!

عقيل الشيخ حسين