باكستان: الجنرال مشرف يرتدي السموكنغ


وأخيراً انقلب الحاكم العسكري للباكستان الجنرال برويز مشرف على كل الوعود المتكررة التي أطلقها غداة انقلابه الأول على الرئيس السابق نواز شريف بعدم رغبته في البقاء في السلطة. فالمعلومات المتداولة راهناً تؤكد ان مشرف يسعى الى توطيد دعائم سلطته من خلال تولي رئاسة الجمهورية بعد تعزيز صلاحياتها بشكل يتيح له ممارسة صلاحيات واسعة جداً.

وكان سبق لمشرف ان أعلن فور تنفيذه الانقلاب على شريف احتجاجاً على ما أسماه مواقف هذا الاخير اللينة حيال الهند وتحديداً في موضوع كشمير، انه لا يرغب في البقاء في السلطة اكثر من سنتين في مهمة واضحة ومحددة قوامها توطيد الأمن وتعزيز مسيرة الاصلاحات الاقتصادية وتنظيم انتخابات عامة، أما الآن وبعد ان راقت فكرة الحكم له ووجد امكانية لتثبيت زعامته في بلدٍ للعسكر فيه نفوذ كبير، انطلق يؤكد ما يخالف كل ما سبق ان أطلقه من تعهدات ووعود.

وجديد الاجراءات التي يسعى حاكم الباكستان العسكري الى القيام بها تحويل موقع رئيس الجمهورية الذي لا يتعدى كونه موقعاً فخرياً في الوقت الحالي الى موقع رئيسي مؤثر وبصلاحيات مطلقة، وهو ما وافقت عليه المحكمة العليا، كما وافقت المحكمة على منح الرئيس صلاحيات تتصل بتعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء وعزلهم، بحيث لا يكون لهم اي سلطة مستقلة من دون الرئيس.

وقد وافقت المحكمة العليا على اعطاء موقع الرئاسة التي سيتولاها مشرّف صلاحية تعديل الدستور بما يمكنه من حل البرلمان ايضاً، شريطة ان لا يمس بالنظام البرلماني الفدرالي للباكستان، وأن يحافظ على استقلالية القضاء. وهكذا يكون حاكم الباكستان القوي قد أرسى زعامة قوية ومؤثرة تتحكم بمستقبل الباكستان فترات مديدة.

وتفيد المعلومات ان الجنرال مشرف قد باشر العمل لتعيين احد الجنرالات في الجيش الباكستاني مظفر عثمان قائداً للجيش، وهو من الجنرالات الذين يثق بولائهم الكامل لقيادته. أما على المستوى الخارجي فهو يحاول ان يرسل اشارات قوية الى صندوقي النقد الدولي بأنه الضامن الرئيسي لاستمرار الاصلاحات النقدية والاقتصادية المطلوب تنفيذها للنهوض بالوضع الاقتصادي الباكستاني من أزمته الراهنة. اضافة الى ما تقدم، فثمة عامل اساسي على المستوى الدولي قد يلعب دوراً بالغ الاهمية في تسهيل مهمة مشرف للإمساك بمقدرات السلطة في اسلام آباد، ويتمثل ذلك في توافر قناعة اكيدة لدى عدة دوائر اقليمية وعالمية ذات صلة بما يجري في القارة الهندية ومحيطها، على ان وصول جنرال عسكري الى سدة الرئاسة في الباكستان أمر مطلوب، حيث ان الجيش هو الطرف الوحيد القادر على إبرام صفقة حل ما بخصوص مسألة كشمير لكونه العنصر الأقوى في معادلة السلطة في اسلام آباد، خاصة بعد ان أصبحت الباكستان في عداد الدول النووية، وهو ما يطرح تساؤلات دولية عديدة حول مستقبل الاوضاع في منطقة القارة الهندية بأكملها في ظل تصاعد التوتيرات وتزايد الكلام عن امكانية حدوث حرب جديدة بين نيودلهي وإسلام آباد.

طبعاً، فإن ما يخطط له الجنرال مشرف امر ممكن الحدوث من دون ادنى شك، غير ان ذلك لا يعني انه سيمر بسهولة، وخاصة أن معنى ذلك ـ بحسب بعض المراقبين ـ ان البلاد ستدخل مرحلة من حكم الدكتاتورية المقنع، وهو ما لن تقبل به العديد من القوى الفاعلة في المجتمع الباكستاني، لا سيما أوساط الاحزاب المعارضة التي سبق أن برز منها قيادات مهمة، منها من كان على رأس السلطة مثل بنازير بوتو التي أزيحت بتهم الفساد، ولكنها ما زالت تتمتع بشعبية مهمة تمكنها من تحريك جزء مهم من الشارع الباكستاني. ويتوقع بعض المراقبين ان تثير التوجهات الحديدة الاحزاب والقوى المعارضة بدرجة كبيرة وتدفعها الى التكتل في ما بينها، خاصة أن ما يجري سوف يقضي على اي إمكانية لحصول تداول طبيعي وديموقراطي للسلطة، ويفتح الباب امام حكم قد يطول من جانب الجنرالات، خاصة في ظل تردي صورة البديل الذي غالباً ما تلوثت سمعته بالفساد والصفقات.

ومهما يكن من امر، فالاكيد ان الباكستان تعيش على عتبة تحولات وتغييرات مهمة تطال شكل النظام برمته، والأكيد ايضاً أن الغلبة فيه ستكون من دون شك للعسكر.