"المعارضة" تتحرك لإفشال انطلاق الحوار بين الحكم وبكركي


تتقدم الدعوة الى الحوار كل الدعوات الاخرى على الساحة المحلية، ويبقى الخط الأكثر حرارة لهذا الحوار ذلك الذي يجمع قصر بعبدا ببكركي، والذي شهد خلال الأسبوع الماضي حماوة زائدة من خلال الزيارة التي قام بها البطريرك الماروني نصر الله صفير الى رئيس الجمهورية العماد اميل لحود.

 

لوحظ قبل فترة قريبة من استقبال الرئيس اميل لحود للبطريرك الماروني صفير وبعد الاعلان عن موعد الزيارة، اشتعال بعض المواقف والدعوات التي تحث البطريرك على التشبث برأيه. كما لوحظ أيضاً قيام بعض القيادات الروحية المسيحية بزيارة قصر بعبدا من دون مواعيد معلنة على الملأ سابقاً.

وتبقى زيارة المطران يوسف بشارة الى القصر الجمهوري الحدث الذي تناول كل المواضيع، مع تطور بارز أجمع المراقبون على تفسيره بأنه دعوة الى تغيير الحكومة!

أثناء لقائه صفير أثنى الرئيس لحود على لهجة الاعتدال التي سادت الخطب والمواقف الاخيرة التي صدرت تحديداً عن  لسان البطريرك، ورشح ان امتداح لحود للبطريرك سوف يُرَدُّ عليه لاحقاً، ولا سيما أنه عُلم ان الدافع الأساسي لكلام رئيس الجمهورية جاء نتيجة ما سمعه من البطريرك أثناء مخابرة هاتفية سبقت اللقاء، وكذلك - وهنا الأهم - من المطران يوسف بشارة الذي دخل الى لقاء لحود حاملاً جعبة من الهواجس والمخاوف، وخرج من القصر بتوجه حواري صنفته أوساط مسيحية على أنه اعلان سياسي ليس إلا، لا سيما بعدما تناهى لمسمع المطران من أكثر من جهة ان اللقاء الثالث بين لحود وصفير ليس بروتوكولياً، وأن هناك شيئاً ما يحضّر للتقدم الى الامام. وتزامن ذلك مع حديث في "الصالونات المسيحية" مفاده ان كل كلام يُسرّب من "الاجواء" البطريركية على غير لسان سيد بكركي أو مكتبه لا يؤخذ به ولا يُعتد بمضامينه..

 

عملية التفافية

 

معلومات خاصة بـ"الانتقاد" تقول ان راعي لقاء قرنة شهوان المطران بشارة سارع بعد مغادرته قصر بعبدا للقاء أقطاب سياسية وروحية شاركت في لقاء قرنة شهوان، طالباً منهم إفساح المجال أمام الحكم ورئيس الجمهورية تحديداً، وانتظار نتائج مسعاه الذي من أجله شرّع أبواب قصر بعبدا لاستقبال وجهات النظر كافة، مع تشديد على عدم التراجع عن "الثوابت المسيحية" التي أُعلنت تجاه الرأي العامّ.

هذا الكلام يعرض تماماً وجهة نظر صفير، لكن ما الذي حصل حتى يسير بشارة بمنطق البطريرك؟ وما دام الأمر كذلك، فلماذا حضر  للقاء رئيس الجمهورية، علماً بأنه لم يحمل رسالة من البطريرك الماروني؟

الجواب عن هذه التساؤلات يعرضه ظهور موقف لافت جرى التساؤل عن خلفيته وتوقيته، تمثل بتصريح للوزير السابق فؤاد نفاع (الذي تربطه صداقة متينة ببشارة)، حيث قال حرفياً بعد لقائه صفير: "..ان التريث والتأجيل الى سوى ذلك هي ذرائع ترمي الى طمس الموضوع".

ويبدو أن هذا الموقف أطلّ منه بشارة بطريقة ذكية فُسّرت بأنها التفاف على نتائج كانت قد بدأت تلوح بالأفق، ولذا رأى أن أفضل طريقة للتعاطي مع الأمور هي تجميد الوقت، مع استمرارية "ثوابت الموقف" التي يتشبث بها (بشارة).

ما من شك في ان التمسك بنتيجة الحوار قبل بدئه هو ضرب لروحيته، ولم يتوقف الأمر هنا بل تعداه ـ كما تردد ـ الى ايماءات صدرت عن المطران يوسف بشارة اثناء لقائه الرئيس  لحود بطريقة غير مباشرة، وهي تحبيذه تغيير الحكومة من أجل ان تجمع كل التيارات والقوى اللبنانية الفاعلة والمؤثرة.

وإذا كانت هذه الايماءات قابلة للتأكيد أو النفي، فإن الشيء المؤكد أن صفير لم يتناول هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد مع رئيس الجمهورية، بل تمنى عليه في معرض حديثه وإياه استمرار العمل من أجل وقف نزف الشباب ومعالجة "الازمات" التي - حسب قوله - "أصبح لا لزوم لتكرارها، لأن الجميع حفظها عن ظهر قلب"، غير ممانع في إفساح الوقت، لأن "الأمور المطروحة تستحق كل تضحية..".

هذا التوجه الحواري يتناقض مع ما أُعلن في لقاء لم يحدد سابقاً حضره ممثلون عن تيار العونيين وحزب "القوات" المنحلة والكتلة الوطنية والكتائب (القسم المعارض) في جديدة المتن، والذي جرى أيضاً قبل لقاء لحود - صفير بـ48 ساعة، وذلك بتدبير سريع، حيث وجهوا في نهايته رسالة غير مباشرة الى البطريرك طالبوه فيها بوجوب التمسك بالآلية الواجب اعتمادها للحوار المقترح، كما أشير الى "السقف السياسي الحالي الذي لا يمكن ان يحتوي مجالاً للحوار"، في غمزٍ واضح من مقام الرئاسة الاولى.

 

أي قبّان؟

 

وفي خطوة لافتة طرح هؤلاء أنفسهم نقطة ارتكاز أساسية في أي حوار، معتبرين تياراتهم بيضة القبّان، متجاهلين القسم الأكبر من الزعامات المسيحية ومن يؤيدهم.. وفي نهاية اللقاء أكدوا ضرورة الالتزام بمضمون نداء مجلس المطارنة الذي صدر في 20 أيلول/سبتمبر2000.

بَيدَ ان سيد بكركي حسم أمره كما يبدو وقرر السير الى النهاية، لا سيما أنه يعلم ان هناك أصواتاً معارضة للحكم قد لا تتفق في ما بينها بكثير من الأمور، وأن هناك أصواتاً مؤيدة للحكم قد تستميت بالدفاع عن "مواقعها"، لذا أعلن أكثر من مرة خلال لقاءاته مع المسؤولين التي حصلت مؤخراً، ان المصالحة يلزمها دفناً للأحقاد، وأن لا شيء يحصل تحت الضغط، هذا الضغط الذي نجح الوزير السابق فؤاد بطرس في تحجيمه الى حد كبير، وهو الذي لفت في الآونة الاخيرة الى ضرورة التعقل وضرورة حفظ المواقع، في اشارة الى عمليات اختراق تستهدف البطريرك أولاً، ومن قلب الشارع المسيحي، سيما أن الكثيرين اعتبروا كلام صفير  فيه انتقاد لـ"المعارضة" أكثر مما فيه انتقاد للحكم، هذه المعارضة التي لا تزال تحمل طروحات خطيرة سُرّب بعض منها، كالكلام عن تجميد عمل المقاومة مثلاً وإبقائها احتياطاً في أحسن الحالات، كأنهم يتكلمون عن احتياط النفط أو ما شابه.

فادي فرحات