أهدافها معقولة، فهل هي ممكنة التطبيق؟

ضريبة القيمة المضافة.. باب جديد لإرهاق المواطن


كتب المحرر الاقتصادي

ثمة علامات استفهام رئيسية حيال ضريبة القيمة المضافة التي أقر مجلس الوزراء اخيراً اعتمادها بدءاً من مطلع العام 2002 أو قبله، او بالنسبة الى النتائج الرقمية المتوقعة منها، او الى مدى أهلية مجتمع الاعمال اللبناني واستعداده للتعامل مع المفهوم الضريبي الجديد، أو مستوى عدالة الضريبة المستحدثة في ما يتصل بمختلف شرائح المجتمع.

تجدر الاشارة أولاً الى ان الانفتاح الاقتصادي والانضمام الى الاتفاقات والمنظمات الدولية كمنظمة التجارة العالمية والشراكة الاوروبية - المتوسطية وغيرها، تلزم لبنان بخفض التعرفة الجمركية لديه خفضاً كبيراً، وهو تالياً بحاجة الى بديل يعوض دخله الفائت من هذا المورد. من هنا يقع الخيار على واحد من ثلاثة: إما زيادة ضريبة الدخل، او فرض ضريبة مبيعات، أو ضريبة القيمة المضافة.

1 ـ  تتوخى وزارة المال من الخيار الثالث الذي تبنته الحكومة حصيلة لا تقل عن 500 مليون دولار في السنة، بحجة أن لا خوف من تسرب أي جزء من المبلغ بالتهرب الضريبي المعتاد، لأن لا حافز مباشراً لهذا التصرف، اذ ان المورد لا يتحمل عبء الضريبة، بل المستهلك النهائي.

لكن هذه التوقعات لا تعكس حال عدم الثقة بالارقام التي اعتاد اللبنانيون على اخلال الحكومات المتعاقبة بالتزامها بها، حيث النتائج النهائية تختلف دوماً عما هو مرسوم لها، ليرتفع عجز الموازنة مثلاً من 36 في المئة او 37 بنسبة متوقعة الى أكثر من 50 في المئة نسبة فعلية!

يطرح تضخيم الارقام الافتقار الى معلومات دقيقة تشخص حالة الاقتصاد الوطني لتتمكن الحكومة والقطاع الخاص على السواء من التخطيط بواقعية، ما يفترض - حداً أدنى - تعزيز المديرية العامة للاحصاء التي تعاني نقصاً حاداً في جهازها البشري والمعلوماتي والتقني.

على كل حال، لقد ضاق جداً هامش المناورة بالارقام على النحو المعهود سابقاً بعدما أصبح لصندوق النقد والبنك الدوليين خبراء في وزارة المال والمصرف المركزي، مهمتهم تدقيق كل الحسابات والمعلومات شرطاً لمنح لبنان حفنة قروض يذهب معظمها رواتب وأجوراً للمشرفين الاجانب على تنفيذ برامج المساعدات.

2 ـ سيقتصر تطبيق ضريبة القيمة المضافة ونسبتها 10 في المئة على كبار المكلفين الذين يزيد حجم اعمالهم على 500 مليون دولار في المرحلة الاولى، لكنه سيشمل في ما بعد كل المجتمع بمختلف قطاعاته وفئاته. والسؤال: هل كل مؤسسات الاعمال في لبنان مجهزة بملاكات بشرية وفنية ومحاسبية تؤهلها التعامل مع الضريبة الجديدة؟ وهل سيطبقها الحرفيون مثلاً؟

بالطبع لا يزال جهل المفهوم الضريبي هذا سيد الموقف على مستوى السواد الأعظم من اللبنانيين، وهذا ما يجعل من الاهمية بمكان وجود مرونة تجاه الشركات الصغيرة والمتوسطة.

فالمطلوب في هذا السياق حملة توعية عامة تخرج الحكومة من دائرة التقصير - او تزحزحها قليلاً - وتشمل كل المدن والقرى والبلدات من دون استثناء، بدءاً من أكبر الشركات مروراً بكل أنواع الاعمال ووصولاً الى أصغر متجر، لكي تصبح الصورة واضحة لدى الرأي العام أجمع.

3 ـ تنسف ضريبة القيمة المضافة مفهوم التوازن الضريبي بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، والذي سعت أكثر من حكومة لتحقيقه من دون جدوى، ذلك ان الضرائب غير المباشرة تشكل 75 في المئة من الايرادات الضريبية، وهي مرشحة للارتفاع باعتماد الضريبة الجديدة، ما يعني ان الهوة في الميزان الضريبي مرشحة للاتساع أكثر.

وبما أن ضريبة القيمة المضافة تراجعية في الاساس، بمعنى انها تنخفض كلما ارتفع الدخل الفردي وبالعكس، فهذا يعني بدوره ان الميسورين سيدفعون أقل مما سيدفع ذوو الدخل المحدود والفقراء، وإذا علمنا ان نسبة الفقراء تتجاوز 80 في المئة من المنتجين في المجتمع، فلنا ان نتصور مدى الجور الضريبي الذي سيلحق بأوسع شرائح اللبنانيين لمصلحة الاغنياء والمترسملين، فيما معظم الدول التي تعتمد نظام ضريبة القيمة المضافة، وعددها 123 دولة الى الآن، تتبع النسبة التصاعدية، بحيث ترتفع قيمته الضريبية كلما تناقصت أهمية السلعة او الخدمة المشمولة بها بالنسبة الى المستهلك.

لا شك في أن اعتماد ضريبة القيمة المضافة هو الأفضل في العالم، خصوصاً في ظل التجارة الالكترونية، اذ ان ضريبة المبيعات التي تعتمدها الولايات المتحدة مثلاً تربك أجهزة الجباية التي لا تملك آلية حتى الآن لاحتواء صفقات البيع والشراء عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، الا ان نسبة هذه الضريبة وسبل تطبيقها ومدى عدالتها وتوعية المجتمع بشأنها مع مراعاة توازن ضريبي معقول، يبقى التحدي الاساس.