ميتشل أم إرادة الشعب الفلسطيني؟


قبل سنتين تدخلت الولايات المتحدة الاميركية لثني السلطة الفلسطينية عن اعلان الدولة المستقلة، وأثمرت الضغوط تراجعاً عن الدولة ـ الحلم. اليوم أصبح اتفاق ميتشل أو بالأصح ورقة ـ وثيقة ميتشل هي شعار المرحلة وسقف المطالب، وربما تُصبح ورقة تينت هي نصف المطالب اذا بقيت ادارة الأمور العربية ـ الفلسطينية مستمرة على هذا النحو.

عملت الادارة الاميركية في ظل سكوت وتواطؤ عربي رسمي ـ لم تخرقه سوى اصوات قليلة ـ على نقل المأزق الى الداخل الفلسطيني الذي أثبت في تسعة أشهر من الجهاد المتواصل قدرته على تحمل الخيارات الصعبة لكن الناجعة في قهر الاحتلال.

قبل أسابيع قليلة كان شارون على حافة الانهيار، الأمن الذي وعد به الصهاينة تحول وبالاً عليهم، والمستوطنون الذين تحالفوا معه وتبادل معهم الدعم لم يعد بإمكانه حمايتهم فبدأت الهجرة العكسية من المستوطنات وتدنت أسعار البيوت فيها وابتعد المشترون كثيراً، الى حد أن زعماء المستوطنين باتوا يطاردون شارون بأوسخ الالفاظ ويتهمونه بكل الاوصاف الدنيئة، لتخليه عن تحقيق ما وعدهم.

أما السياحة فقد انخفضت نسبتها الى ما دون النصف والغيت الحجوزات في الفنادق ورحلات الطيران العديدة، وبات الطيارون يخشون المبيت في فنادق الكيان، فضُرب قطاع السياحة الذي شهد قبل الانتفاضة بشهور نمواً كبيراً جداً.

أما الصادرات الى الفلسطينيين فقد انخفضت كثيراً بفعل سياسة التطويق والحصار التي اتبعها الجيش الصهيوني فطالت كثيراً من الصناعيين الصهاينة على مدى الأشهر التسعة الفائتة.

حتى الألعاب الاولمبية اليهودية التي ينظمها يهود العالم في الكيان الاسرائيلي يبذل مسؤولو العدو، وعلى رأسهم شارون، جهوداً لانقاذها، وهي بانتظار عملية فدائية واحدة داخل كيان العدو حتى يعلن الغاؤها.

اما جيش العدو مفخرة الكيان ومجرميه فإن الرقابة العسكرية تمنع نشر كثير من الحوادث التي توحي بتفكك الروح العسكرية لجنوده والمشاكل الجمة التي تواجه قيادته في ادارة اوضاعها.

وليس أقل دلالة ما يتردد عن اخلاء سجنين كبيرين في الكيان الاسرائيلي من السجناء من اجل سجن مئات الجنود الصهاينة الذين يرفضون الذهاب لمواجهة الانتفاضة خوفاً من الموت كما كان يحصل في لبنان.

هذا كله عدا عن صورة "البربري" "السفاح" التي باتت الصق الى جنود العدو وانفضاح دعاية الاحتلال وانكشاف حقيقته شيئاً فشيئاً رغم كل التطويق الاعلامي.

بدأ الصهاينة يتذوقون مرارة مجازرهم ضد الفلسطينيين وباتوا يكتوون بالنار التي اشعلوها، وأصبح بإمكان استشهادي واحد ان يدخل الاحباط الى جيش العدو وتجمعه الداخلي بكامله بدل ان يحصل العكس بفعل استمرار الاجرام الصهيوني الذي استخدم كل الاسلحة الاميركية المتاحة أمامه.

الفلسطينيون قاتلوا لوحدهم وبدون تسليح فعلي من الدول العربية وبمساعدات شحيحة جداً بخلاف الوضع بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، ومع ذلك استشعر الجميع خطورة استمرار الصمود الفلسطيني فكان السلاح الاخص لدى واشنطن هو الضغط والتهديد لاقناع المسؤولين الفلسطينيين بالموافقة على أوراق اميركية وصفها بعض وزراء السلطة الفلسطينية بأنها أوراق اسرائيلية في الأصل.

في اللحظة التي كانت الانتفاضة على وشك تحقيق انتصار كبير تأتي اللعبة السياية، لعبة المفاوضات، لتجهض الانجاز وتخفف عن العدو النتائج الوخيمة لغطرسته.

الشعب الفلسطيني قال كلمته عبر كل الفصائل المنضوية في فعاليات الانتفاضة، بأن لا مجال للقبول بإملاءات اسرائيلية مغلفة بأوراق اميركية. وان الانتفاضة مستمرة في طريق المقاومة والتحرير والاستقلال. لقد اختار الشعب الفلسطيني دربه وعلى الجميع الوقوف معه لا طعنه في الظهر، واجبار الموفدين الاميركيين والدوليين على احترام خيارات الشعوب وجهادها ودمائها.

حسين رحال