بعد القبول المتبادل بخطة تينيت:
تقطيع الوقت لمصلحة من؟


ماذا بعد اعلان "الحكومة الاسرائيلية قبولها تماماً وثيقة تينيت برغم تحفظاتها عليها"، ومسارعة السلطة الفلسطينية الى الاعلان بدورها عن قبولها، برغم عدم اظهار الجانب الاسرائيلي "الحد الادنى من التجاوب مع المسائل الجوهرية".

هل سيعني هذا القبول المتبادل نهاية المطاف بالنسبة الى الانتفاضة، أم أن الأمر لا يزال يدور في فلكٍ آخر من الحسابات المتناقضة؟

تذهب مصادر سياسية مطلعة الى وضع هذا التطور في سياق توجيه الضربات التكتيكية بين طرفي الصراع، التي يتوخى كل منهما من ورائها الفوز على الطرف الآخر بالنقاط، لتعذر الفوز عليه بالضربة القاضية.. الا ان هذا النوع من المواجهة أيضاً على درجة عالية من الحساسية، ويحتاج الى مهارة كبرى ودقة مرهفة، وإلا فأي خطوة غير محسوبة يمكن ان تضع صاحبها على سكة التراجع المستمر الى الخلف، بحيث يعود في النهاية من "المولد بلا حمّص".

وهنا، فإن قبول السلطة الفلسطينية بما سمي "وقف اطلاق النار" على قاعدة التمييز بينه وبين وقف الانتفاضة، بدا في وقتها مفهوماً وربما مبرراً، اذ جاء في سياق حملة ضغوط دولية عامة وبعضها عربية، وفي سياق حملة تهويل اسرائيلية بخيارات حربية دراماتيكية، ولذا اعتبر هذا القبول بمثابة موقف تكتيكي يراد منه امتصاص واحتواء هذه الضغوط، تمهيداً لما هو قادم.

لكن الجانب الاسرائيلي تعاطى منذ البداية مع قبول السلطة بوقف اطلاق النار بوصفه خطوة تراجعية الى الوراء، لا بد من العمل الحثيث على استكمالها بخطوات لاحقة، تؤدي الى وقف الانتفاضة الفلسطينية نهائياً، وفرض الخيار الشاروني السياسي لاحقاً على قاعدة الهزيمة العسكرية للانتفاضة.

وهنا جاء الدور الاميركي لصياغة المقاربة الاسرائيلية لمعالجة المشكل الفلسطيني - الاسرائيلي بتجلياته الأخيرة، بمفردات الدبلوماسية الأمنية الاميركية التي تضمنت أمرين بالغي الخطورة:

الأول أنها عمدت الى تقديم حل أمني ينهض بالأساس على نزع أنياب الانتفاضة، ومن ثم على تعريتها من أوراق القوة التي تمتلكها، والمتمثلة بسلاح الهاون الذي ـ بالمناسبة ـ كان الاسرائيلي يخشى بشدة من تطوره الى سلاح صاروخي لاحقاً، وسلاح العمليات الاستشهادية.

والثاني يتمثل بتجزئة المعالجة وتكبير الفاصل الزمني بين المقاربة الأمنية للمشكلة والمقاربة السياسية، أي الشروع بعملية التفاوض برغم الأرضية والسقوف الجديدة التي يريد شارون قيام طاولة التفاوض عليها. لكن ما رشح لاحقاً من معلومات تفصيلية حول ما يُتفاوض حوله في الملف الأمني، يظهر ايضاً الى أي حد تبلغ الهوة بين الطرفين، حيث لم يعد الحديث هنا عن "خلافات سطحية، بل عن تناقضات في كل القضايا"، الأمر الذي يجعل كل بند يحتاج الى جولات تفاوضية، مما يعني ضمناً تأجيل الملف السياسي الى اشعار آخر. وهذا هو الخطأ المميت عينه الذي سبق للسلطة الفلسطينية ان وقعت فيه قبل الشروع بمؤتمر مدريد، عندما قبلت في حينه مبدأ تجزئة الحلول الى مؤقتة ودائمة.

والمفارقة هنا، أنه برغم ادراك السلطة الفلسطينية لأهداف شارون، الا انها عادت لتجاريه في لعبته، مع وعيها التام بأن الخضوع لقواعد اللعبة بالشروط الشارونية لن يفضي الا الى مزيدٍ من التراجع الى الوراء وصولاً للتسليم بمطالبه كاملة.. ومأزق السلطة الحالي يتمثل في عدم تقويمها الدقيق لأوراق قوتها، اذ ليس صحيحاً ما جرى تسويقه من أن العملية الاستشهادية الأخيرة التي جرت في "تل أبيب"، كانت خطأً تكتيكياً، بل هي أصابت من الكيان الاسرائيلي مقتلاً سيكولوجياً كبيراً، حمل كل دول العالم على التدخل لوقفها، وإلا لو كان الأمر عكسياً، لما حرك الغرب رجلاً عن رجل. فهذه العمليات كانت تدفع الكيان الاسرائيلي الى دائرة المأزق الكامل، وإن كان مردودها على صعيد الرأي العام الدولي ليس بالايجابية نفسها. كما ان عرفات لم يعمل على استثمار الباب السوري وغير السوري الذي فتح له عقب آخر قمة عربية، والذي كان من شأنه ان يخفف من ربقة الضغوط التي تمارس عليه، سواء من القاهرة أو من عمان، وأن يفتح له هامشاً أوسع للمناورة، هذا الى جانب الحاجة الاميركية للاستقرار في المنطقة، ولموقف عربي داعم لإجراءات العقوبات الذكية بحق العراق، التي من شأنها ان تضع كوابح على أي اتجاه شاروني للاندفاع في خيارات دراماتيكية.

من هنا، فإن قبول السلطة بوثيقة تينيت كما هي، يخشى منه الحاق أذى نفسي وسياسي كبير بسير الانتفاضة وإمكانية مواصلتها مجدداً، كما قد يؤدي الى احداث شرخ بين الفصائل الفلسطينية التي وحدتها الانتفاضة، وتتيح هامشاً لشارون للتخلص من ثقل الضغوط التي كان يقبع تحتها بفعل الانتفاضة.

وما يفاقم من هذه الأخطار ان فرص الحل السياسي ما زالت مستحيلة حتى الآن.

باختصار، ما حدث حتى الآن هو محاولة لاحتواء النار قد تطول وقد تقصر، لأن أسبابها ما زالت متوقدة، ودون إطفائها صعوبات كأداء.