"طمنونا عنكم"


هذا نص رسالة مفترضة من حفيدة مناحيم بيغن الى أهلها وأصدقائها، بعد هروبها العلني من "الجحيم الاسرائيلي".

"أنا الآن بخير.. طمنونا عنكم".

آمل ان تفهموا موقفي، وهو باختصار شديد: لا أحب ان أكون اسرائيلية مقتولة. عشت حياتي وأنا أرى القتل من نصيب الغوييم.

تعلمت منذ نومة صهيونيتي، ان اكون القاتلة فقط. وتدربت على ذلك، كغيري من تلامذة جابوتنسكي وجدي العجوز مناحيم بيغين.

كنت اسرائيلية بالكامل، وصهيونية حتى الرمق الفلسطيني والعربي الأخير. لكنني، ومنذ أعوام، وأنا أعد القتلى من اليهود. ومنذ اعوام ايضاً، عاد الفلسطيني بعدما علمونا انه غير موجود، وأن موطن الفلسطيني هو الأردن أو أي مكان ملعون آخر، وأن ما بين البحر والنهر وطن واحد هو "اسرائيل".

كدت أختنق. اللبناني الهش الضعيف طرد الجيش الذي أرسله جدي الى بيروت، لالحاق لبنان بالسلام الاسرائيلي. والفلسطينيون الذين انكرتهم غولدا مائير ووزعهم جدي في العراء العربي، عادوا بعد الانتفاضة الأولى يحلمون بوطنهم تحت نوافذنا المغلقة.. وبالأمس رشقونا بالحجارة، فأصابونا بنزف لم يتوقف.

لأول مرة، أشعر أننا تحولنا من قتلة الى مقتولين.. بعضنا سبقنا والآخرون على الطريق.

وبصراحة، لم أعد أطيق المساومة، بين أن أكون اسرائيلية مقتولة أو يهودية في أي مكان في العالم.

لا أنصح احداً بتقليدي. ولا أنصح احداً بلومي فجدي من قبلي، هرب من اسرائيل الى عزلته، وعاش في سويداء، عندما تحول لبنان الى مقبرة لجيش الناحال.

بالامكان ان تقولوا: انها العدوى. وهي تنتقل بالوراثة، او بالمشاهدة. فرؤية اشلائنا امر فوق طاقتنا، نحن الذين اعتدنا على ان نملأ عيوننا بأشلاء مدرسة بحر البقر، ومصنع ابو زعبل، وكفر قاسم ودير ياسين، وقانا..

لقد انقلبت الأدوار.. قلبي معكم وآمل دائماً ان تطمنونا عنكم.

هذا نص مفترض.. ولكنه حقيقي، الا ان شيئاً ما يشوبه: "طمنونا عنكم"، ليست بالضرورة الجملة المفيدة. فلا رسائل اطمئنان ان تحولت الارض تحت اقدامهم الى جحيم.

نصري الصايغ