مولد الحقيقة


طلال عتريسي

تصادف في هذه الأيام ذكرى ولادة الرسول الأكرم محمد (ص). وتثير هذه الذكرى في نفوس المسلمين الكثير من الحنين الى عهود العزة والكرامة التي رافقت بدايات الدعوة والفتوحات التي تلتها، ودخول الناس في دين الله أفواجاً. ما جعل الاسلام ديناً عالياً بعدما بدأ غريباً في أوساط ثلة من المؤمنين به بين وديان مكة وشعابها. ولقد واجه المسلمون في القرون الماضية الكثير من التحديات التي انتهت وللأسف الشديد بتراجع حضارتهم وزوال ملكهم بعدما قدموا نموذجاً عريقاً من الحضارة بأبعادها العلمية والفنية والثقافية والفقهية وسواها... وتراجع المسلمون وتقدم الغرب، ولم يفقد الكثير من المسلمين قناعتهم بأن "الاسلام هو الحل" لما تعانيه أمتهم من تقهقر وشعوبهم من ويلات. وأصبحت المناسبات الاسلامية وأبرزها ولادة الرسول الاكرم (ص)، وذكرى المعارك التي انتصر فيها المسلمون، فرصة مهمة لاعادة التأكيد على ضرورة استعادة هذه الامجاد الغابرة... وما  يمكن قوله في هذا الاطار ان الشعار وحده لا يكفي، مهما كانت المناسبة عظيمة وجليلة، ومهما كان احياؤها ضرورياً على المستويات النفسية والتربوية والتعبوية، فالاسلام جمع في الدعوة التي حملها رسول الله (ص) الى العالم بين المبادئ الاساسية وبين التفاصيل كافة، السياسية والعبادية والاخلاقية والسلوكية، وأمام ما نشهده في عالم اليوم من تحديات يحتاج المسلمون الى الاستجابة لها، لا بد من وضوح الرؤية على المستوى التفصيلي. فاذا كان "الاسلام هو الحل" شعاراً صحيحاً بالنسبة الى المسلمين الذين يطرحونه، فلا بد من ان يترافق ذلك مع كيفية تنفيذ هذا الحل، في الجوانب الاقتصادية والسياسية والادارية والقانونية. لأن ما يفرض من خلاله الغرب سيطرته وسطوته علينا وعلى باقي العالم يكمن في هذه "التفاصيل".

وعندما نراقب أسباب تقدم هذا الغرب، سوف نجدها في أنظمته التعليمية والادارية والاقتصادية وفي قوته العسكرية... واذا لم يدرك المسلمون هذه المعادلة التي ترتكز الى القوة في الأخذ بالمبدأ والى القوة في الدخول الى تفاصيل ادارة الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية... فان اسباب التقدم لن تتوافر لهم. وسيبقى الاحتفال بذكرى ولادة الرسول الاكرم (ص) مناسبة عاطفية تنسجم مع الشعارات الكبرى ولا تنفذ الى الواقع المعقد والمتغير الذي يحتاج الى دروس تلك الذكرى بتفاصيلها.