الأخطاء الطبية ملف من دون مسؤول ومسؤولية
شقير: يوجد أخطاء ونسعى لسنّ قوانين تحدّ منها

ملف الخطأ الطبي يظل دائماً ملفاً ساخناً، ومدار اهتمام ما دامت الاخطاء تتكرر، وما دامت  المسؤولية تظل دائماً ضائعة بين الطبيب والمستشفى والمريض ـ الضحية، والشكوى التي تفتح لكن لا يعرف إلى أين ينتهي مصيرها.

يقرّ الجميع بحصول أخطاء طبية مميتة في أغلب الأحيان، لكن يقرنون ذلك بالقول ان الطبيب لا يمكن أن يكون لديه نية جرمية، وأنه مسؤول عن الوسيلة وليس عن نتيجة عمله.

نقرأ من فترة إلى أخرى أخباراً عن أخطاء طبية تحصل، هذه بعض نماذج منها:

ـ يوسف باسيل (50 عاماً) يقول انه دخل المستشفى في 3 ـ 8 ـ 1991 لإجراء عملية البروستات، وخرج بعد أسبوع وهو أصمّ. ويضيف ان الممرضة سقته الماء بعد 7 ساعات من العملية فانتفخ بطنه وتعرض لألم شديد، ووصف له الطبيب ابر الأميكين التي حولته أصمّ، وتقدم وكيله المحامي كميل سابا في 27 ـ 2 ـ 1994 بدعوى لدى محكمة البداية في الشمال، وصدر الحكم في 4 ـ 11 ـ 1996 وقضى بدفع 20 مليوناً ليوسف بدل عطل وضرر.

ـ شاهين هيكل دخل المستشفى عام 1992 لإجراء عملية ديسك في ظهره وخرج على كرسي نتيجة خطأ في العملية وتعرض عصب الظهر للشلل.

ـ في 28 شباط/فبراير 1998 دخل علي عنتر (15 عاماً) أحد مستشفيات صيدا لعلاج كسر في رجله لكنه خرج مصاباً بغيبوبة نتيجة خطأ في كمية البنج.

ـ في 8 كانون الثاني/يناير 1998 قضى متطوع في الدفاع المدني وهو ينزف لأن المستشفيات رفضت استقباله.

يقول نقيب الأطباء في لبنان الدكتور محمود شقير ان الطبيب هو المسؤول الأول والرئيسي عن وضع المريض الصحي إن كان طبابةً أو استشفاءً، وان كان علاجياً أم جراحياً، لأن المريض بالنهاية هو من يضع جسده وروحه ومستقبله بين يدي الطبيب. إن الطبيب هو المسؤول قانوناً عند حدوث أي خلل أو خطأ طبي، وهذا الأمر تقره كل القوانين في العالم.

وتابع شقير إن ثقة المريض بالطبيب يجب أن يكافئها الأخير بعمل طبي واعٍ متزن بنتيجة جيدة. ويجب أن يعرف المريض أن الطبيب لا يستطيع ان يؤكد او ان يوقّع على نتيجة مسبقة أي عمل طبي، هو يستعمل ضميره وعلمه في سبيل تقديم أفضل الخدمات بأفضل الظروف للمريض. طبعاً تتفاوت مسؤولية الطبيب حسب كل حالة، إنما المسؤول الأول يبقى هو.

من أين يبدأ الخطأ الطبي أو من أين تبدأ المسؤولية؟ هل من الجامعات غير الكفوءة التي تخرّج أطباء غير أكفاء، أم من نقابة الأطباء التي لا تتشدد في العقوبات بحق الأطباء الذين يرتكبون أخطاءً طبية؟ يجيب الدكتور محمود شقير بأن موضوع التدريب والتعليم الطبي والممارسة الطبية لا ترتبط حتماً بمسألة حصول الخطأ. أولاً: الطبيب يقوم بالعمل الذي لديه خبرة فيه، ومؤهل ضمن اختصاصه، لكن هناك أطباء لديهم تجربة وخبرة ومهارة أكثر من أطباء آخرين، وهذا أمر طبيعي موجود في كل المهن الفكرية والعملية. إن الطبيب لا يتقصد ارتكاب الخطأ لذلك يلحظ القانون مسألة ارتكاب الخطأ في حال كان عمل الطبيب من اختصاصه، أما إذا ارتكب خطأ بسبب ممارسته عملاً طبياً ليس من اختصاصه فإن المسؤولية تكون أكبر لأنه غير مهيأ لذلك، وهذه الحالات نادرة وحتى انها غير موجودة.

إن موضوع التعليم الطبي وزيادة عدد الأطباء وتضارب الاختصاصات كلها مواضيع ليس لها علاقة بالخطأ الطبي. من الممكن أن يعتقد الناس أن تزايد عدد الأطباء يؤدي الى المزاحمة والمزاحمة تؤدي بدورها الى الخطأ. لكن بالمقابل ما يحصل هو العكس لأن المزاحمة تُحسن الاداء الطبي وتعطي للمريض خيارات واسعة في اختيار الطبيب الاكفأ، وأشدد ـ يقول الدكتور شقير ـ على ان كلامي هذا لا يعني انني لا اؤكد وجوب وجود كليات طبية في الجامعات تعلم المهنة بجدارة. إن النقابة تحارب في لجنة الصحة النيابية لتحديد علامات الجدارة التي تخول الطلاب دخول كليات الطب بناءً على العلامات التي يحصلون عليها في مرحلة التعليم الثانوي أسوةً ببعض القطاعات الأخرى كالمدرسة الحربية، وخطونا خطوة أكبر عبر المطالبة بإجراء امتحان تقويمي في السنة الأولى التمهيدية للطلاب لنرى من منهم مؤهل لاكمال دراسة الطب، ونحن أيضاً في صدد تعديل قوانين امتحان الكولوكيوم بالتعاون مع وزارة التعليم العالي، كما إننا نطرح موضوع الكولوكيوم ـ الاختصاص لأن الأطباء يقدمون امتحان الكولوكيوم في الطب العام. وأكثر من ذلك فإن القانون سمح لنا انشاء لجنة تثقيف طبية لتحسين أوضاع المهنة، فصحيح أن وزارة الصحة هي التي تعطي الإذن للطبيب بممارسة المهنة، لكن نقابة الأطباء هي بصدد وضع معايير لكل الاختصاصات كي تفرض على الاطباء، وهذا يعني ان هذه الأمور ستضبط المهنة أكثر وسنحسن الأداء الطبي، وتابع نقيب الاطباء: قبل أن يتحسن الأداء من واجبنا ضبط الجودة وهذه الأمور مجتمعةً تقُلل من الاخطاء الطبية التي تحدث بسبب عدم التجربة أو قلتها.

ولفت شقير إلى أن النقابة لا تُبرر أي خطأ طبي ـ إذا كان موجوداً ـ وتشدد على وجوب تطبيق المسؤولية الجزائية والمدنية بحق الطبيب المخطىء. وأشار الى ان المجلس التأديبي في النقابة يُحقق مع كل طبيب تُقدّم بحقه شكوى من أي مواطن. وأكد أن كل الهيئات القضائية تقف على رأي نقابة الأطباء أو تشكل هيئة استشارية من أطباء ذوي سمعة مميزة لأخذ رأيهم في أي قضية طبية تنظر بها.

إن القانون منح الاطباء حصانة وعليه لا يمكن توقيف طبيب قبل العودة لنقابة الاطباء.

هناك تطور ان الاطباء في القرى والأرياف يرتكبون أخطاءً طبية فادحة وأكثر عدداً من الاطباء في بيروت وجبل لبنان والمدن الكبيرة لكن نقيب الاطباء يوضح ان الصورة معكوسة، ويقول ان معظم الاخطاء تحصل من قبل اطباء مشهورين يعملون في كبريات المستشفيات. ويوضح ان السبب هو ان هؤلاء الاطباء يعالجون حالات أصعب وان المستشفيات تلك هي مستشفيات مرجعية لا تعتني مباشرة بالحالات المرضية المتواضعة او الثانوية، بل العناية بالحالات الصعبة. ويوضح أن بعض الأطباء في اختصاصات معينة هم عرضة لشكاوى دائمة أكثر من غيرهم، مثل أطباء التجميل مثلاً كثير من النساء لا تعجبهن عمليات التجميل لأنوفهن.

وفي خضم ذلك يلفت الدكتور شقير إلى وجود عمليات ابتزاز يتعرض لها الأطباء من قبل المرضى وخصوصاً في عمليات التجميل.

والموضوعية تقتضي الاقرار بأن الخطأ الطبي لا ينتج دوماً من قلة خبرة أو تجربة، بل عن قلة احتراز، فمن الممكن ان يكون الطبيب ماهراً جداً ويرتكب خطأ، ثم ان هناك عمليات معقدة وصعبة يترتب عليها مضاعفات تكون فيها نسبة الخطورة كبيرة وينتج عنها أخطاء أحياناً، لذلك في المستشفى يوقع المريض على تكليف للطبيب، وفي بعض المراكز الصحية والمستشفيات في أوروبا وأميركا يحدد الأطباء للمريض نسب الخطورة والمضاعفات التي قد تنجم، ولبنان على طريق اتباع هذه الطريقة، وتقوم لجنة تحديث القوانين في البرلمان اللبناني بالغوص في دراسة الأخطاء الطبية وتغطيتها من خلال إيجاد مخطط لكل طبيب في اختصاصه وتغطية مالية لكل الأعمال التي يقوم بها الطبيب أو تأمين مُسبق للأخطاء الطبية، وهذا التأمين يحمي الطبيب من المسؤولية المدنية ويشجع الناس على المطالبة بحقوقهم.

وتبقى هناك أخطاء غير مُبررة نتيجة دخول التجارة في عالم الطب والتلاعب بالتشخيص كأن يُطلب لمريض عملية لا يحتاج لها بداعي الربح. عن هذه النقطة يقول الدكتور شقير: هذا موضوع خطير يعاقب عليه القانون ويشكل خطراً على الصحة العامة وعلى الاستشفاء. ويشير الدكتور بالمقابل إلى وجود مدارس طبية مختلفة في العالم وعليه تختلف آراء الأطباء حول قضية واحدة، ومهما كان الأمر فإن الفرض المادي لا يُبرر خطأً كهذا.

تنظر نقابة الأطباء يومياً في 10 أو 12 شكوى بحق الاطباء تنظر بها لجنة التحقيقات في نقابة الاطباء وهي تستدعي الاطباء للتحقيق معهم، ويلفت الدكتور شقير الى وجود حوالى 50 شكوى في الشهر.

لكنه أشار إلى أن عدداً كبيراً من هذه الشكاوى هي تافهة لأغراض صغيرة، وغالباً ما تكون خاطئة ونتيجتها لمصلحة الطبيب.

لكن ألا تؤدي نتائح هذه اللجنة الى فقدان ثقة المواطن بلجنة التحقيقات في النقابة؟ يجيب شقير: إن اللجنة صارمة ودقيقة في عملها ولا تنظر في أسماء الأطباء أو اختصاصهم ولا يوجد فيها "واسطات" أو مراعاة لأحد حسب طائفة او سياسة أو منطقة. ويقول: بعض الأطباء نزلت بحقهم عقوبات بدءاً من التنبيه الى الانذار الى التوقيف عن العمل.

وتحرص النقابة على عدم إذاعة قراراتها التأديبية للرأي العام حرصاً على سمعة الاطباء. ويقول الدكتور شقير: المجتمع اللبناني عائلي وصغير وحساس ولا يمكن "ضرب" طبيب وايقاف عمله لخطأ بسيط اقترفه، علماً أنه في فرنسا نعلن نوعية الاخطاء مع أسماء الأطباء في المجلة الخاصة بالنقابة.

العقوبات

إذا خالف أي طبيب من أعضاء نقابة الأطباء واجبات مهنته وارتكب خطأ تطبق بحقه إحدى العقوبات الآتية:

ـ التنبيه.

ـ اللوم.

ـ التوقيت الموقّت عن العمل لمدة لا تتجاوز 6 أشهر.

ـ المنع من ممارسة المهنة نهائياً.

ويمنع الطبيب الذي يُعاقب بالتوقيف الموقّت من مزاولة المهنة طيلة المدة المُعاقب بها.

ويتولى المجلس التأديبي في النقابة مهمة تحديد هذه العقوبات، ويتألف هذا المجلس من النقيب أو من نائبه كرئيس، ومن عضوين من مجلس النقابة وعضوين تنتخبهما الجمعية العمومية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد على ان يكونا من الاساتذة الجامعيين او من الذين شغلوا مركز نقيب او عضو سابق للمجلس، ويكون قد مضى على قيدهما في جدول النقابة عشر سنوات على الأقل.

وتحوّل كل المخالفات المسلكية إلى المجلس التأديبي بناءً على شكوى مقدمة من وزارة الصحة العامة أو من أحد المتضررين، طبيباً كان أو غير طبيب. كما يمكن ان تُحال الشكوى للمجلس بناءً على طلب نقيب الأطباء أو بناءً على طلب الطبيب الذي يرى نفسه موضوع تهمة غير محقة فيعرض أمره للحصول على عفو وتقدير المجلس التأديبي.

ويتّبع المجلس التأديبي أصول المحاكمة السرية. وللمجلس أن يلجأ إلى جميع طرق الاثبات والتحقيق وله الحق في دعوة الطبيب موضوع الشكوى ضده للاستماع إليه، ويجب على الطبيب ان يلبي الطلب وأن يجيب عن الاسئلة التي توجه اليه وان يعطي الايضاحات التي تطلب منه، ويحق له الاستعانة بمحام واحد للدفاع عنه.

على المجلس التأديبي أن يُصدر قراره خلال شهرين من تاريخ تقديم الشكوى وإذا خالف ذلك يحق لكل من نقيب الاطباء والنيابة العامة ان ينقل القضية الى محكمة الاستئناف التي تنظر فيها بالدرجة الأخيرة. ويتخذ المجلس التأديبي قراراته بأكثرية أعضائه، وهذه القرارات تقبل الاعتراض والاستئناف في غضون 15 يوماً من تبليغ الحكم للطبيب. ويجري التبليغ بكتاب مضمون مع إشعار بالوصول. أما الاستئناف فيقدم الى محكمة الاستئناف في بيروت.

تظل قرارات المجلس التأديبي لنقابة الاطباء سرية. أما إذا حكم على الطبيب بجريمة تمس شرف الطبابة وكرامتها أو إذا حكم عليه مرتين في السنة بعقوبة أشد من التنبيه فلمجلس النقابة أن يُقرر بأكثرية ثلثي أعضائه نشر القرار في دار النقابة لمدة شهر واحد.

يتمتع الاطباء بحصانة اعطاهم إياها القانون رقم 313 المنشور في 19 ـ 4 ـ 2001 الذي عدَّل القانون المتعلق بإنشاء نقابتي الأطباء في لبنان. وورد في المادة 44 من القانون انه عند ملاحقة الطبيب جزائياً يحق للنقابة أن تبدي رأيها العلمي خلال 15 يوماً حول ما إذا كان الجرم المدعى به ناشئاً عن ممارسة المهنة. وفي هذه الحالة يجري استجواب الطبيب الملاحق بحضور نقيب الاطباء أو من ينتدبه لهذه الغاية. ولا يجوز التوقيف الاحتياطي للطبيب المُلاحق بجرم ناشىء عن ممارسة المهنة قبل أن تبدي النقابة رأيها ضمن المهلة المذكورة.

كذلك توجد ضمن هيكلية نقابة الأطباء وقانون نظامها الداخلي ما يسمى بلجنة التحقيقات المهنية. وتتولى هذه اللجنة درس الأمور والنزاعات الناشئة بين الأطباء أو بينهم وبين مرضاهم والمُحالة إليها من النقيب أو من المجلس. وعليها أن تجري التحقيقات اللازمة عند الاقتضاء وان ترفع تقريرها الى مجلس النقابة. ولها أن تستعين عند الحاجة وعلى سبيل الخبرة بالاطباء والاساتذة الجامعيين وبالمستشار القانوني للنقابة.

 

 

سكّرية: ضعف الرقابة يفاقم الأخطاء

يتحدث الدكتور والنائب السابق إسماعيل سكرية عن نوعين من الأخطاء الطبية: خطأ مهني وخطأ أخلاقي. ويقول ان الأخطاء الطبية تنتج إما عن قلة خبرة مهنية، وإما عن خطأ أخلاقي وتجاوز الطبيب معرفته..

إن الخطأ يحصل مع الانسان لأن الانسان ليس معصوماً، أحياناً نجد أطباء ـ لا سيما في ميدان الجراحة ـ يكابرون ويعتبرون أنهم "يفهمون" في كل شيء، وأن الوقوف على آراء زملائهم أصلاً لا يليق بهم. لذلك نجد أن جراح عظم يتعاطى جراحة الشرايين وهكذا. ويمكن أيضاً الحديث في هذا المجال عن طمع مادي عند الطبيب.

ويعتبر الدكتور سكرية ان الخطأ الطبي يبدأ من غياب هيبة المسؤولية في كل ما يخص الشأن الصحي، ومن ضمنه الخطأ الطبي. إن الاستخفاف والفوضى والمسايرة وتقاطع المصالح بين وزارة الصحة والمؤسسات الاستشفائية وتجار الدواء، وتعطيل أعمال الرقابة خدمةً لمصالح معينة، كل هذا المناخ يُفقد هيبة المسؤولية في معاقبة مرتكبي الأخطاء الطبية. ففي نقابة الأطباء تبدأ المسؤولية وتنتهي في حدود التأنيب الشكلي واللوم ولفت الانتباه، ولم يحدث ان أوقف طبيب عن العمل برغم حصول أخطاء قاتلة. وهذا بعكس ما يحصل في الدول المتطورة، حيث يمكن ان يوقف الطبيب عن العمل إذا كان الخطأ ناجماً عن إهمال.

ان وزارة الصحة ونقابة الأطباء والمستشفيات ونوعية الدواء وتنوع المدارس الطبية تتقاسم المسؤولية في حدوث الأخطاء الطبية.

ويوضح الدكتور سكرية ان تنوّع المدارس الطبية يلعب دوراً في حصول الاخطاء الطبية، ولكن بنسبة ضئيلة جداً، وتحديداً في مجال الطب الداخلي لا الجراحة. فأحياناً نجد وصفات طبية تشمل عدداً كبيراً من الأدوية التي لا لزوم لها، ونجد أحياناً ان هذه الادوية تتفاعل سلباً بعضها مع بعض، وسبب ذلك هو ضعف في المعلومات عند الأطباء.

ويشدد الدكتور سكرية على وجوب تحديث التشريعات الطبية في لبنان ومقاربة التشريعات الحديثة التي تحمي المريض والطبيب معاً. ويجب تحديث قانون إنشاء نقابتي الأطباء في لبنان وقانون الآداب الطبية، وقد بدأ البحث في هذا التعديل في إطار مجلس النواب ونقابة الأطباء.

ويشير الدكتور سكرية إلى أنه مع حصانة الطبيب يما يحمي كرامة المهنة، ولكن هذا لا يعني عدم محاسبة الطبيب، بل على العكس، محاسبته على كل أعماله بشكل دقيق. الحصانة يجب أن تكون من حيث الشكل، بمعنى أنه بدل أن نجلب الطبيب المخطىء من بيته بطريقة عنيفة وإحضاره إلى المخفر وإهانته و"بهدلته"، يمكن ان نستدعيه بالاتفاق مع نقابة الأطباء، فيحضر الى التحقيق وكرامته مصونة.

 

الخطأ الأخلاقي والجشع المالي

 

يلفت الدكتور سكرية الى ان الأخطاء الطبية الناتجة عن أسباب أخلاقية تتكاثر في الآونة الأخيرة، وأبرز هذه الأسباب هو الدافع المادي والجشع. هناك نوع من الأطباء جشع همّه تسجيل أرقام إيرادات عالية يتباهى بها أمام زملائه، ليشير إلى أنه مهم ومقصد المرضى.. هذا النوع من الأطباء يخبىء في داخله تاجراً جشعاً.

ويقول سكرية: هؤلاء تعرفهم من طريقة كلامهم وتصرفاتهم وحركاتهم أمام أهل المريض، وادعاءاتهم القريبة كثيراً من الدجل. ويؤكد أن ذلك لا يليق بالأطباء وبالمهنة، وأن هؤلاء الأطباء معروفون وضليعون في طريقة البروز.

أما عن موضوع الجشع المادي والتنافس بين الأطباء، فيقول الدكتور سكرية: في لبنان أكثر من عشرة آلاف طبيب حسب إحصاء 2001، وهذه التخمة ستزداد. وحسب إحصائيات نقابة الأطباء أيضاً، فإن حوالى ألفي طبيب عاطلون عن العمل، لا تتعدى إيراداتهم 400 و500 و600 ألف ليرة شهرياً. هذه التخمة تسبب زحمة وتنافساً وتعدياً من قبل أطباء كثر على اختصاصاتهم.

 

تواطؤ الطبيب والمستشفى

 

ومن أسباب حصول الأخطاء الطبية تواطؤ الطبيب والمستشفى في تحويل الحالات إلى المستشفى، كما يشير الدكتور سكرية. ويلفت الى أن المستشفيات تضغط على الأطباء بشكل مباشر لتحويل مرضى اليها بغية تسجيل ربح مالي، وهذا الضغط يدفع الطبيب الى تحويل حالات وطلب إجراء عمليات وتحاليل وصُور لا لزوم لها. ويقول سكرية: هناك غُدد ومرارات "تطير"، وقلوب تُجرى لها عمليات تمييل وهمية. ويشير خصوصاً إلى أن أحد المستشفيات يجري عملية تمييل قلب للمريض، وإذا كانت النتيجة إيجابية ولا يلزم المريض عملية قلب مفتوح، يلجأ بالتواطؤ مع طبيب القلب الذي يتعامل معه إلى التزوير ووضع اسم المريض على شريط مريض آخر، ثم يرسلون هذا المريض المغلوب على أمره إلى غرفة العمليات، ويفتحون قلبه ثم يغلقونه من دون أن تمتد إليه يد الطبيب. وهكذا تقدم المستشفى الفاتورة لوزارة الصحة والضمان الاجتماعي وتقبض ثمن عملية وهمية.