الحاكم الشجاع

بعد أقل من ساعتين على إعلان نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، أعلن ليونيل جوسبان اعتزاله الحياة السياسية، وبهذا المعنى انطوى اعتزال الرجل على تحميل نفسه مسؤولية الانكسار التاريخي للحزب الاشتراكي الفرنسي.

لم ينتظر جوسبان قيام "ثورة مضادّة" في حزبه لإزاحته عن رئاسة الحزب، ولا ذهب إلى التشدق بوجود مؤامرة التفّت حبالها حول عنقه أو عنق الحزب لأجل جعله مهزوماً ومرذولاً، ولا استقر على قول مفيد عن تزوير انتخابي أطاحه ودفع اليسار الفرنسي إلى الترنّح.. جل ما قاله ومن دون أن ينطق بحرف، ان إدارته السيّئة هزمته، واحتراماً لحزبه ولفرنسا أعلن اعتزاله..

في المقابل لم تخرج "الجماهير" إلى الشوارع صائحة وهائجة ومرددة "بالدم.. بالروح.. حنكمل المشوار"، بل انطلقت سريعاً لاستدراك آثار الهزيمة عبر استيلاد قيادة جديدة تعيد دراسة أسباب الهزيمة وتشخيص عواملها بغية صناعة نصر مرتقب.. أي ان اليسار الفرنسي اعترف بالهزيمة، وتلك هي مقدمات التصويب والتصحيح والنصر أيضاً.

في العالم العربي لا شيء من هذا القبيل، عالم لا يعرف الهزائم، لا يراجع ماضيه ولا ينقد أداءه.. وحين يكون التاريخ سلسلة من الانتصارات المتواصلة، يعني ان لا ضرورة للتغيير ولا ضرورة للمراجعة.. وبهذا المعنى أيضاً، كيف يمكن تعريب الهزيمة عن النصر؟

المعضلة في العالم العربي أنه بعد كل هزيمة يزداد الارتباط بـ"الزعيم"، وترتفع إيقاعات الولاء له، وكلما تكاثرت الهزائم احتشدت العواطف الموصلة نحو "الزعيم" المستهدَف (بفتح الدال)، وكلما فاضت الهزائم استقر "الزعيم" على وحدانيته وثبت بالسلطة واستمسك بالحكم، وغدا فوق الجغرافيا وفوق التاريخ وفوق البشر بطبيعة الحال..

كم نظاماً في العالم العربي عليه أن يستقيل؟!

وكم سلطاناً سياسياً عليه أن يعتزل؟..

وكم زعيماً عليه أن يرحل؟..

ومتى تدرك "الجماهير" أن التظاهرة لمبايعة "الزعيم" أو النظام المهزوم ليس أكثر من استمرار الهزيمة وتناسلها إلى هزائم؟..

هذا العالم العربي بحاجة إلى حاكم شجاع، حاكم يقول "السلام عليكم" أيها الناس.. حكمتُ فهُزمت.. "اسمحوا لي بأن أرتاح".. هل يحصل ذلك؟

توفيق شومان