|
|
|
في خلفية مشهد الحرب الدموية المروّعة الدائرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، تدور رحى حرب طاحنة من نوع آخر، هي الحرب النفسية والمعنوية، حيث يستخدم الفريقان كل ما لديهما من مخزون احتياطي أدبي ومادي وسياسي ودبلوماسي لكي يحطم أحدهما ارادة الآخر ويدخله في حالة اليأس والقنوط والانكسار. وما من شك في أن "إسرائيل" التي تمر في مرحلة تحولات ثقافية واجتماعية واقتصادية وأمنية في اتجاه الأمركة، تدرك أن لديها الكثير مما تخسره في هذا الميدان، كما تدرك بالتالي أن مدى انكشافها وسرعة عطبها هي أكبر بكثير مما يمكن أن يتعرض له المجتمع الفلسطيني المعتاد على تحمل الأسى والألم بصبر واحتساب نابعين من العمق الديني والتراثي والتربوي والواقعي الذي يعيشه منذ النكبة الكبرى عام 1948، على الرغم من كل ما لحق به في الماضي والحاضر من مجازر وحصار وتجويع وتهجير جماعي. وإن احتشاد الشبان والأولاد والرجال والنساء الفلسطينيين في وجه آلة الحرب الإسرائيلية الرهيبة في السماء وعلى الأرض، لممارسة شعيرة الجهاد بالحجارة، أو ما تيسر من أدوات الدفاع البسيطة والخفيفة، ما هو إلا تعبير عملي واضح عن الشعور العميق بالأمل وعزة الحق، وأيضاً عن الاحساس العميق بإرادة النصر، في حين ورد في آخر كراس وزعه الوفد الفلسطيني على الاعلاميين في قمة بيروت ان نسبة الجنود الاسرائيليين الذين يفرون من الخدمة ارتفعت إلى 13% خلال العام 2001، مقارنة مع العام الذي سبقه، كما جرت محاكمة 11200 مجند ومجندة خلال العام نفسه، الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية برمتها تهتز بفعل هذا الأمر.. كما ان حياة الاسرائيليين في المستوطنات قد انكمشت بصورة غير مألوفة، هذا إلى ظاهرة تسجيل أرقام قياسية في الاقبال على العيادات النفسية ومستشفيات الأمراض العصبية وتعاطي المهدئات والمخدرات، جنباً الى جنب مع حصول تغيرات دراماتيكية في السلوك اليومي الفردي والجماعي، حيث سجل ارتفاع في حدة العنف الكلامي داخل البيوت والمدارس والشوارع والمؤسسات العامة، وبات أغلب الناس يؤثرون المكوث في بيوتهم وتلافي الركوب في الباصات أو المرور في الطرق والأماكن المكتظة، وخاصة المقاهي والملاهي والمجمعات التجارية التي طاولتها جميعاً عمليات الاستشهاديين والاستشهاديات من الفلسطينيين، حتى بات الأهل يودعون أبناءهم والأبناء يودعون أهاليهم لأنهم باتوا لا يعرفون ما إذا كانوا سيعودون إلى بيوتهم سالمين أم لا.. في مقابل كل هذه الظواهر أعرب 35% من الشبان الإسرائيليين عن رغبتهم في الهجرة، كما ارتفعت طلبات المغادرة إلى كندا وبريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا بنسبة تتراوح بين 25 ـ 50% عما كانت عليه قبل الانتفاضة. وتحدثت المصادر الفرنسية والألمانية عن إقبال غير مألوف على استصدار جوازات سفر ألمانية وفرنسية، حتى قيل إن نحو مليون إسرائيلي قد غادروا "إسرائيل" فعلاً بصورة مؤقتة أو دائمة. كما انخفضت نسبة المهاجرين الوافدين إلى "إسرائيل" بنسبة 45% عما كانت عليه في العام الماضي، واعتبر العام 2001 العام الأسوأ منذ اثنتي عشرة سنة خلت على صعيد معدل الهجرة. كل هذه الحقائق مضافة إلى الخسائر البشرية في أعداد القتلى والمشوهين والمعاقين، والخسائر الاقتصادية التي بلغت حسب الاحصاءات الرسمية نحو خمسة مليارات دولار، وارتفاع معدلات البطالة بأكثر من 13%، والركود الانتاجي والتجاري، وتوقف مئات المصانع عن العمل وتضرر القطاع السياسي، وسواها من الأضرار المباشرة وغير المباشرة، إنما تشكل عوامل توضيح وتفسير واقعية وموضوعية لحال الانجراف والانجرار التي يتعرض لها المجتمع الاسرائيلي ـ بفعل السياسة الشارونية ـ نحو هاوية سحيقة من مشاعر الاحباط واليأس والاكتئاب.. وهي مشاعر عبّر عنها الخبير والمحلل الاقتصادي سيفر بلوتسكر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" (7/3/2002) بقوله: "الناس يُقتلون، الناس يموتون، الناس ينزفون، الناس يخافون، الناس يتحدثون عن الكارثة والنهاية والضياع.. الناس يصبُّون جام غضبهم على اليسار وعلى اليمين من دون حساب.. في الثالثة فجراً تعلن الاذاعة عن العملية الأولى في اليوم، وفي منتصف الليل يُعلن عن العملية الأخيرة.. وبين هذه وتلك يجري إحصاء الموتى والقبور.. الناس يترقبون أن يحدث شيء ما يوقظهم من كابوس الرعب اليومي.. والناس يعرفون أنهم ينتظرون عبثاً". بهذه العبارات اختصر بلوتسكر لسان حال الأغلبية الصامتة الاسرائيلية، التي تجري منذ اليوم حساباتها العسيرة للانتخابات المقبلة، بعد أن أدركت خطورة ما أقدمت عليه من منحها الثقة والتفويض لشارون وحكومته العرفية العسكرية بامتياز، التي قال عنها بلوتسكر "إنها من أكثر الحكومات الاسرائيلية فشلاً في أيام هي من أشد الأيام التي عرفتها إسرائيل صعوبة، انها حكومة ولىَّ زمانها، لن يخرج منها أي شيء جيد، وهي لن تتخذ أي قرار حكيم أو حصيف ينقذنا من الأزمة.. إنها ممتازة في شتم عرفات ولعن التنظيم وتهديد حماس، لكنها عاجزة عن عمل أي شيء يجعلنا نعيش هنا حياة طبيعية أو شبه طبيعية بعض الشيء.. والجواب الوحيد الذي تقدمه للشعب المعذب والغاضب الذي يفقد بسرعة أمنه وثقته، هو أنه ليس لها جواب، لأن الوضع معقّد". ويمضي بلوتسكر في توضيح أن الشعب الإسرائيلي فقد الحد الأدنى من أمنه الشخصي والاقتصادي، وبات قلبه مملوءاً بالسأم والضجر ومشاعر العجز والاكتئاب، فهذه الحكومة حرمته من أي بصيص أمل في السلام والخلاص، كما جعلته طعماً لعمليات المقاومة المتصاعدة بسبب رفعها وتيرة الاضطهاد والتصفية العرفية بحق المواطنين الفلسطينيين. وقد كتب المحلل غاي بخور في صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوضح حالة الهستيريا الجماعية التي انتابت المجتمع الاسرائيلي فقال: "جمهورنا على ما يبدو، مصاب بما يشبه الجنون الاكتئابي بالنسبة الى كل ما يحصل. ففي سنوات أوسلو جرى عندنا الاحتفال بنهاية عهد الحرب.. واليوم الوضع معاكس: كآبة عميقة شخصية وجماعية". وهذا كله برغم أن "اسرائيل" هي حسب قول بخور، واحدة من بين 25 دولة ثرية في العالم مع ناتج قومي يصل إلى 114 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل الناتج القومي في جميع الدول العربية المجاورة (الناتج القومي للسلطة الفلسطينية 2,5 مليار، والأردن 9 مليارات، ولبنان 18 ملياراً ومصر 83 ملياراً). وعلى الرغم من معالم القوة هذه، تبقى "اسرائيل" في حالة ضياع وجودي يردّها يسرائيل هرئيل في "هآرتس" إلى فقدانها إمكانية ما يسميه الرد العسكري المنهجي الموصل إلى الحسم. وفي هذا السياق يقول: "ان عدم قدرة شارون على عرض بديل استراتيجي هو السبب المركزي للإحباط والقنوط والعصبية وتكرار السؤال: ماذا سيحدث في النهاية؟! وبالتالي فالوحشية المنفلتة من عقالها التي يبديها شارون في تقتيل الفلسطينيين وتخريب كامل البنية التحتية الأساسية حتى لحياتهم المدنية البسيطة، انما تعود في قسم أساسي منها إلى رفع المعنويات الاسرائيلية المنهارة، وإلى رغبته في كسب الوقت بعد أن ضغطت الانتفاضة على أنفاسه وكادت تطيح به، هذا ناهيك عن إدراك شارون ان عامل الزمن مع ما يرافقه من خسائر مادية وبشرية بات لا يستنزف قدرات الكيان الصهيوني وهيبته فقط، بل إنه بات يستنزف ما تبقى له من فرصة لإثبات جدوى استمراره السياسي في قمة السلطة". وقد كتب الدكتور جاد برزيلاي أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، ان ظاهرة استعادة الكثير من الاسرائيليين جنسية بلدانهم الأصلية تعبر حسب قوله عن "احتجاج جماعي". ويضيف: "إنه تعبير نخبوي يفصح عن ميل موجود داخل المجتمع الاسرائيلي يتضمن شعوراً بالاغتراب وعدم الثقة بقدرة المؤسسات الديمقراطية على افراز زعامة سياسية جديدة". واستذكر ظاهرة المبادرين الى إنشاء "إسرائيل الجديدة" في مكان آخر من العالم، وقال "إنه منذ وقت بعيد يلاحظ وجود هجرة أدمغة، وقد أضيف إليها في الشهور الأخيرة أيضاً اليأس من قدرة الصيرورات المعهودة في المجتمع الاسرائيلي على إحداث التغيير المطلوب". أما الباحثة الاجتماعية روزنتال فكتبت تشرح هذه الظاهرة في صحيفة "هآرتس" بقولها: "إن ظاهرة امتلاك جنسية مزدوجة هي جزء من الشعور بالنفي الداخلي". أضافت: "هناك إحساس بأن البيت يتفكك وليس بوسعك التأثير في ذلك. ولتيار التاريخ قوته الخاصة، والمزيد من الناس يشعرون بأنهم غير مؤثرين. أنا لست على ثقة بأننا جميعاً نرغب في أن نكون مسؤولين عن أفعال تحصل باسمنا، وأحد الاحتمالات هو ترك البلد إلى دولة أخرى". ان شارون المضغوط بمثل هذه المواقف والحقائق، يستجير بالمنقذ الأميركي، وكلاهما لا يجد من سبيل سوى الضغط على القيادة الفلسطينية التي تتحول برغم ذلك إلى الرقم الأصعب، لأن قتل الرئيس عرفات بات أكثر إحراجاً من الحفاظ على حياته، ومن سخرية القدر ومفارقات الأمور أن الرئيس عرفات المحاصر والمأسور بات له اليد الطولى في الابقاء على شارون في سدة السلطة.. وأكثر من هذا ان استمرار الانتفاضة بات هو العامل الحاسم الذي يحدد للشعب الاسرائيلي من سيكون رئيس حكومته المقبل. *باحث لبناني في الشؤون الإسرائيلية |