شؤون وقضايا
توتاليتارية الشر المقيم

ما الذي ينتظره العالم من أميركا بعد؟

في أوروبا على المتعين كانت النخب تتريّب حيث بات المصير المنظور لعالم القرن الحادي والعشرين وقفاً على أمة محكومة بعقد نقصٍ غير مسبوقة، بينما هاجس الأمن وعنف القوة هو مآلها الأخير في حسم الأوضاع. في أميركا نفسها الغارقة الهائمة في طيف انتصاراتها، لا يلبث ان يستيقظ بعض مفكريها واستراتيجييها لينظروا الى الصورة من وجهها الآخر. أما في عوالمنا فلا شيء يدعو الى التريث لانتظار الحصاد، حيث الصورة أوضح من ان تعرّف..

سوف ننأى قليلاً من المشهد المكتظ الآن بالأخبار لكي نرى على الجملة ما يمضي العالم نحوه برفقة أميركا..

بعد قليل من عبور العالم الى فضاء "الألفية الثالثة"، لن يكون له على المرجح فسحة للغبطة، وإلى أمد غير منظور سيجد الانسان المعاصر نفسه مرغماً على قبول الحزن كقدر لا مهرب منه، كأنما يراد للبشرية ان تجني ما فعلت أيدي أبنائها سحابة قرن من الدخول الى مغامرات العقل والحداثة وما بعد الحداثة.. حتى اذا أوشك القرن العشرون على الانصرام بدا كما لو ان منجزات العقلانية تعود القهقرى، ويعود العالم معها الى همجيته وإلى عقلانيته.

الى هذا المدى يفصح التشاؤم عن وجهه المروّع؟

يجب ألا ننسى أننا ختمنا زمناً، بدأنا زمناً آخر، هكذا وجب علينا ان نبني افتراضنا ما دام الحادث السياسي الذي عصف بالعالم منذ سنين قليلة شاء لنا ان نؤمن ونسلم بما تجيء به إلينا لغة المنتصر وحكاياته.. ومع هذا فلم يتحصّل شيء من الأمان العالمي، لقد عاد المشهد الاجمالي الى ما يضع العالم أمامنا وهو في ذروة تفككه وتمزقه، فبدل ان يتجه صعداً لكي يصبح قرية كونية زعماً وفعلاً، صار ممزقاً الى قرى متناثرة متباعدة متحاقدة، تسودها الحمى العرقية والحروب الطوائفية والمنازعات القومية والأثنية. لقد بدا كأن "الثورة التكنوترونية" وثورة الاتصالات والكومبيوتر المتطور والانترنت هي أدنى الى ان تكون نقمة على مجتمعات آخر القرن، وثمة إجماع مرير على ان هذه الثورات التي بدت سلمية وبيضاء في ظاهرها، ليست سوى كائنات مرعبة أو وحوش تطحن في أحشائها كل وعد بخير يرنو الانسان اليه. منذ ابتدائها في السبعينات كان الأثر العالمي للثورة التكنوثرونية يتخذ اتجاهاً سالباً لذات الانسان، وكان ينذر في كثير من وجوهه بالكارثة. فعلى صعيد التوحد العالمي لم يكن لثورة التكنولوجيا من أثر، لكنها أوجدت مفارقة فظيعة, انها المفارقة التي حدت بأحد كبار منظري "الحقبة الامبريالية" للولايات المتحدة الاميركية زبيغنيو بريجنسكي أن يرى ان الأمر المتناقض في ظل ثورة المعلومات - الكومبيوتر هو ان الانسانية تصبح أكثر وحدة وأكثر تفتتاً في الوقت عينه. وكان بريجنسكي على نظر ثاقب "استراتيجي" حين رأى هذه المفارقة بأنها الحركة الدافعة  الرئيسية للتغيير المعاصر. "فلقد انضغط الزمان والمكان بشكل يجعل السياسات العالمية تكشف عن اتجاه نحو أشكال من التعاون أكبر وأكثر تداخلاً. وكذلك نحو تفسخ القناعات المستقرة والولاءات الأيديولجية. ان الانسانية تصبح أكثر اندماجاً وتقارباً حتى مع ازدياد الاختلافات في ظروف كل مجتمع على حدة. وفي ظل هذه الظروف فإن التقارب بدلاً من ان يقوي الوحدة يؤدي الى نشوء توترات تزداد حدة بشعور جديد بالاحتقان العالمي".

اذا كانت هذه هي حال العالم قبل أكثر من ربع قرن، فكيف سيرى واحدنا هذه الحال الآن؟

من البديهي ان نتواجه مع الفظاعة في أشد صورها وتلاوينها ومؤدياتها. ان عالم اليوم بلا يقين، فهو عالم قدر لنا ان نعيش وقائعه من دون ان نملك ما يجعلنا نطمئن الى راهن الوقائع ومقبلها، عالم ملتزم بين عصرين: بين ماضٍ مشبع بمغامرات العقل، ومقبل غارق في ضباب ما نجم عن مغامرات العقل.. إنه عالم لم يتخلص من الماضي، فبدأ ماضيه حاضراً مستمراً لا تتجلى فيه غير الفوضى والخواء والمخافة. وهو عالم لا يأتي اليه "المستقبل" حتى بملامح نظام يمكن المجتمعات ان ترتكز اليها لتبني تفاؤلها التاريخي.

 

توتاليتارية الشر 

كان الشاعر الفرنسي لوي أراغون يرى ان نهايات العصور تثير دوماً شعوراً بالرهبة.. وها نحن نعيش عصر النهايات بامتياز. كل شيء أعلنت نهايته زوراً أو أنه هو قد انتهى فعلاً، وليس له قيامة محتملة. هذي هي الحرب الباردة تنزاح من أحكامها وأبعادها الكلاسيكية لحقوق الانسان، فضلاً عن مفاهيم الاخلاق والديمقراطية وسلطة الحكم. لقد انزاحت الحرب الباردة كتوازن للهلع النووي، لكنها لم تفعل بانزياحها غير إنتاج الهلع النووي على نحو أفظع وأكثر إيلاماً. والماركسية التي غالباً ما منحت الصراعات الكبرى والحروب الصغيرة تفاؤلها ببلوغ الشعوب "فراديسها"، ها هي تخبو وتتوارى هي نفسها. أما الرأسمالية الليبرالية فإنها لم تعش طويلاً في جنة انتصارها على الشيوعية السياسية ودولها، لم تكد تعبر حقبة الحرب الباردة لتلتذ بما حصّلته من نصر، حتى انفجر العالم من كل صوب، كأن "الدولة العالمية المنسجمة" التي أخذتها "الأيديولوجيا الأميركية" عن هيغل وماركس أخذاً حرفياً، لم تكن في الواقع سوى الحالة المعكوسة على الولايات المتحدة الأميركية كدولة منتصرة. لقد كشفت واحدية العالم في خلال وقت قليل، عما في أميركا من ضعف واحتقان، من إقصاء للمعقول السياسي في ادارة شؤون العالم.. أظهرت دولة ينقصها الانسجام في ذاتها ومع العالم.. وليست عالميتها في هذا المعنى، إلا بمدى اتساع قوتها وآليات السيطرة لديها من أجل إعادة اكتساح العالم وإلقاء القبض على مقومات ثروته وأنظمته السياسية.

الحاصل اليوم على وجه اليقين، ان العقل السياسي والاستراتيجي للولايات المتحدة يعيد إنتاج واحديته بوتائر أشد، وبدا كما لو أنه يمضي بالعالم وبوعي سابق الى ضرب من جاهلية لا يبقى في ظلها شيء إلا واقع في دائرة الخطر.

هل لنا ان نتوقع نبأً سعيداً بعد؟

الشعور العالمي الآن مشحون بالأسئلة وعلامات الشك والتريب، لا يبدو هنالك احتمالات أجوبة، وإذا كان ثمة ما يشبه التوازن والاستقرار، فذلك مما لا يزال صالحاً من قيم الحرب الباردة، ولا ينفك العالم ممسكاً به. وغالب الظن أنه لولا ما في حوزة العالم من موروث الحرب البادرة - من أنظمة وقوانين دولية - لكانت وقعت حروب لا تتوقف على السلاح التقليدي، ولدخل العالم برمته في تحديات أقرب ما تكون الى تحديات القبائل وعصبيات العصر الوسيط. كانت أميركا في أثناء الحرب الباردة أكثر إحساساً بالراحة، كان أمامها عدو معروف بعينه هو الاتحاد السوفياتي ومن معه في معسكره وحلفاء معسكره في الشرق والغرب، كان عدواً له جغرافياه السياسية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية، وله أيديولوجياه وثقافته وسياساته واستراتيجياته، وكانت الولايات المتحدة واضحة في محاربة عدو واضح، وتملك الثروة والقوة والجغرافيا وكذلك الأيديولوجيا. هكذا سهل عليها ان تخوض حرب التوازن بنجاح مثلما خاضت بعد ذلك حرب النجوم، حتى اذا أتت لحظة الحرب الفصل اعتلى الرئيس الجمهوري رونالد ريغان منصات التلفزة الأميركية في خريف 1984 ليعلن "ان هناك دباً في الغابة" يراه بعض الناس بسهولة، بينما لا يراه آخرون على الإطلاق، ويقول البعض ان الدب أليف، ويقول آخرون إنه متوحش وخطير". وعلى أي حال، فإن ريغان الذي أطلق دعواه لتدمير امبراطورية الشر، لم يقصد من وراء الاشارة الى وجود الدب السوفياتي في الغابة العالمية، إلا تحفيز الأميركيين وحلفائهم على قتله..

لم تكن حرب النجوم التي اختتم بها ريغان ولايتين أميركيتين متتاليتين، إلا المرآة الأيديولوجية لروح السيطرة والاستحواذ.. فالاعتقاد الأميركي بـ"رسالية" دولتهم وبأنها "وليدة الوعد الخارق" والمخلص الذي يبعد عن البشرية كأس الدمار المحقق، ان هو إلا توسل متجدد لأيديولوجيا التفاؤل. لقد حجبت الرؤى الأميركية - المتشائمة حول مستقبل الشيوعية عقيدة مقلوبة بالنسبة الى مستقبل أميركا, وأشاع نظريو المعاهد الاميركية ووزارة الدفاع والخارجية من الأوهام والتهيؤات ما يكفي لخلق قناعات عالمية.

لكن الوقت لم يطل حتى طلع من الأميركيين من نبّه الى نهاية محتومة "للفرادة" الأميركية. هذا فرانسيس فوكوياما سيعود القهقرى عن تفاؤله بمقبل أميركا، ليعلن ولو مواربة، ان التاريخ ابتدأ رحلته من جديد بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001.. فأميركا المحصّنة داخل قلعتها التاريخية ستخترقها النار من ناحية القلب، لم تعد تلك الدولة التي شرّعت لنفسها العنف ضد الآخر، من دون ان تلقى من الآخر عنفاً موازياً. ذلك الذي أكده الحادث البلقاني وبعده الأفغاني، وهو ما سيمضي اليه الحادث الفلسطيني الى ذروة انقشاع الصورة، صورة أميركا بوصفها توليتارية الشر المقيم بامتياز.

محمود حيدر