|
د.عقيل الشيخ حسين*
الاستهجان الذي قوبلت به عبارة الرئيس جورج بوش التي وصف فيها شارون بأنه "رجل سلام"، هو واحد من التعبيرات الساذجة عن المشكلة المستعصية في أرجاء واسعة من آلية التفكير العربي، والمتمثلة بالتمادي في التعامل مع الأمور من غير وجهها ومعالجتها بغير أدويتها.
فالمرجعية الوحيدة لذلك الاستهجان - في ظل التشبث العربي المرضي بفكرة السلام خياراً وحيداً أوحد، أو بفكرة الحرب خياراً وحيداً أوحد، مع فصل كل منهما عن مقتضياتها على مستوى النشاط الكلي والمتعدد الأبعاد - هي القضية المنطقية الصورية: "شارون يقتل ويدمر، فهو إذن رجل حرب لا رجل سلام.."، وهي قضية لا يستقيم معناها بالشكل نفسه عند الجميع لاختلاف المداليل الثقافية لمفهومي الحرب والسلام.
وفي ما يتعدى التذكير بأن الحرب ليست شرّيرة بذاتها، بدليل وجود حرب تحرير وحرب عادلة وحرب مقدسة، وبأن السلام ليس خيراً بذاته، بدليل وجود سلام الجبناء والضعفاء والأذلاء والمقهورين، فإن ما لا يأخذه المستهجنون بعين الاعتبار، هو طبيعة المدلول الثقافي لمفهومي الحرب والسلام عند أمثال بوش وشارون، فهذا المدلول هو تعبير صادق تماماً عن المعنى الذي أخذته كل واحدة من اللفظتين في عمق الفهم الاستكباري المنطلق في عموم الثقافة الغربية من نقطة التقاء محوريها اليهودي - المسيحي والأغريقي - اللاتيني، وهذا الفهم نجده على الأقل في مضمون لفظة Pacification التي تعني حرفياً "إحلال السلام"، في حين أن معناها العميق لا يكتمل إلا بإضافة عبارة "عن طريق الحرب".. ويقتضي هذا الفهم أن تدمير أريحا على أيدي العبرانيين الأوائل وقتل جميع الأحياء فيها من بشر وبهائم، هو عمل جهادي شريف قام به قوم مؤمنون ضد كفرة ومشركين. والفهم نفسه هو ما تقوم عليه فكرة "الباكس رومانا" (إبادة البربرية لإرساء الحضارة الرومانية)، و"الباكس أميركانا" (إبادة الهنود الحمر والشيوعيين والديكتاتوريين والإرهابيين لإرساء الحضارة والديمقراطية الأميركيتين)، كما تقوم على الفهم نفسه فكرة "الجحيم هو الآخر"، التي تستند اليها وجودية سارتر، أرقى الفلسفات الانسانية في الغرب.
والنتيجة واضحة: السلام من وجهة نظر بوش وشارون هو شيء يُفرض بالحرب، وبحرب الإبادة الكاملة التي نجد صورها في أريحا القديمة وسائر "الأريحات" الجديدة، بما فيها تلك الإبادة الأكثر خطورة التي تتمثل بأنماط العيش والإنتاج والاستهلاك وغيرها من أوجه النشاط الزاحفة، وهذا ما ينبغي للعرب أن يفهموه من جهتهم، بما أن الدعوة الى الكلمة السواء تظل بلا معنى بغير دعاة يعتبرون ان "الجنة في ظلال السيوف".
*كاتب من أسرة "الانتقاد"