|
|
|
أهيلوا التراب على الأجساد التي لفحتها الريح وقلبتها شمس جنين وأخواتها، وقبل أن تواروها الثرى انزعوا عنها ملامحها وعلاماتها الفارقة والمائزة، فلكثرة الأسماء والأجساد المسجاة ما عدنا نميز بعضها عن بعض، وما عدنا نعي أنه كان لكل واحد منها تاريخ وحياة وذكريات وأحلام محققة وأخرى هاربة.. فتحت أحجار طواحين الدم الشارونية، أمست أجساد الفلسطينيين جسداً واحداً مغمساً بالدم، ليس هناك ما يميزه عن غيره أو يفرّقه عن سواه. شهيد فلسطيني نقول أو جريح فلسطيني هكذا من دون أي علامة فارقة، من دون اسم، من دون هوية.. فلا شاب يتمنى أن يتخرج من الجامعة طبيباً أو مهندساً أو ... ويكون له خطيبة تمسي فيما بعد زوجة وأولاداً، رسمناه في المخيلة حامل حجارة، أو بندقية خفيفة أو مزنراً بالمتفجرات، غير ملتفتين أن خلف هذه الأيقونة الفدائية المشرقة كان ثمة إنسان له نجاحاته وإخفاقاته وقلقه وهواجسه... فلا أم تهفو لرؤية أبناء أبنائها، ولا أب كان قبل دقائق من استشهاده يحمل قوت عياله جبنة وزيتوناً وبرتقالاً في كيس ورق أسمر، لقد نزعنا عن الفلسطيني شرطه الإنساني وعلقناه في وعينا بطلاً كتب عليه أن يذوب أمام أعيننا، من دون أن نكلف أنفسنا حتى عدّ الرصاصات التي في حوزته والتي سيواجه فيها آلة الحرب الشارونية في عراء هذه الصحراء المريبة. لم نتجاوز كعرب ومسلمين حد التعاطف مع القضية الفلسطينية، وكل ما يقال هنا وهناك جعجعة من دون طحين. وحدها بندقية المقاومة الإسلامية كانت تنتفض على مشارف الجليل، ووحدهم حاملوها كانوا يتوجعون من كبح تنمرهم واندفاعاتهم باتجاه فلسطين. وثلة من المتطوعين وصلت "بالقطارة" من مصر، فحولت الكلام الى فعل والصوت الى رقم ورصاص. حسن نعيم
|