في كيفية مواجهة الأعداء

بقلم الشيخ محمد توفيق المقداد

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم "أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لقدير".

"الجهاد" هو الأسلوب الأول الذي فرضه الله على المسلمين عند تعرض أرضهم لعدوانٍ شنه أعداؤهم عليهم، سواء من أجل احتلال أرضهم أو سلبهم خيراتهم ومواردهم، أو لجعل المسلمين تحت إرادتهم ووصايتهم.

والمراد من الجهاد هنا هو "معناه العسكري" كما تشير الآية الكريمة في قوله تعالى "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قوم مؤمنين ويُذهِب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم".

ولا شك في أن الجهاد العسكري له مرئيات ومستلزمات لا بد من تجهيزها وإعدادها ليكون المسلمون قادرين على المواجهة والقتال، ولذا يدعو الله أتباعه الصادقين إلى التعبئة الشاملة كما في قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.."، لأنه من دون إعداد العدة وتجهيز المقاتلين وتحصين المواقع والثغور لن يستطيع المسلمون القتال أو الصمود حتى لو قاتلوا، وهذا يعني وقوع بلادهم تحت قوة العدو وسيطرته.

والجهاد في الموارد التي ذكرناها واجب لا يجوز التخلي عنه أو الهروب منه، لأن ذلك معصية كبيرة وله عقاب كبير جداً عند الله سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل: "إلاَّ تنفروا يعذبْكم عذاباً أليماً.."، ويقول أيضاً: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين".

ومع كل هذا المناخ القرآني الداعي إلى الجهاد بشكل واضح وصريح، والناهي عن القعود والتخاذل عن الجهاد والمهدِّد لمن يتركون الالتزام بهذا الواجب، تارة بإبدالهم بقوم آخرين وتارة بعذاب الآخرة ونارها المستعرة الحارقة، نرى اليوم أن غالبية دول عالمينا العربي والإسلامي لا يقومون بأداء واجب الجهاد ضد أعداء الإسلام، سواء أميركا أو "إسرائيل"، ما يعطي لأولئك الأعداء الفرصة والوقت الكافي ليزدادوا قوة ويزيدوا من عدوانهم وإجرامهم ضد الإسلام والمسلمين على كل المستويات.

هذا على مستوى الأنظمة والأجهزة الحاكمة، أمّا الشعوب العربية والإسلامية فلها رأي آخر مخالف جداً لرأي الأنظمة والحكام، فالشعوب ترى وجوب الالتزام بفريضة الجهاد حتى التحرير الكامل لأرض فلسطين السليبة والقدس الحبيبة، وأن بذل الأرواح والتضحية بالدماء هما ثمن زهيد وقليل من أجل تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأن هيمنة أميركا على العالمين العربي والإسلامي يجب أن تزول وتنتهي، ليمتلك المسلمون مقدراتهم بيدهم، ويكون لهم قرارهم الحر المستقل البعيد عن التأثر بمصالح القوى الكبرى في العالم، وتحديداً أميركا، كما هي الحال اليوم.

لكن من خلال الواقع الموجود في عالمنا العربي والإسلامي بشكل عام، فإن قيام الشعوب الإسلامية بأداء وظيفة الجهاد دونها عقبات كثيرة، أولها ـ للأسف ـ تقاعس الأنظمة وتخاذلها، وانتشالها من هذا الموقع المتردي إلى الموقع الذي من المفترض أن تكون فيه يحتاج إلى الكثير من النشاطات الشعبية ذات الطابع التعبوي والثوري، الذي يحتاج إلى الوقت الطويل ـ أقله في المدى المنظور ـ ولذا كان لا بد من البحث عن بديل أو بدائل أخرى لواجب الجهاد المقدس، إلى أن يحين الظرف المناسب الذي تتمكن فيه الشعوب العربية والإسلامية من إيصال أنظمتها إلى الحالة التي تتمناها الشعوب، وهي الإعلان الجماعي للعالم العربي الحرب على "إسرائيل"، ويسانده في ذلك العالم الإسلامي الأوسع والأشمل.

أما البديل أو البدائل عن الجهاد في الظرف الراهن فنترك الحديث عنه إلى المقالة القادمة إن شاء الله تعالى.